Loading

الثلاثاء، 26 يناير، 2010

نريد من الرئيس


هوامش حرة



نريد من الرئيس


يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـــدة



مرت العاصفة وانتهي موسم الانتخابات الرئاسية وفاز الرئيس مبارك بفترة رئاسية جديدة‏..‏ نسأل الله أن يوفقه فيها من أجل مصلحة هذا الوطن الذي ينتظر منه الكثير في فرصة تاريخية لن تتكرر لكي يضع الرئيس من خلالها قواعد جديدة للإصلاح السياسي‏..‏ وخطة متكاملة للبناء الداخلي‏..‏ ويهيئ لمناخ جديد يضع المواطن المصري بكل أحلامه في أولي اهتماماته‏..‏


ولا شك أن ما حدث في الشهور الأخيرة في الشارع المصري ظاهرة جديدة لا أعتقد أنها سوف تهدأ مع إغلاق صناديق الانتخاب‏..‏ فقد تحرك المارد مطالبا بحقوقه حتي لو كانت النتائج أقل كثيرا مما حلم به أو تمناه إلا أن المستقبل كفيل بأن يحقق بقية الحلم ما دامت هناك إرادة شعب‏..‏






لقد نشأت في الشارع المصري الآن معارضة قوية بكل تياراتها‏..‏ ودخلت طوائف جديدة ونوعيات جديدة وقطاعات جديدة دائرة العمل السياسي‏..‏ وفي الشارع المصري حدثت صحوة إعلامية خاصة في الصحف المستقلة لم تشهدها مصر من قبل‏..‏ كما أن الإعلام المصري تغير مساره تماما وابتعد كثيرا عن أساليبه القديمة التي أصابت العقول بالبلاهة والتخلف‏..‏ وأصبح أكثر احتراما وتقديرا للمسئولية ووعيا بدوره في حياة الناس‏..‏


وقبل هذا كله‏..‏ فإن السلطة نزلت إلي الشارع وتركت مكاتبها ومكيفاتها وشاهدت علي الطبيعة أحوال الناس ورأت معاناتهم‏..‏ ولا أعتقد أنها ستجلس في مكاتبها مرة أخري أمام مواكب المطالبين بحياة كريمة في الشارع المصري وهي لن تستطيع أن تفعل ذلك حتي لو أرادت‏..‏






لقد قرأ الناس وسمعوا برامج المرشحين والوعود الكثيرة التي أخذوها علي أنفسهم‏..‏ وسوف ينسي الناس كل الوعود وكل البرامج‏..‏ ولكنهم لن ينسوا وعود الرجل الذي منحوه ثقتهم في فترة رئاسية جديدة‏..‏ إن موقف الرئيس مبارك يختلف الآن عن كل مواقفه السابقة في سنوات حكمه‏..‏ لقد أخذ عهدا علي نفسه وقدم برنامجا حافلا بأحلام كثيرة وسوف يطالبه الشارع المصري بتنفيذ هذا البرنامج الذي وعد به‏..‏ لقد تغير موقف الرئيس مبارك من رئيس بالاستفتاء وأجهزة الأمن والمبايعة إلي رئيس منتخب سعي إلي أصوات الناخبين وطاف عليهم بنفسه وحصل علي ثقتهم‏..‏


من هنا‏..‏ ومن واقع ثقة عميقة وتقدير كبير أضع أمام الرئيس مجموعة أولويات مهمة لم يخل منها برنامجه الانتخابي ولكنها تمثل ضرورة وأهمية خاصة في فكر المواطن المصري‏..‏






‏*‏ لقد اعترف الرئيس مبارك في أكثر من حديث وفي أثناء جولاته الانتخابية بأن قضية الفساد تؤرقه كحاكم وصاحب قرار‏..‏ ومن هنا تصبح المواجهة ملحة في الفترة المقبلة‏..‏ إن الرئيس يعرف أكثر منا أين تكمن عوامل وظواهر وأسباب هذا الفساد‏..‏ وما هي أشكاله وألوانه‏..‏ والدوائر التي تحمي بعضها بعضا‏..‏


لسنا ضد أن يغتني أحد ولكن يجب أن يكون ذلك من خلال وسائل مشروعة‏..‏ ولن نحقد علي شخص سكن قصرا أو أنفق الملايين ولكن من خلال مال حلال‏..‏ أما أن نترك المال العام مستباحا لأشخاص لا ضمير لهم‏..‏ فهنا يجب أن تكون للرئيس شخصيا وقفة مع هذه النماذج الكريهة التي اتسعت دوائرها في حياتنا ويساند بعضها البعض وأساءت لنا شعبا ونظاما وحكومة‏..‏ هناك مؤسسات الدولة وما يحدث فيها من عمليات نهب منظم وإنفاق وتبذير وإسراف‏..‏ وهناك تجاوزات البنوك والقروض‏..‏ وهناك العمولات وتجارة الأراضي والسلع التموينية والمناقصات المريبة‏..‏ وهناك عمليات الاستثمار والديون التي وصلت إلي حد الخطر‏..‏






كل هذه المجالات تسمح بمخالفات كثيرة‏..‏ إن مراجعة جداول الديون والمستحقات وجداول الإنفاق في مئات المؤسسات بالدولة تجعلنا ندرك أين ذهبت أموال هذه المؤسسات‏..‏ ولهذا فإن المال العام يحتاج إلي وقفة عادلة تحمي قدسيته وتحافظ عليه كحق من حقوق الشعب‏..‏


‏*‏ كانت الشهور الأخيرة تجربة ناجحة للشارع المصري في ممارسة العمل السياسي‏..‏ فلا الجماهير خرجت في مظاهرات عدائية‏..‏ ولا المواطنون أحرقوا السيارات‏..‏ ولا الناس اعتدت علي ممتلكات الدولة كما تصور البعض من منطلق تهويش الدولة وتخويفها من ردود فعل الشارع‏..‏ وهنا يجب أن نعيد الثقة بين الشعب وأجهزة الدولة‏..‏ إن دور أجهزة الأمن أن تحمي المواطنين وأن تواجه أي تجاوزات‏..‏ وليس دورها أن تحاصر مظاهرات سلمية أو محاولات للتعبير عن الرأي‏..‏ لقد كان موقف الشرطة وحيادها في الانتخابات الرئاسية شيئا جديدا يستحق الإشادة والتقدير‏..‏ ولهذا يجب أن توفر الدولة المناخ السياسي الذي يسمح بالمعارضة الملتزمة بكل أشكالها وألا تخيفنا ردود الأفعال ونضع المتاريس والمجنزرات أمام الناس ونغلق الشوارع إذا تجمع عشرة أشخاص في مكان واحد‏..‏ إننا في حاجة إلي مناخ سياسي جديد حتي يتمكن الشارع المصري بعد ذلك من إفراز كوادر جديدة ورموز واعدة وأحزاب تمد جذورها بين الناس علي أساس من المصداقية والتواصل‏..‏ وهنا ينبغي أن يعاد النظر في قانون الأحزاب من أجل ضمانات أكثر في تشكيلها وحرياتها‏..‏ كما ينبغي إعادة النظر في منع الأنشطة السياسية في الجامعات‏..‏ وقبل هذا كله إلغاء قانون الطوارئ وتوابعه‏..‏






إن الشارع المصري الآن يعيد تشكيل نفسه‏..‏ وعلي الدولة أن تتيح له الفرصة من خلال ضمانات وإجراءات أمنية وسياسية تحترم إرادته وتقدر دوره ومسئوليته‏..‏


وهنا أيضا ينبغي أن نفتح بأمانة ملف المسجونين السياسيين والمعتقلين بلا جرائم‏..‏ وهذا الملف يحتاج أولا إلي دراسة كاملة للسجون وما فيها‏..‏ خاصة أن هناك حالات صارخة لأناس قضوا أعمارهم في السجون تحت بند الاعتقال دون سبب أو جريمة‏..‏ أتمني أن يبدأ الرئيس مبارك فترته الرئاسية الجديدة بإصدار قرار بالإفراج عن جميع المعتقلين الذين لم تدنهم محاكم أو جرائم ثابتة‏..‏ أما اعتقال الناس بلا أسباب فهذه جريمة في حق الشعب والوطن‏..‏






إن برنامج الخصخصة يحتاج إلي وقفة للمراجعة‏..‏ بحيث نعيد تقويم الأشياء وندرس التجربة ونتعلم منها‏..‏ هناك أخطاء في بيع مشروعات كثيرة‏..‏ وهناك تجاوزات في تقدير قيمتها‏..‏ وهناك أيضا جوانب اجتماعية وإنسانية تجسدت في تسريح آلاف العاملين في هذه المشروعات مما وضع أعباء جديدة علي طوابير البطالة وملايين العاطلين في الدولة‏..‏ لقد أصابتنا في أحيان كثيرة حمي البيع بحيث حدث سباق بين المسئولين أيهم يبيع اكثر‏..‏ وهنا حدثت أخطاء جسيمة وتجاوزات في بيع مشروعات مهمة‏..‏ منها الفنادق‏..‏ وصناعة الأسمنت والحديد‏..‏ والمنسوجات‏..‏


لقد وعد الرئيس مبارك في برنامجه الانتخابي بإنشاء ألف مصنع جديد‏..‏ والسؤال الآن‏:‏ وما هو مستقبل ألف مصنع قديم في ظل برامج البيع التي يقوم بها المسئولون دون دراسة‏..‏






‏*‏ يجب أن تهبط أجهزة الدولة من أبراجها العاجية ومكاتبها لكي تقترب أكثر من هموم وقضايا الناس‏..‏ وهناك مشكلات وأزمات يعرفها الجميع‏..‏ لسنا في حاجة إلي أن نتحدث عن البطالة والعاطلين في الشوارع وهي كارثة كل بيت في مصر الآن‏..‏ إن البطالة هي المسئول الشرعي عن ظواهر كثيرة في حياتنا‏..‏ تبدأ بالإرهاب وتنتهي بالجريمة والمخدرات والسلوكيات العدائية في الشارع المصري‏..‏ يدخل في أولويات قضايانا مأساة الأمية وهي كارثة حضارية بكل المقاييس‏..‏ وتدخل في إطار الهموم العامة أيضا قضية الأسعار وغياب رقابة الحكومة وجشع التجار‏..‏ والدروس الخصوصية وأعباؤها‏..‏ وتدخل فيها كذلك الرعاية الصحية والتعليم والثقافة الجادة‏..‏ وقبل هذا كله أسلوب التعامل مع المواطن المصري وحجم الإهانات التي يتعرض لها كل يوم من أجهزة مسئوليتها حمايته ورعايته واحترامه‏..‏ إن مصر في حاجة إلي أجهزة تدرك مسئوليتها في خدمة المواطن وليس إهانته‏..‏ وللأسف الشديد أن منطق الإهانات أصبح سائدا في مواقع كثيرة حساسة نصبت نفسها أسيادا علي هذا الشعب‏..‏






يجب أن تعيد مصر النظر في خريطة علاقاتها الدولية‏..‏ وقد أشار الرئيس مبارك إلي ذلك في أكثر من مناسبة‏..‏ إننا ندرك أهمية أمريكا في عالمنا المعاصر‏..‏ وندرك دورها في المنطقة‏..‏ ولكن من قال إن أمريكا هي العالم‏..‏ ولهذا ينبغي أن نفتح أبوابنا لعلاقات دولية أوسع وأشمل‏..‏ وأن نمد عيوننا نحو دول شرق آسيا‏:‏ الصين وتوابعها‏..‏ ودول أمريكا الجنوبية‏:‏ البرازيل وجيرانها‏..‏ والدول الصديقة‏:‏ إيران والجمهوريات السوفيتية وقلب آسيا‏..‏ وأن نعيد خيوطنا المتقطعة مع دول إفريقيا‏..‏ وأن نستعيد دورنا بقوة في خدمة قضايا أمتنا العربية‏..‏ واستعادة دورنا الثقافي والحضاري بكل تاريخه المجيد‏..‏






يجب أن تتحدد العلاقات بصورة قاطعة بين الأنشطة المختلفة في الدولة‏..‏ إن مسئولية أجهزة الدولة تختلف في أشكالها وأدوارها عن قطاعات أخري‏..‏ ومن الخطأ أن يختلط دور السلطة برأس المال‏..‏ أو الإعلام أو الصحافة أو المجالس التشريعية‏..‏ لقد حدث في السنوات الماضية حالات زواج غير مشروعة وباطلة تماما بين رأس المال والسلطة أحيانا‏..‏ وبين الصحافة ورأس المال في أحيان أخري‏..‏ وبين الثلاثة‏:‏ المال والسلطة والصحافة في معظم الأحيان‏..‏ وهذا التداخل في الأدوار ترك آثارا سيئة علي مجالات كثيرة وشوه صورة هذه المؤسسات‏..‏ ولهذا ينبغي أن تعود المسافات لتفصل بين هذه الأدوار حتي يبقي لكل نشاط دوره ومسئوليته‏..‏ إن زواج السلطة ورأس المال باطل‏..‏ وزواج الصحافة من رأس المال غير مشروع‏..‏ وغياب الشفافية في المؤسسات التشريعية كارثة كبري‏..‏ واتفاق الجميع في لغة المصالح يمكن أن يتعارض تماما مع مصالح الوطن‏..‏ ولهذا ينبغي أن تتحدد الأدوار بكل الشفافية والتجرد‏..‏






بقيت نقطة أخيرة‏..‏ أنا علي يقين أن الرئيس مبارك سوف يبدأ منها مسيرته في فترة رئاسية جديدة‏..‏ هناك وجوه كثيرة يجب أن ترحل‏..‏






سيادة الرئيس‏..‏ مبروك‏..‏ والشعب المصري الذي منحك ثقته ينتظر منك أن تحقق ما وعدت به‏..‏ والله يوفقك ويرعاك‏..‏






ويبقي الشعر






لأنك مهما تناءيت عني .................... وهان علي القلب ما لا يهون






وأصبحت فيك المغني القديم ........... أطوف بلحني ولا يسمعون






وتعطين قلبك للعابثين .................... ويشقي بصدك من يخلصون






أموت عليك شهيدا بعشقي ............. وإن كان عشقي بعض الجنون