Loading

الثلاثاء، 26 يناير، 2010

سيناء‏..‏ الحلم المؤجل


هوامش حرة



سيناء‏..‏ الحلم المؤجل


يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـــدة





عندما نتحدث عن سيناء فنحن نتحدث عن جزء عزيز من ترابنا الوطني الغالي‏..‏ وهناك أسباب كثيرة تضع سيناء في مكانة خاصة بالنسبة لنا‏..‏ إن في هذا التراب أبناء أعزاء ورجال شرفاء ضحوا بأغلي ما يملكون دفاعا عن الشرف والأرض والكرامة‏..‏ وسوف تبقي لهذا التراب وهذه البقعة المقدسة من أرضنا مكانة خاصة في ضمير كل مصري‏..‏


وفي سيناء تاريخ يمتد آلاف السنين مازالت شواهده وآثاره تحكي أمجاد الراحلين‏..‏ وفيها أيضا مناطق مقدسة لكل الأديان لم تفرق بين أحد منهم في مشهد إنساني رفيع‏..‏






ومن هنا ينبغي أن نضع سيناء في مكانتها وأهميتها في حياتنا‏..‏ لقد اكتفينا في أحيان كثيرة بأن نغني لها بعض الأغنيات الساذجة في كل مناسبة ومن الظلم لها ولنا أن تصبح مجرد أغنية في تاريخ شعب يقال إنه صانع الحضارة‏..‏


إننا عادة لا نلتفت إلي الأشياء ولا نهتم بها إلا إذا حدثت كارثة‏..‏ كان من الضروري أن تحدث تفجيرات طابا ثم شرم الشيخ حتي نتذكر أن هناك جزءا من أرضنا اسمه سيناء‏..‏ ومنذ تحريرها في بداية الثمانينيات اكتفينا بهذا الشريط الأزرق الذي يمتد علي بعض شواطئها حيث كانت المناطق السياحية الجديدة التي شهدت أكبر استثمارات سياحية في تاريخ مصر وهي طابا وشرم الشيخ وبقية هذه السلسلة الذهبية من المواقع السياحية الفريدة‏..‏ وبقيت سيناء بعد ذلك امتدادا صحراويا مخيفا لا حياة فيه ولا أمان‏..‏ بقيت سيناء مجموعات من القبائل والبدو الرحل الذين يتناثرون فيها بالآلاف ويغيرون كل يوم مكانا‏..‏ حدث هذا طوال‏25‏ عاما‏..‏ منذ تحريرها وحتي الآن‏..‏ ولنا أن نتصور ما فعلته إسرائيل في سيناء في ست سنوات ما بين حرب‏67‏ وانتصار‏73‏ وما أنشأته فيها من المزارع والمستوطنات التي كانت تصدر كل يوم آلاف الأطنان من الفاكهة والخضراوات إلي أوروبا مباشرة‏..‏ بل إنها غزت في هذه الفترة أسواق الدول العربية‏..‏






وفي هذه السنوات القليلة أيضا كشفت إسرائيل عن الكثير من المعادن وآبار البترول ونهبت الآثار وجعلت من سيناء سوقا سياحية دولية بكل ما فيها من مواقع تاريخية‏..‏ ولكن أصحاب الأرض الحقيقيين لم يفعلوا شيئا‏..‏ لقد اكتفينا بالسياحة وتركنا شرم الشيخ وطابا وغيرها من الأماكن علي الحدود مع إسرائيل مرتعا لتجار المخدرات والجنس والسياح الإسرائيليين‏..‏ وتركنا العمق الحقيقي لجزء خطير من الوطن فيه موارد وإمكانات تغطي احتياجات شعب بالكامل دون استثمار أو إنتاج أو حماية‏..‏


ولا شك في أن هذا الشريط الصغير الذي تم تعميره بآلاف الملايين من الجنيهات لا يمثل استثمارا كافيا لهذه المساحة المخيفة من الأرض بكل ما فيها من ثروات معروفة أو مجهولة‏..‏ إن في سيناء مساحات شاسعة من الأراضي التي تصلح للزراعة‏..‏ وهناك وديان وآبار ومياه جوفية‏..‏ وهناك أيضا ترعة السلام التي حملت مياه النيل إلي قلب سيناء‏..‏ وهناك مشروعات وطرق جديدة وكبار تربطها بالوادي وآلاف الملايين التي أقمنا بها البنية الأساسية‏..‏ ولكننا للأسف الشديد لم نستثمر شيئا من ذلك‏..‏






اكتفينا ببعض المزارع الصغيرة التي أقامها بعض المستثمرين المحظوظين الذين ساعدتهم الحكومة‏..‏ وهنا كان ينبغي أن ندفع بملايين من شبابنا العاطل إلي هذه الأراضي في إطار خطة لاستصلاحها وزراعتها وتوفير كل إمكانات الإنتاج والاستثمار فيها‏..‏ ولكننا تركنا ملايين الشباب يتسكعون بلا عمل في شوارعنا‏..‏ بينما هناك إمكانات مذهلة لا ينظر إليها أحد‏..‏ لقد كان من الخطأ الجسيم أن نترك سيناء ربع قرن من الزمان لا يسكنها إلا مجموعة من القبائل التي لم نفتح لها الأبواب يوما لكي تلتحم التحاما حقيقيا بالمجتمع المصري وبقيت علي الهامش في كل شيء من حيث الرعاية أو الاحتياجات أو التطور البشري بكل ألوانه‏..‏ بقيت هذه القبائل في شبه عزلة عن الوطن الأم وفجأة وجدوا أنفسهم مجرد واجهة سياحية أبعد ما تكون عن مكوناتهم الأخلاقية والسلوكية والبشرية‏..‏ وفي هذا الفراغ السحيق اتسعت المسافات بين هذه القبائل وما يحدث في مصر ولم تبق غير خيوط واهية تربطهم بشيء اسمه الوطن في بطاقة شخصية أو أقسام للشرطة أو مدرسة هنا أو مستشفي هناك‏..‏ كان ينبغي أن تدخل سيناء منذ‏25‏ عاما في النسيج المصري‏..‏ خاصة أنها بقيت سنوات طويلة تحت الاحتلال الإسرائيلي وترك فيها قبل أن يرحل آثارا نفسية وسلوكية وثقافية من الصعب أن نتجاهلها أو نغمض عيوننا عنها‏..‏ ولم يكن غريبا أن تذيع الإذاعات يوما أن قبيلة مصرية من أبناء سيناء تعدادها‏600‏ شخص قد لجأت إلي إسرائيل‏..‏ ولم يكن ذلك إحساسا بعدم الانتماء ولكنه التجاهل وغياب حقوق المواطنة‏..‏






إن سيناء الآن وفي ظل اتفاقية كامب ديفيد بدون قوات عسكرية كافية تحميها وكلنا يعلم أن الاتفاقية قيدت بدرجة ما الوجود العسكري المصري علي هذه الرقعة من ترابنا‏..‏ وهنا كان البديل الضروري أن تتوافر كثافة سكانية مناسبة حتي لا نترك هذه الأرض بعيدة عن كل أساليب الحماية‏..‏ إن أبسط ضرورات الأمن القومي المصري أن تكون في سيناء أعداد كافية من البشر‏..‏ ليس لإعلان الحرب‏..‏ ولكن لضمان السلامة‏..‏ ولقد شجع هذا الغياب وجود عصابات تزرع المخدرات وتتاجر فيها‏..‏ خاصة أن إسرائيل مازالت تحرص علي القيام بهذا الدور في نشر المخدرات توزيعا وإنتاجا في العالم العربي كله مرورا من سيناء‏..‏


إن سيناء تحتاج إلي عشرة ملايين مواطن مصري يعيشون فيها حتي لا تظل مطمعا للطامعين‏..‏ وما أكثرهم‏..‏






في مذكرات الملكة نور أرملة الملك الراحل حسين ملك الأردن ـ التي نشرتها بعد رحيله ـ قصة تحكيها تقول فيها إنها كانت في رحلة بحرية مع الملك وكان في ضيافتهما الممثلة الأمريكية جين فوندا وزوجها تيد تيرنر صاحب القناة الإخبارية‏C.N.N‏ وبينما كان اليخت الملكي يتهادي في مياه البحر أمام شواطئ شرم الشيخ قال تيرنر للملك حسين‏:‏ أليس من الظلم أن يبقي كل هذا الجمال بدون بشر‏..‏ كيف تبقي هذه الصحاري الواسعة خالية علي الرغم مما فيها من موارد وخيرات وهناك شعوب في المنطقة تبحث عن أرض ووطن‏..‏ لماذا لا تقام دولة فلسطينية في هذه الأماكن الشاسعة ويترك الفلسطينيون لإسرائيل ما لديها من الأرض‏..‏


وهذه القصة ـ التي روتها ملكة الأردن السابقة ـ تعكس أهدافا ومطامع يعرفها الجميع ونعرفها نحن في مصر‏..‏ ولكن للأسف الشديد أننا نعرف الأزمات ولا نتحرك إلا إذا حدثت مصيبة‏..‏ لقد سمعنا أكثر من مرة عن مطامع تراود إسرائيل في سيناء وأحاديث عن صفقة مقايضة شريط منها بأجزاء في النقب‏..‏ وكل هذه الأوهام المجنونة‏..‏ هل كان من الضروري أن تحدث تفجيرات طابا وشرم الشيخ حتي نفكر في سيناء‏..‏ وللأسف الشديد لقد فكرنا أمنيا فقط كعادتنا‏..‏ نترك الأشياء تتصاعد حتي لا يبقي أمامنا غير أن نتدخل أمنيا‏..‏ حيث تدور الآن معارك بين قوات الأمن والقبائل في جبل الحلال‏..‏ وعندما تقرأ ما ينشر في الصحف عن هذه المواجهات تشعر بأن هناك حربا‏..‏ وكانت النتيجة سقوط شهداء من كبار ضباط الشرطة‏..‏ وهناك أيضا شهداء من أبناء القبائل‏..‏ هل هذا هو الحل‏..‏ وهل هذا هو المطلوب‏..‏ أن ينتشر آلاف الجنود في أرض سيناء لمطاردة القتلة والمجرمين‏..‏ أيهما كان أفضل‏..‏ أن ينتشر ملايين الشباب يزرعون أرضها‏..‏ أم تنتشر المدرعات تطارد الهاربين فيها‏..‏ وإذا كنا قد تركنا الأرض لتسكنها خفافيش الظلام‏..‏ فماذا ننتظر بعد ذلك‏..‏ إن من حق قوات الأمن أن تطارد المجرمين و


الهاربين وهذا واجبها‏..‏ ولكن من واجبنا كأجهزة مسئولة أن نعيد النظر في سياسة الدولة تجاه سيناء في كل المجالات استثمارا وإنتاجا وبشرا ورعاية صحية وثقافية وحضارية‏..‏ وقبل هذا كله‏..‏ ما يتعلق بالأمن القومي المصري‏..‏ إن إسرائيل تستطيع أن تلعب دورا شريرا في مثل هذه الظروف‏..‏ خاصة أننا نعلم أن لإسرائيل حسابات كثيرة ليست سيناء بعيدة عنها‏..‏ وبدلا من أن نجد أنفسنا أمام أزمات أكبر ومشكلات أخطر‏..‏ لماذا لا نعالج الأمور في بدايتها‏..‏ خاصة أنها تأخرت كثيرا‏..‏


إن مصر تعاني من الزيادة السكانية ـ كما يقول البعض ـ وهناك ملايين العاطلين‏..‏ ونستورد غذاءنا حتي الآن‏..‏ ولدينا مساحات رهيبة من الأراضي في سيناء يمكن أن تتحول إلي مصادر للإنتاج وموارد للدخل القومي وعوامل أمن واستقرار لحدودنا‏..‏ ولهذا ينبغي أن تكون هناك خطة تشارك فيها جميع أجهزة الدولة لتحرير سيناء تحريرا حقيقيا من مشكلاتها التي تطارد السكان فيها‏..‏ وظروف الحياة الصعبة التي تعيش فيها قبائلها في إطار عمليات تواصل بشري وإنساني بين هؤلاء السكان وبقية سكان مصر‏..‏ هل كان من الضروري أن تحدث كارثة قطار الصعيد حتي تتجه الحكومة جنوبا‏..‏ وهل كان من الضروري أن تحدث تفجيرات شرم الشيخ حتي نعيد النظر في خريطة سيناء أمنيا واقتصاديا وإنسانيا‏..‏






لا يكفي أبدا أن نحتفل بأعياد سيناء في أبريل من كل عام ونعطي الموظفين في الدولة إجازة أو ننتج أعدادا من الأغاني والأوبريتات التي تتغني بتحرير الأرض أو نطوف حول النصب التذكاري نحيي أرواح شهدائنا‏..‏ إن الاحتفال الحقيقي أن نجد ملايين الشباب يزرعون أرضها‏..‏ ومئات القري تضيء صحاراها‏..‏ وإرادة حقيقية لإعادة تعميرها حتي تظل سدا منيعا يحمي أرض مصر واستقرارها‏..‏ لا أدري متي نستعيد سيناء‏!..‏ وإلي متي ستظل حلما مؤجلا‏!..‏ تعبنا من تأجيل الأحلام‏..‏






ويبقي الشعر‏..‏






لأن الزمان طيور جوارح ...................... تموت العصافير بين الجوانح






زمان يعيش بزيف الكلام ...................... وزيف النقاء‏..‏ وزيف المدائح






حطام الوجوه علي كل شيء .............. وبين القلوب تدور المذابح






تعلمت في الخوف ألا أبالي ................ تعلمت في الزيف ألا أسامح