Loading

الثلاثاء، 26 يناير 2010

فرصة تاريخية‏..‏ ولكن


هوامش حرة



فرصة تاريخية‏..‏ ولكن


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة






لا شك في أن قرار الرئيس حسني مبارك بانتخاب رئيس الجمهورية وضعنا جميعا أمام مسئوليات جديدة كان من الصعب أن نفكر فيها أو نطرحها للحوار في زمان مضي‏..‏ ولا شك أيضا في أننا بكل المقاييس أمام فرصة تاريخية ينبغي أن نتعامل معها بوعي وحكمة دون أن نفكر في عائد سريع أو نتائج فورية‏..‏ إن أخطر ما في هذه المبادرة أن آثارها الإيجابية لن تكون الآن ولن ينعكس عائدها خلال أسابيع أو شهور كما تصور البعض‏..‏ ولهذا ينبغي أن نضعها في مكانها الصحيح بحيث تكون بداية انتقال سلمي للسلطة في مصر ما بين عهدين وزمانين‏..‏ زمن الاستفتاءات‏..‏ وزمن الانتخابات‏..‏ ولن يكون من السهل أبدا تغيير المفاهيم وتشجيع المواطن علي المشاركة السياسية بحيث يتم ذلك بين يوم وليلة‏..‏






ولكن الأهم والأخطر أن نضع أقدامنا علي بداية الطريق‏..‏ ليس المهم الآن أن يتساءل البعض منا عن مسئولية ما حدث‏..‏ ولكن ينبغي أن نعرف كيف نتجاوز ذلك لنبدأ من جديد‏..‏






إن البعض قد يري في هذه المبادرة قلبا للأوضاع كل الأوضاع وهذا فهم عاجز وقاصر‏..‏ ولكن الفهم الصحيح لما حدث أن يكون نقطة بداية لوعي سياسي‏..‏ وثقافة سياسية ومجتمع مسئول وأن نعتبر السنوات المقبلة فترة انتقال ما بين عهدين ولن يتحقق ذلك أبدا في ظل استقرار غائب أو أمن مفقود‏..‏ ينبغي أن تحرص كل الأطراف علي أن نتجاوز هذه الفترة بأقل الخسائر وأقل الإدانات لأن الإدانات نفسها قد تلحق بنا كشعب فرط في حرياته ولم يكن يوما لديه استعداد لأن يدفع ثمن حريته أيا كان هذا الثمن‏..‏






إن نقطة البداية في تقديري ليست البحث عن زعامات جديدة وقيادات حزبية تتولي مسئولية رئاسة الدولة أو تطرح نفسها في انتخابات أمام المواطنين‏..‏ ولهذا ينبغي أن تكون لدينا الشجاعة ونعترف بأن الساحة خالية تماما ومن الصعب جدا في ظل الأوضاع الراهنة أن تجد اسما أو رمزا أو قيادة يمكن أن تلقي استجابة في الشارع المصري‏..‏ لقد ضحكنا جميعا من الأسماء التي طرحت نفسها لرئاسة مصر منذ أعلن الرئيس مبارك مبادرته‏..‏ ومن هنا ينبغي أن يكون الرهان علي المستقبل وليس علي الحاضر لأن الحاضر بكل الصراحة يفتقد الأسماء التي تليق ببلد كبير مثل مصر حتي وإن كنا نتحدث عن عصر جديد‏..‏






من هنا فإن واجبنا جميعا أن نجعل من مبادرة مبارك نقطة بداية‏..‏ وهنا يمكن أن نضع بعض التصورات التي يمكن أن نصل من خلالها إلي مستقبل سياسي قادر علي إنجاب أكثر من رئيس دولة وأكثر من قيادة سياسية وأكثر من زعامة من بين أجيال هي الأحق بأن تحمل أمانة المستقبل‏..‏





إن الواقع السياسي المصري يحتاج إلي إفراز كوادر سياسية جديدة ولن تأتي هذه الكوادر إلا من خلال ممارسة العمل السياسي بكل أشكاله‏..‏ ولن يتوافر ذلك إلا من خلال وعي سياسي افتقدناه سنوات طويلة‏..‏ كما أننا في حاجة إلي ثقافة سياسية حقيقية بعيدا عن السيرك السياسي الذي نصبه لنا الحزب الوطني سنوات طويلة‏..‏ إن الحزب الوطني نفسه وهو الحزب الحاكم سوف يفرز كوادر جديدة في ظل الواقع السياسي الجديد ولو فتحنا أمام جماهير الحزب الوطني أبواب الاختيار الحر فسوف تفرض علي الساحة أسماء جديدة وتغلق كل ملفاتها القديمة‏..‏





لا يمكن لنا أن نتصور تغيرا سياسيا واسعا ومؤثرا في ظل قانون الأحزاب الحالي أو قانون الطوارئ أو القوانين سيئة السمعة أو الحظر المفروض علي إصدار الصحف أو القوانين التي تسجن الصحفيين في جرائم نشر‏..‏






إن انتخاب أكبر رأس في الدولة لابد أن يتماشي مع سياسات وقوانين وإجراءات تتناسب مع مبادئ وأفكار وسلوكيات ثقافة الحريات وليس ثقافة الاستفتاءات‏..‏ وهذا يتطلب مكانة أرقي وأكثر أمانا للفرد وقوانين تحدد علاقة السلطة بالمواطنين وتوفر الحماية الكاملة للأنشطة السياسية‏..‏






ومن هنا لا أتصور أن يبقي الحظر علي العمل السياسي في الجامعات أو أن تفرض الدولة الحراسة علي النقابات المهنية أو تعين مجالس إدارات الأندية والتجمعات الأهلية أو أن تتدخل في انتخابات مجلس الشعب بأي صورة من الصور سواء كان تدخلا مباشرا في تحديد شكل الانتخابات أو تدخلا غير مباشر في اللجان والنتائج‏..‏ تأتي في هذا السياق أيضا حرية إصدار الصحف وفتح الأبواب لحرية التعبير بما في ذلك حق التظاهر‏..‏





هنا أيضا يأتي دور الأحزاب السياسية الموجودة علي الساحة أو التي ستظهر للوجود ومن خلال وجودها في الشارع المصري يمكن أن تبدأ رحلة الحوار والجدل بين القيادات السياسية المختلفة من خلال مناقشة القضايا الأساسية‏..‏ في ظل رئيس منتخب لن تكون الحكومة هي صاحبة الكلمة الأولي وحدها ولكن سوف يكون من حق الجميع مناقشة السياسات قبل إقرارها ومناقشة القرارات قبل إصدارها‏..‏





هنا أيضا يأتي دور المثقفين ويكفي ما ضاع من أعمارهم بين انقسامات وصراعات ومعارك وقد جاء الوقت لكي تحملهم جميعا قاطرة التغيير نحو ديمقراطية حقيقية بعيدا عن التشنج والتصنيف ولغة المصالح والراقصين علي كل الحبال‏..‏ إننا جميعا أمام لحظة تاريخية تمناها كل مثقف مصري حقيقي أن تعود إلي الشعب حريته وكلمته وسلطاته ولا شك في أن المثقف هو الضمير والوعي والمسئولية‏..‏





إن المناخ الجديد يتطلب سياسات جديدة للثقافة والإعلام بعيدا عن كل التوجهات القديمة التي أعطت الحكومة الحق في تملك كل هذه الوسائل‏..‏ وهذا لا يعني أننا نطالب بملكية خاصة لهذه الأجهزة ولكننا نطالبها بسياسة عامة تعطي الحق للشعب بكل أفكاره ومعتقداته أن يطرح قضاياه وأن يحقق وجوده من خلال هذه الأجهزة بالرأي والفكر والحوار‏..‏





لا أدري كيف يمكن لنا أن نعيد المواطن المصري إلي الساحة السياسية مرة أخري‏.‏ كيف يعود إلي بطاقة الانتخابات في المجالس التشريعية وفي النقابات المهنية وفي الجمعيات الأهلية وفي النوادي الرياضية‏..‏ لقد عاني المواطن المصري كثيرا أمام مناخ سياسي لم يكن يملك غير الإدانة‏..‏ والاتهام‏..‏ والحساب‏..‏ وعاني هذا المواطن في ظل قوانين كثيرة سلبت منه حرياته وسمحت لمؤسسات كثيرة أن تتجاوز في حقه وأن يجد نفسه وبلا أسباب بين قضبان أربعة بلا تهمة أو جريمة‏..‏ هذا المواطن يحتاج إلي فترة من الزمن حتي يستعيد إيمانه بشيء اسمه‏'‏ العدالة‏'‏ وضمير اسمه‏'‏ القانون‏'‏ ومجتمع يحترم آدميته‏..‏






هذه في تقديري هي مسئوليتنا في الفترة المقبلة‏..‏ وهذه الفترة لن تكون أسابيع أو شهورا ولكنها تحتاج إلي وقت أطول حتي نوفر للزمن المقبل مناخا جديدا يؤمن بالحرية ويقدس حق الإنسان في حياة كريمة‏..‏






ولهذا ينبغي ألا يتعجل البعض منا الأحداث ونجد أنفسنا في صراعات ومهاترات تنسينا الهدف والغاية‏..‏ ما أسهل أن تتحول مبادرة الرئيس مبارك إلي سجال واتهامات ومعارك نفقد أمامها الرؤي ونجد أنفسنا وقد تسربت الفرصة من بين أيدينا خاصة أن هناك من يتربص بها وبنا حتي يعود الزمن بنا إلي الوراء أو يتوقف علي ما نحن فيه‏..‏






إن مبادرة الرئيس مبارك لا تعني قلب الأوضاع في مصر بين يوم وليلة ولكنها تعني أن نمهد الطريق لمناخ سياسي جديد وفكر متفتح‏..‏ وحياة سياسية قادرة بالفعل علي إفراز قيادات جديدة‏..‏






إن البعض يحاول أن يتاجر باللحظة سواء كان من الداخل أو الخارج‏..‏ ولهذا لم يكن غريبا أن نسمع أصواتا في الخارج تحمل ألقابا غريبة تطالب بتحرير مصر وإنقاذ شعبها‏..‏ وأين كان هؤلاء المنقذون وهم يتسكعون في دول أوروبا ولا يعرفون عن أوطانهم شيئا‏..‏ إننا لسنا في حاجة إلي أصحاب القبعات سواء كانوا منا أو كانوا علينا‏..‏ لأن أهل مصر أدري بما فيها‏..‏






من خلال هذا الطرح أتصور أن مصر في حاجة إلي حسني مبارك لكي يكون شريكا بفكره وسلطاته وتاريخه في إعداد هذه الصياغة الجديدة للواقع السياسي المصري بحيث يخلصه ويخلصنا من كل أشكال الهيمنة والوصاية التي لا تتناسب أبدا مع مبادرته التاريخية بشرط أن يكون ذلك عهدا بيننا وبينه‏..‏ وهنا سوف يدخل حسني مبارك التاريخ‏..‏ ليس لأنه رئيس الحزب الحاكم‏..‏ ولكن لأنه أعاد إلي المصريين حريتهم بعد خمسين عاما من غيابها‏..‏





***‏


شكر‏..‏ واعتذار

فأجأتني منتصف يوم الاربعاء‏27‏ أبريل الماضي أزمة صحية وأنا في مكتبي بالاهرام‏,‏ دخلت علي إثرها مستشفي دار الفؤاد‏,‏ ومازلت فيه حتي الآن‏,‏ ومقالي المنشور اليوم آخر ما كتبت قبل مرضي‏.‏ وأنا هنا أشكر كل العاملين بمستشفي دار الفؤاد من الاداريين والأطباء والممرضين والممرضات‏,‏ كما اشكر المركز الطبي بالأهرام علي كل ما قام به‏.‏






وأمام طلب ملح من الأطباء المعالجين سوف اتغيب عن الكتابة بعض الوقت‏,‏ حيث تتطلب ظروفي الصحية بعض الراحة للقلب المتعب وأرجو ألا يكون الغياب طويلا‏.‏