Loading

الخميس، 28 يناير، 2010

صحافتنا المستقلة ما لها‏..‏ وما عليها


هوامش حرة



صحافتنا المستقلة ما لها‏..‏ وما عليها


يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـــدة






لا أستطيع أن أخفي إعجابي الشديد بالدور الذي تقوم به الصحافة المستقلة في مصر الآن‏..‏ إنها بكل المقاييس تعطي مذاقا جديدا وطعما مختلفا وتشعر معها أنك تعيش في مناخ آخر غير ذلك المناخ الذي تشكلت فيه أجيال أخري من الصحفيين‏..‏ إن الصحافة المستقلة أكثر شبابا‏..‏ ولهذا فهي أكثر سخونة وربما أكثر اندفاعا وحماسا‏..‏ وعلي الرغم من بعض التجاوزات التي نراها أحيانا‏..‏ فإننا لابد أن نعترف بأننا أمام تجربة صحفية أكثر اقترابا من هموم الناس وقضايا المجتمع‏..‏


وإذا كانت لها بعض الأخطاء فإن ميزان حسناتها أكبر بكثير من تجاوزاتها‏..‏ وهناك دلائل كثيرة تؤكد ما أقول‏..‏ أول هذه الدلائل أن الصحافة المستقلة كانت أكثر شجاعة في التعامل مع ملفات الفساد‏..‏ هناك قضايا كثيرة تخص المؤسسات والأشخاص لم يستطع أحد أن يقترب منها من بعيد أو قريب‏..‏ واستطاعت بعض الصحف الجديدة الشابة أن تخترق هذا الكهنوت وتفضح عشرات الفاسدين والمرتشين واللصوص‏..‏






من بين هذه الدلائل أيضا أن الصحافة المستقلة تحملت مسئولية الاقتراب بشدة من سقوف الممنوعات واخترقتها‏..‏ بل إنها تجاوزتها‏..‏ ولقد كانت هناك سقوف واضحة في الحوار لا ينبغي تجاوزها‏..‏ ولكن هذه الصحافة الشابة استطاعت أن تخلق لنفسها سقفا جديدا‏..‏ وإن كنا لا نري لها سقفا حتي الآن‏..‏


من اخطر الدلائل أيضا أننا أمام كتيبة جديدة من الصحفيين الشبان الذين أصقلتهم هموم الحياة مبكرا ولم تعبث بهم آراء الأساتذة والكهنة والمنظرين‏..‏ كما أن علاقتهم بالسلطة لا تمثل قيدا ولا أحلاما ولا أطماعا ولا حتي مجرد رغبة في الاقتراب أو التصوير‏..‏ ولهذا فهم يعملون بلا أهداف ويكتبون بلا حسابات وليست لهم مصالح مع أحد‏..‏ ولا شك أن هذه التركيبة تختلف تماما عن أجيال أخري نشأت في ظروف تاريخية مختلفة ومناخ صحفي كانت له حسابات كثيرة مع السلطة وما حولها من الممنوعات والمسموحات‏..‏ مما ترك أثرا عميقا في درجة المواجهة بل أقول درجة الشجاعة‏..‏






ومن هنا جاءت الصحافة المستقلة تيارا جديدا مختلفا تماما عن الصحافة المصرية في نصف القرن الأخير‏..‏ ولعل أخطر ما في هذه الصحافة أنها لم تستأنس بعد لأن‏'‏ المؤانسة‏'‏ هي أسوأ ما يصيب الصحافة المسئولية‏..‏ والصحفي الدور‏..‏ إنها داء خطير يحرم الكلمة من أهم مقوماتها وهي شجاعة الرأي وأمانة الموقف ونزاهة القصد‏..‏






إننا جميعا نعرف الدور الذي قامت به الصحافة المصرية‏..‏ سواء علي المستوي المحلي أو بالنسبة للدول العربية الشقيقة‏..‏ وربما كانت الصحافة المصرية هي أول من وضع فكرة العروبة بعيدا عن التنظير والأفكار السياسية والأيديولوجيات المتضخمة‏..‏ لقد كانت الصحافة المصرية منذ بدايتها أول جامعة مصرية علمت العالم العربي‏..‏ وأول جامعة عربية جمعت حولها كل الأفكار والاتجاهات‏..‏ لقد قامت الصحافة المصرية علي مجموعة من الأشقاء اللبنانيين الذين عاشوا في مصر واعتبروها بلدهم الأول وليس الثاني‏..‏ كانت عائلة تقلا‏..‏ وعائلة زيدان‏..‏ وشفيق متري مؤسس دار المعارف أول من وضع حجر الأساس للصحافة المصرية من خلال ثلاث مؤسسات عريقة هي‏:‏ الأهرام ودار المعارف ودار الهلال‏..‏ ولم يكن هذا النموذج اللبناني في التلاحم والتواصل مع المصريين مقصورا علي الصحافة‏..‏ بل حدث في الفنون‏..‏ خاصة المسرح والسينما‏..‏ وبعد ذلك تسللت الدماء المصرية في الصحافة‏..‏ خاصة مع بداية المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإنجليزي‏..‏ واستقطبت الصحافة رموزا سياسية كبيرة من زعماء العمل الوطني‏..‏ كان في مقدمتهم عبد الله النديم والأفغاني وسعد زغلول ومصطفي كامل ومحمد فريد‏..‏ هذا بجانب الرموز الأدبية الكبيرة مثل الإمام محمد عبده ولطفي السيد والعقاد وطه حسين وآل عبد الرازق وحسين هيكل والحكيم وسلامة موسي والمازني‏..‏ وبعد ذلك كانت الصحوة الكبري للصحافة المصرية مع مشروع عبد الناصر الطموح نحو بناء أمة عربية قوية‏..‏ ولا شك أن الصحافة المصرية واكبت كل هذه الطموحات والأحلام وكانت صاحبة دور ورسالة‏..‏






يضاف إلي ذلك كله دور الصحافة المصرية في معارك تحرير الوطن وتحرير المرأة وتحرير العقل‏..‏ وهي معارك خطيرة شاركت في بناء مصر الحديثة سياسيا وثقافيا واجتماعيا‏..‏


إن هذا الدور يحسب للصحافة المصرية منذ بداية القرن الماضي بكل ما ترتب عليه من نتائج علي كل المستويات السياسية والثقافية والحضارية‏..‏






والآن نحن أمام حلقة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية‏..‏ وهذه الحلقة تجيء في ظرف تاريخي مختلف وتتمتع بحساسية خاصة‏..‏ كما أنها تحاول أن تكون صاحبة دور تحريضي في محاولة للبحث عن مناخ ديمقراطي حقيقي‏..‏


وهنا يجب أن نتوقف عند أكثر من نقطة لكي نحدد الموقع الذي تقف فيه هذه الصحافة الآن‏..‏






لا شك أنها كسبت مساحة كبيرة من الأرض واستطاعت أن تحقق معدلات توزيع فاقت تصورات كثيرة‏..‏ بل إنها بكل الصراحة أصبحث تهدد الآن معاقل صحفية عتيقة‏..‏


الجانب الثاني أنها أصبحت تمثل إزعاجا حقيقيا للدولة كصحافة معارضة‏..‏ إنها تلعب دور المعارضة الحقيقية حتي وإن كانت بلا قاعدة جماهيرية أو حزبية تساندها في الشارع المصري‏..‏ ولهذا فليست جميعها محسوبة علي الأحزاب‏..‏ بل إن البعض منها تجاوز في تأثيره ووجوده في الشارع من حيث الدور والمسئولية الكثير من الأحزاب السياسية‏..‏






وقبل هذا كله‏..‏ فإن لغة الصحافة المستقلة قد تجاوزت كثيرا لغة الحوار العادي ووصلت إلي درجة الاشتباك المباشر مع السلطة والكثير من رموزها‏..‏ وبقدر ما أزعج ذلك البعض‏..‏ بقدر ما يحمل من جوانب إيجابية‏..‏ ولابد أن نعترف أن هناك تجاوزات في لغة الخطاب‏..‏ وأن هذه اللغة وصلت أحيانا إلي مناطق لا تليق‏..‏ وأن الصحافة المستقلة ألغت كل السقوف أمام حماس شباب يسعي إلي الإصلاح ويريد أن يفعل شيئا لهذا البلد‏..‏ وهذا يعني أننا أمام نماذج بشرية تتمتع بصدق الهدف ونزاهة القصد‏..‏ وأننا قد نختلف معها فقط في لغة الخطاب والأسلوب في بعض الأحيان‏..‏ ولكن ذلك لا ينبغي أن يحرمها من أن تستكمل دورها بشجاعة وتجرد‏..‏


ولعل السبب في ذلك كله أننا أمام شباب يعيش بصدق كل هموم وطنه ولم يسع إلي بريق زائل أو تكبله طموحات وحسابات مؤجلة‏..‏ إنه مجموعة من الشباب لم يجربوا قيود الرقابة‏..‏ ولا سجون الأحلام‏..‏ ولا التنظيم الطليعي ومنظمة الشباب والاتحاد القومي والاشتراكي وحزب مصر‏..‏ ولم يجلسوا مع عشرات المنظرين الذين تنقلوا يمينا ويسارا وفي كل اتجاه حتي وصلوا بهم إلي الحزب الوطني‏..‏ وهم أيضا يعرفون أن آخر ما يحلم به صاحب الكلمة‏..‏ أن يقول كلمة حق‏..‏






وفي تقديري أن الصحافة المستقلة حركت مياها كثيرة راكدة في الشارع المصري‏..‏ إنها الآن تفرض نفسها في معركة حامية مع الصحف التقليدية الراسخة التي ينبغي أن تواجه منافسة شرسة حتي تحافظ علي قواعدها وتاريخها ومسئوليتها‏..‏ وهي أيضا تفرض معركة أخري علي صحف حزبية تعاني أمراض فقر التواصل مع القارئ‏..‏ ومنها صحيفة حزب الأغلبية التي لا يقرأها أحد‏..‏ وهي أيضا تفرض معركة أخري علي الواقع السياسي بكل مظاهر الجمود فيه وعدم الرغبة في التغيير‏..‏


وقبل هذا كله‏..‏ فإن أخطر معركة للصحافة المستقلة الآن هي اشتباكها الحقيقي مع رموز الفساد في المجتمع المصري‏..‏ وليس بالضرورة الفساد الحكومي‏..‏ ولكن الفساد بكل أنواعه‏..‏ إن الشيء المؤكد أن الصحافة المستقلة استفادت ببراعة من لحظة تاريخية نادرة توافر فيها هامش من الحرية استخدمته بكل إمكاناتها الفكرية والصحفية‏..‏






ولا شك أن هناك مشكلات كثيرة تواجه الصحف المستقلة‏..‏ لعل أخطرها المشكلات المالية لأنها صحف لا تقوم علي مصادر تمويلية ثابتة ولا يمكن لها أن تعتمد علي توزيعها فقط‏..‏ كما أن نصيبها في الإعلانات يرتبط بشدة بحسابات رجال الأعمال والحكومة‏..‏ وكلاهما يجد فيها عوامل إزعاج وشطط‏..‏


من بين مشكلات الصحافة المستقلة أيضا أنها لم تحصل علي اعتراف حقيقي من الدولة باستثناء صحيفة أو صحيفتين‏..‏ ولعل السبب في ذلك أن التجاوز في لغة خطاب بعض هذه الصحف لا يفتح بابا للحوار بينها وبين السلطة‏..‏ بل إنه يغلق تقريبا كل الأبواب‏..‏






ولا شك أن مسئولية الدولة الآن أن تحمي تجربة الصحافة المستقلة مهما كانت درجة الخلاف بينها وبين لغة الخطاب في بعض هذه الصحف‏..‏ ينبغي ألا تسمع الدولة لدعاة القهر والكبت والمصادرة بإسقاط تجربة جديدة ناجحة وأن تفتح الأبواب لتتسع دائرة الحوار‏..‏ والهواء النقي هو الذي يطرد الأتربة والشوائب‏..‏ ومن واجب الدولة أن تستفيد من هذه المنابر الصاعدة لأنها تضيء سماء مصر بقناديل جديدة من الحرية والفكر والشجاعة‏..‏


من واجب الدولة أيضا أن تشجع هذه الصحافة التي تكشف أوكار الفساد وتطارد اللصوص وتعري جوانب القبح في حياتنا‏..‏ ولا أريد أن أعدد أسماء هذه الكوكبة من نجوم صحافتنا المستقلة الكبار منهم والشباب ومتوسطي العمر حتي لا أنسي منهم أحدا‏..‏ سواء كانوا كتابا فيها أو مسئولين عنها‏..‏ صلاح عيسي‏..‏ ومصطفي بكري‏..‏ وعادل حمودة‏..‏ ومجدي الجلاد‏..‏ وسعد هجرس‏..‏ وإبراهيم عيسي‏..‏ وعبد الحليم قنديل‏..‏ وعبد الله السناوي‏..‏ ووائل الإبراشي‏..‏ وعبد العال الباقوري‏..‏ وسعيد عبد الخالق‏..‏ وسليمان الحكيم‏..‏ وليلي الجبالي‏..‏ ومجدي مهنا‏..‏ وسليمان جودة‏..‏ ومحمود بكري‏..‏ وعمرو الليثي‏..‏






إن صحافة مصر المستقلة صفحة جديدة من الصفحات المضيئة في تاريخ صاحبة الجلالة‏..‏ وينبغي ألا تزعجنا فيها سقوف الحوار الغائبة أو التجاوزات في النقد أو الهجوم لأن كل ظاهرة جديدة تحمل السلبيات والإيجابيات معا‏..‏ ومع التجربة والخبرة والفهم المتبادل والحوار ستكون صحافتنا المستقلة أكثر وعيا بدورها ومسئوليتها‏..‏


ومن حق الصحافة المصرية أن تزهو بأن لديها الآن أجيالا جديدة من فرسان الكلمة يضيئون كل يوم شمعة جديدة في طريق الكلمة المسئولة من أجل مستقبل أفضل لهذا الوطن‏..‏






ويبقي الشعر






لأنك مهما تناءيت عني ............. وهان علي القلب ما لا يهون






وأصبحت فيك المغني القديم ..... أطوف بلحني ولا يسمعون






وتعطين قلبك للعابثين .............. ويشقي بصدك من يخلصون






أموت عليك شهيدا بعشقي ....... وإن كان عشقي بعض الجنون