Loading

الثلاثاء، 26 يناير، 2010

الواقع السياسي‏..‏ وأطفال الأنابيب

هوامش حرة



الواقع السياسي‏..‏ وأطفال الأنابيب


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة

 







العمل السياسي بناء تراكمي لا يمكن أن يقوم بين يوم وليلة‏..‏ وإذا كان من الصعب استنساخ كاتب أو تحضيره في معمل للأنابيب فإنه من الأصعب إنشاء كادر سياسي في أي لحظة‏..‏ إن الكاتب يصنع قراءه علي عينه قارئا قارئا‏..‏ وكذلك السياسي يصنع تاريخه موقفا موقفا‏..‏ أما الكوادر السياسية التي خرجت علينا أخيرا في غفلة من الزمن مثل أطفال الأنابيب فهي ظاهرة غريبة تستحق أن ندرس أسبابها وما هي مبررات هذا الظهور المفاجئ لبعض الأسماء التي لا تحمل رصيدا ولا تاريخا وظهرت في الساحة كاملة الصنع والتجهيز دون أن نعرف لها أما أو أبا أو تاريخا أو مصدرا أو مدة صلاحية‏..‏


إن لقطاء السياسة الذين تفرزهم المجتمعات في أحيان كثيرة بصورة مفاجئة يعكسون أخطر ظواهر الفراغ السياسي لأنهم يسرقون الحاضر‏..‏ ولا يمكن أن يقوم بهم أو عليهم مستقبل سياسي آمن‏.‏






ومنذ أعلن الرئيس حسني مبارك قراره بانتخاب رئيس الجمهورية اندفع الشارع المصري في حالة تشبه حالات الهيستريا حيث الصراخ والضجيج والصخب‏..‏ وقد يكون ذلك أمرا واردا لأن المفاجأة كانت كبيرة وغير متوقعة وكان رد فعلها عنيفا وحادا‏..‏ ولكن ينبغي الآن أن تهدأ الأشياء ونفكر في القضية بصورة أكثر عمقا وفهما حتي نكون علي مستوي الحدث وحتي لا تضيع منا في وسط هذا الصخب المجنون فرصة تاريخية انتظرناها طويلا جيلا بعد جيل‏..‏


جاءت عاصفة الرئيس مبارك مفاجأة للجميع شعبا وأحزابا وحكومة‏..‏






‏*‏ فعلي مستوي الشارع‏..‏ كان المواطن المصري قد دخل في غيبوبة سياسية لذيذة ابتعد فيها عن العمل السياسي ابتداء بصوته في الانتخابات وانتهاء بهمومه اليومية التي جعلت التفكير مجرد التفكير في النشاط السياسي رفاهية لا يقدر عليها أحد‏..‏ منذ سنوات بعيدة نسي المصريون العمل السياسي ابتداء بالجامعات التي حرمته علي أبنائها وانتهاء بالنقابات المهنية‏..‏ ولم يعد في الساحة غير الحزب الوطني بالوجوه نفسها التي لم تتغير ابتداء من هيئة التحرير‏..‏ حتي الاتحاد القومي الاشتراكي المصري العربي‏..‏ وما تلاه من توابع‏..‏






‏*‏ وعلي مستوي الأحزاب السياسية وهي كثيرة جدا ومنها أحزاب لا يعرفها أحد حتي المسئولون عنها‏..‏ فإن التجربة الحزبية في مصر لم تتجاوز الجريدة والمقر والدعم الذي تقدمه الحكومة وهو يتراوح ما بين‏100‏ ألف و‏250‏ ألف جنيه سنويا‏..‏ وهي هدية متواضعة ينفقها كل حزب علي هواه سواء أقام بها مشروعا للحلاقة أو صيد الأسماك أو أنفقها رئيس الحزب علي نفسه‏..‏ ولهذا لم يكن غريبا أن يصرخ أحد رؤساء الأحزاب عندما خفضت الحكومة الدعم المخصص له فقال‏:'‏ عايزينا نعارض ببلاش‏'..‏






ولا شك في أن الأحزاب المصرية أضاعت فرصا كبيرة في أن تكون أكثر تأثيرا في الشارع المصري خاصة حزب الوفد بتاريخه وجذوره الممتدة في حياتنا السياسية‏..‏ وللأسف الشديد أن الأحزاب المصرية لم تتعلم من دروس الواقع السياسي في مصر‏..‏ لقد بقيت بعيدة عن نبض المواطن المصري ومشكلاته‏..‏ ولم تجدد دماءها سنوات طويلة‏..‏ ولم تقدم مشروعات مدروسة لمواجهة قضايا مصر خاصة الاقتصادية منها‏..‏ واكتفت معظم الأحزاب بجريدة ولافتة علي أحد المباني تحمل اسم الحزب‏..‏ أما أقاليم مصر ومدنها وقراها ونجوعها ومواطنوها فقد غابت تماما عن فكر الأحزاب المصرية‏..‏ ومن هنا كانت المفاجأة الصدمة التي أفاقت عليها الأحزاب أمام قرار الرئيس مبارك بانتخاب رئيس الجمهورية‏..‏ كان الوقت قصيرا للغاية من حيث الاستعداد‏..‏ وكانت الأحزاب تعاني فراغا رهيبا في القيادات والكوادر‏..‏ وكان وجودها في الشارع يعاني ضمورا شديدا امتد لسنوات طويلة‏..‏ وكان الزمن في غير مصلحتها لأن إعداد كادر سياسي لا يتم بين يوم وليلة‏..‏ في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة بين قرار الرئيس وردود أفعاله في الشارع المصري حدث هرج ومرج وضجيج ترتبت عليه أشياء كثيرة‏..‏






أولا‏:‏ ارتفعت درجة الصراخ والهجوم في الصحافة المستقلة والصحافة المعارضة وكان ذلك يعكس الرغبة في تأكيد الوجود علي الورق لتغطية الغياب في الشارع‏..‏ ومن هنا كان الصخب عاليا واللغة جارحة‏..‏ والهجوم ضاريا‏..‏ لقد حاول كل طرف أن يقول إنه موجود‏..‏ ولكن هناك فرق كبير بين الوجود الحقيقي في الشارع من خلال البشر‏..‏ والوجود المزيف علي الورق من خلال الصراخ الصحفي‏..‏






ثانيا‏:‏ بدا الحزب الوطني في حالة استرخاء لا تتناسب مع جلال اللحظة وأهمية الحدث وخطورة الموقف وربما كان السبب في ذلك شعور قديم بأن المنافسة مستحيلة وأن المعارك محسومة وأن النتائج واضحة‏..‏ ولا شك في أن هذه الثقة ليست في محلها لأن الحزب الوطني نفسه يعاني من نفس الأعراض التي تعاني منها بقية الأحزاب وهي‏'‏ الأنيميا الشعبية‏'..‏






ثالثا‏:‏ في ظل غياب الكوادر السياسية الحقيقية في الشارع السياسي المصري بدأت المعامل الأجنبية في إخراج أطفال أنابيب سياسية حتي تغطي مظاهر العجز في الشارع السياسي المصري وبدأت الدولارات تتدفق والصحف تظهر وأطفال الأنابيب السياسيون يلوحون للجماهير النائمة منذ زمن بعيد في مستنقعات الصمت الأعمي‏..‏ وكان من الصعب أن يفيق الجميع علي هذه الحقائق المخيفة في الشارع السياسي المصري‏..‏ إن مصر بكل خصوبتها وعنفوانها وتاريخها الطويل لا يمكن أن يخدعها أطفال الأنابيب وأن نشاهد أشياء مضحكة عن مرشحين لرئاسة الدولة حيث الأسماء بلا تاريخ ولا مصداقية ولا‏...‏ ونجد مسئولين أجانب يطالبون المصريين باختيار أسماء لا وجود لها ولا تتناسب مع وطن كبير مهما كانت درجة العقم فيه‏..‏






رابعا‏:‏ أن أخطر ما في الشارع المصري الآن أمام مفاجأة الرئيس مبارك أن ردود الأفعال لا تتناسب مع جدية اللحظة وأهمية القرار ومسئولية التغيير الحقيقي وليس التغيير الشكلي‏..‏






لابد أن نعترف بأن الشارع السياسي تلقي المفاجأة وهو يعاني فراغا رهيبا اقترب به كثيرا من مراحل المراهقة السياسية‏..‏ فكان الصراخ والتشنج وردود الأفعال التي تفتقد الحكمة والعقل‏..‏


لابد أن نعترف بأن الصحافة المستقلة جنحت بصورة مخيفة أمام الرغبة في إثبات الوجود وزيادة التوزيع والبحث عن دور‏..‏ ولهذا كانت الأعلي صوتا والأكثر ضجيجا وكأنها في جنازة ولا تريد أن تشبع لطما‏..‏ وقد واكب ذلك غياب مريب وصوت خافت للمنابر الصحفية الأخري‏..‏






لابد أن نعترف بأن الأحزاب الأعلي صوتا هي الأقل وجودا في الشارع المصري وأن تحت الرماد نيرانا أعنف وأخطر‏..‏ وأن واجهة الشارع السياسي المصري لا تعكس حقيقة ما يجري تحت الأرض‏..‏ ولهذا ينبغي أن نتوقع المفاجآت لأن ما نراه غير ما يحدث تحت السطح‏..‏


هذه هي صورة الواقع السياسي بعد مفاجأة الرئيس مبارك‏..‏ فهل كان الرئيس يتوقع ذلك كله‏..‏ وهل ألقي الرجل بمفاجأته لكي يشاهد بنفسه آثارها ونتائجها‏..‏ هل كانت اختبارا للأحزاب والقوي السياسية وللحزب الوطني نفسه أمام نقطة ضوء شديدة الإبهار كشفت عن جوانب القصور والتراجع في الواقع السياسي المصري بكل توجهاته وأفكاره‏..‏






إن أخطر ما في هذه الصورة الآن أنها تحمل شواهد انفلات لا يعرف أحد مداه‏..‏ إن مصر ليست كبقية الدول التي تحيط بنا‏..‏ وهناك أطراف كثيرة تتربص بأمن مصر واستقرارها‏..‏ فهي الدولة الوحيدة حتي الآن التي لم يصبها الدور في المؤامرة الكبري التي تتعرض لها المنطقة‏..‏ فهل نكون علي وعي بما يجري حولنا حتي لا نسقط في الشباك ونعطي الآخرين فرصة للتدخل السافر في شئوننا‏..‏ إن أمن مصر واستقرارها هو أهم الأشياء التي ينبغي أن نحرص عليها الآن مهما كانت درجة الخلاف بيننا شعبا وحكومة وأحزابا‏..‏ لهذا ينبغي ألا تنسينا المفاجأة خطورة الواقع التاريخي الذي نعيش فيه‏..‏


من هنا يأتي دور الصحافة خاصة المستقلة منها والحزبية‏..‏ إن عمليات التشهير والفضائح والهجوم الذي يفتقد المسئولية أحيانا لا يمكن أن يكون هدفا للصحافة المصرية العريقة بكل تاريخها المهني العظيم‏..‏ ومن هنا أطالب بقدر من الحكمة‏..‏






يأتي أيضا دور الحزب الوطني وهو قابع في صمته في ثقة لا مبرر لها والشارع السياسي يغلي ويفور‏..‏


يأتي أيضا دور الأحزاب السياسية لكي تراجع مواقفها وتدرس أخطاءها وتستفيد من تجاربها السابقة وتعود إلي المواطن المصري لأنه الهدف والغاية‏..‏






يأتي أيضا دور المثقفين في البحث عن نغمة عاقلة وحوار جاد وانتهاز أمين للفرصة بعيدا عن المزايدات والبحث عن الأدوار والمصالح‏..‏


يأتي أيضا دور الإعلام والأجهزة الثقافية والجامعات في بدء مرحلة جديدة من نشر الوعي السياسي وسط هذا الفراغ الرهيب الذي اكتشفناه فجأة علي الرغم من أننا جميعا ندرك أسبابه وعلينا أن نبدأ من جديد‏..‏






وقبل ذلك كله يجب أن نرصد بأمانة ظاهرتين أساسيتين‏..‏ الأولي‏:‏ حجم الدولارات في الشارع المصري‏..‏ والثانية‏:‏ ظاهرة انتشار أطفال الأنابيب بصورة مفاجئة في واقعنا السياسي‏..‏ ثم نرفع أيدينا إلي السماء ونقول‏:'‏ الله يحميك يا مصر‏'..‏






وما زال للحديث بقية‏..‏