Loading

الخميس، 11 فبراير، 2010

هوامش حرة : أشباح الميريديان

هوامش حرة



أشباح الميريديان



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




قليلة جدا تلك المناطق المتميزة علي ضفاف النيل‏..‏ وفي القاهرة موقع فريد لا شبيه له أقيم عليه منذ سنوات واحد من أجمل الفنادق ليس في مصر فقط ولكن علي مستوي العالم وهو فندق الميريديان في بداية برامج الخصخصة تم بيع الفندق الجميل بمبلغ‏70‏ مليون دولار لمستثمر عربي دفع منها‏15‏ مليون دولار فقط اقترضها من أحد البنوك المصرية ثم طلب سداد بقية الثمن علي أقساط‏..‏ وبعد فترة قليلة أقام فندقـا كبيرا علي الأرض الخالية حول فندق الميريديان ولم يدفع فيها شيئـا‏..‏ الغريب في الأمر ليس ثمن البيع أو التقسيط أو عدم السداد‏,‏ ولكن الغريب حقـا أن الفندق العريق مغلق منذ عشر سنوات بحجراته التي تزيد علي‏300‏ حجرة وموقعه ومكانه وزواره وأخيرا‏..‏ عششت فيه الغربان‏..‏ وسكنته الفئران وطافت في حجراته الأشباح‏..‏



ولا أدري ألم يتساءل مسئول في حكومتنا الرشيدة عن سبب إغلاق الفندق وإخراجه من الخدمة وهو يشاهد هذا البناء الجميل تتراكم عليه كل يوم تلال من التراب التي غيرت لونه وشوهت صورته‏..‏ وهذا الصمت الرهيب الذي يحيط بواحد من أجمل فنادقنا تم بيعه وإغلاقه لأسباب لا يعرفها أحد‏..‏



وكم من سؤال دار في ذهني وأنا أشاهد تلال التراب تغطي الفندق العريق‏..‏ أين العمال الذين كانوا يعملون فيه‏..‏ وكم بيتا كان ينفق عليها وكم زائرا سكن فيه‏..‏ وكم من الدخل حرمنا البلد من إيرادات هذا الفندق خاصة أن السائح في مصر الآن لا يجد غرفة خالية يسكنها أمام التكدس الرهيب في الفنادق المصرية‏..‏



لو أن متوسط الإشغال في الفندق المغلق‏60%‏ فقط فنحن أمام‏200‏ غرفة يوميا‏..‏ ولو أن إيجار الغرفة‏200‏ دولار فقط فنحن أمام‏40‏ ألف دولار يوميا أي مليون و‏200‏ ألف دولار شهريا أي أكثر من‏15‏ مليون دولار سنويا أي ما يقرب من‏90‏ مليون جنيه‏..‏ وهذا الفندق مغلق منذ عشر سنوات أي أننا أضعنا علي هذا البلد‏900‏ مليون جنيه كان يمكن أن تدخل خزائنها في عشر سنوات‏..‏



كنت أتصور أن إغلاق الفندق الجميل بسبب إعادة تجديده وتأهيله وأن ذلك سوف يستغرق عاما أو عامان ولكن الوقت فات‏..‏ ومضت أعوام وأكوام التراب تتراكم عليه كل يوم واختفت تماما فكرة التجديد لتحل مكانها فكرة التخريب لأن بقاء المبني كل هذه السنوات بهذه الصورة الهدف منه هو تدمير منشآته وجدرانه ومبانيه بحيث يتحول إلي أطلال مع مرور الزمن‏..‏



فهل نحن نبيع المشروعات والمنشآت الجميلة لكي تتحول إلي خرائب وكيف سمحت الدولة لهذا المستثمر الذي دفع‏70‏ مليون دولار في كل هذه المنشآت أن يغلق فندقـا بهذا الحجم عشر سنوات كاملة دون أن يسأله أحد لماذا فعلت بنا ذلك‏..‏



هل يريد هدم الفندق بعد تخريبه وإذا كان يريد ذلك فلماذا تأخر عشر سنوات كاملة‏..‏ هل يريد تسقيع الأرض المقام عليها الفندق‏..‏ ما هو موقف الدولة المصرية في حكاية التسقيع هذه‏..‏ أم أن الكل يسقع الآن علي مزاجه‏..‏؟



ألم تسأل الدولة هذا المستثمر عن العمال الذين ذهبوا‏..‏ والدخل الذي ضاع والضرائب التي كان من الممكن أن يدفعها في حالة تشغيل الفندق أن إغلاق الفندق بهذه الصورة يحرم البلد من دخله ومن الضرائب ومن فرص العمالة فيه‏..‏ وقبل هذا كله أن الدولة تبيع هذه المشروعات لكي تعمل وتنتج وتزيد من مواردها وليس الهدف علي الإطلاق هدم المنشآت وبيعها في صورة أراضي بناء‏..‏



إن الخطأ الأكبر أن تبيع الدولة المشروعات دون أن تتابعها لأن هذا الفندق لو بقي حتي الآن في حيازة الدولة المصرية كان من الممكن أن يحقق دخلا في خمس سنوات فقط بقيمة ثمنه‏..‏ والسؤال الأخطر هل تعني ملكية المنشآت إغلاقها وتخريبها وتحويلها إلي أطلال ؟‏.‏وهل من حق الدولة أن تتدخل في مثل هذه الحالات وتمنع أصحاب الممتلكات الجدد سواء كانوا مصريين أو أجانب من سوء استخدامها أو إهمالها أو إغلاقها تماما دون الاستفادة منها ؟‏..‏



إنني أتصور أن من حق الدولة المصرية أن تسأل صاحب هذا الفندق لماذا أغلقه عشر سنوات ولماذا لم يتم تجديده إذا كانت لدية النية للتجديد‏..‏ أو هدمه إذا كان الهدف بيع الأرض‏..‏ وهل يحق له ذلك‏..‏ أن الغريب في الأمر أن هذا المالك اشتري شيراتون الغردقة ومساحته‏35‏ فدانـا وفعل فيه نفس الشيء‏..‏ أغلقه‏..‏ وتركه للأتربة والفئران ويستعد لكي يبيعه أرضـا خالية بعد هدمه‏..‏



وفي تقديري أن من حق الدولة بل أن من واجبها أن تراجع مشروعات باعتها بالملاليم وأغلقها أصحابها حتي أصبح سعرها بمئات الملايين ويجهزونها لتباع كأراضي بناء‏..‏ إن كل عابر أمام فندق المريديان يتساءل ما هو سبب هذا اللغز الرهيب‏..‏ كيف تركنا الفندق الجميل تسكنه الأشباح وسط ظلام دامس وليل موحش كئيب‏..‏ لا أعتقد أن ذلك يحدث في أي مكان آخر في العالم بما في ذلك البلد الذي ينتمي إليه صاحب هذا الفندق‏..‏



أريد إجابة من أي مسئول علي أي مستوي لماذا أغلقتم فندق الميريديان عشر سنوات كاملة وما هي الحكمة في ذلك‏..‏ وماذا حدث مع شيراتون الغردقة وهل تعني الخصخصة عند حكومتنا الرشيدة بيع المنشآت وتخريبها وتحويلها إلي أراضي بناء‏..‏ ؟ أطالب كل مواطن مصري يمر أمام فندق الميريديان أن يقرأ الفاتحة علي روحه ويضع زهرة علي أطلال مكان جميل غطت الأتربة جدارنه البيضاء وسكنته الأشباح‏.‏



لو كنت مسئولا في الحكومة لأمرت فورا بتشغيل الفندق دون الانتظار دقيقة واحدة‏..‏ أو إعادة تجديده إذا كان المالك يريد ذلك‏,‏ أما أن نتركه للأشباح فهذه جريمة من جرائم المال السايب‏..‏


‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر



مثـل النـوارس‏..‏

أقـطف اللـحظات من فـم الزمان

لـتحتوينـي فـرحة عذراء

في يوم سعيد



مثـل النـوارس‏..‏

تعتـريــنـي رعشة‏..‏ ويدق قـلبـي

حين تـأتي موجة

بالشوق تـسـكرني‏..‏ وأسـكرها



وأسألـها المزيد

مثـل النـوارس‏..‏

تـهدأ الأشواق في قـلبي قليــلا

ثـم يوقظـها صراخ الضوء



والصبح الوليد

مثـل النـوارس‏..‏

أشـتـهـي قلـبا يعانقـني

فأنـسي عنـده سأمي‏..‏

وأطـوي محنـة الزمن البلـيد


(‏قصيدة مثل النوارس سنه‏1997)‏