Loading

الثلاثاء، 26 يناير، 2010

ألغام بشرية

هوامش حرة



ألغام بشرية


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة











جاءت العملية الإرهابية التي اهتزت بسببها مآذن الأزهر والحسين لحظة دامية أعادت إلي الذاكرة المصرية أشباح الأمس القريب الذي حاولنا كثيرا أن ننساه‏..‏ وبقدر فجيعتنا في هذه العملية بقدر اعتزازنا بما قامت به أجهزة الأمن التي استطاعت في وقت قياسي لم يتجاوز الساعات أن تصل إلي الشخص الذي قام بهذه العملية وأن تكمل مهمتها في كشف كل من شارك في هذه المأساة‏..‏ كان الأداء الأمني إنجازا كبيرا بكل المقاييس من حيث السرعة والدقة والوصول إلي الهدف‏..‏






ولا أنكر أن هناك أكثر من جانب استوقفني وأنا أتابع هذه العملية خاصة بعد وصول قوات الأمن إلي منفذها الشاب حسن بشندي الذي فجر نفسه في سابقة هي الأولي من نوعها في مصر لأن العمليات الإرهابية السابقة علي أرض الكنانة لم تستخدم هذا الأسلوب الانتحاري‏..‏






ولكن السؤال الذي طاردني وطارد الملايين غيري‏..‏ ما الذي جعل هذا الصبي الذي حصل علي الثانوية العامة منذ شهور قليلة ولم يبلغ بعد العشرين من عمره يفكر في هذه العملية‏..‏ ثم يعد لها‏..‏ ثم ينفذها منتحرا سواء كان هناك خطأ في عملية التفجير أم أنه قصد الانتحار من البداية‏!..‏






إن هذا الشاب جاء خارج السياق القديم لأساليب العمليات الإرهابية من حيث التنظيمات الدينية السياسية التي تبنت هذه الأعمال في ظل برامج وأهداف واضحة وأياد تحرك كل هذه الأعمال وتمولها وتشرف علي تنفيذها‏..‏ كانت هناك خلايا وأمراء ومسئولون وكوادر‏..‏ وكانت هناك أفكار وخطط ومشروعات وأهداف وعقول مدبرة‏..‏ وكانت هناك مصادر تمويل وإشراف ومبايعة‏..‏






كانت الأنشطة الإرهابية مشروعات متكاملة من حيث التنظيم والخلايا والأفكار والمبادئ التي وصلت إلي حد تكفير المجتمع كله‏.‏






وكانت الصدمة الأولي في عملية الأزهر الأخيرة أننا أمام جيل إرهابي جديد حاقد وساخط ومتمرد دون أن يدفعه أحد إلي ذلك‏..‏ وفي تقديري أن مثل هذا الجيل أخطر بكثير من أجيال سبقت‏..‏ إن الأجيال القديمة كانت معروفة ومرصودة لدي أجهزة الأمن وكانت بينها وبين أجهزة الأمن معارك وحسابات كثيرة ولكننا الآن أمام وجه جديد أخطر لأنه يتحرك بدوافعه وليس من خلال الآخرين‏..‏






إن هذا الشاب الذي لم يتشكل بعد ثقافيا أو فكريا ومازال في بداية حياته الجامعية في كلية مرموقة‏..‏ وأسرة فقيرة ولكنها متعلمة‏..‏ وأب بسيط ولكنه مكافح‏..‏ وواقع اقتصادي صعب ولكنه ليس مدمرا‏..‏ هناك ثلاثة إخوة سبقوه درسوا في الجامعة وتخرجوا فيها‏..‏ وكان هذا الابن نفسه يفخر بوالده الرجل المكافح البسيط الذي مات وهو يوزع الشربات في ليلة عرس ابنه الأكبر‏..‏






هذه التركيبة تجعلنا نطرح أكثر من سؤال‏:‏ إن حياة هذا الشاب كانت تنحصر بين كلية الهندسة حيث الدراسة‏..‏ وجهاز الكمبيوتر حيث المذاكرة‏..‏ والإنترنت حيث الثقافة العامة‏..‏ والتليفزيون الذي كان يطالب أسرته بإغلاقه‏..‏






وفي تقديري أن الأزمة الحقيقية لهذا الشاب جاءت من عنصرين أساسيين‏:‏ العنصر الأول هو الإنترنت‏..‏ وهنا تنقسم اهتمامات شبابنا في هذه الأيام‏..‏ هناك فريق أول سقط ضحية الجنس علي هذا الجهاز الساحر وهو متوافر بمساحات كبيرة من الأغاني والأفلام‏..‏ والأحاديث والمناقشات سواء كانت إيجابية أم سلبية‏..‏ وهناك قسم آخر وقع فريسة لأقكار كثيرة سواء كانت دينية أو سياسية أو أخلاقية أو حتي لا أخلاقية‏..‏ هذا الفريق يتعرض لعمليات غسيل مخ حادة يشارك فيها الجميع حيث التشكيك في الأديان والسخرية منها‏..‏ والاعتداء علي مقدسات الناس وأفكارهم ومحاولات مستميتة لتشويه صورة العقائد السماوية وللأسف الشديد أن الجميع يفعل ذلك لا فرق بين دين وآخر‏..‏ أو اتباع رسالة دون أخري‏..‏ ولنا أن نتصور شابا في هذا العمر الصغير‏..‏ وهذه الثقافة المحدودة والتجارب البسيطة وهو يتعرض كل يوم لهذا العدوان النفسي المدمر‏..‏ وهذه الحيرة الشديدة بين أن يكون ملتزما أو منفلتا‏..‏ أن يسمع كلاما يضلله أو يشاهد فيلما جنسيا يحرك غرائزه‏..‏ هذا الفزع النفسي الرهيب يخلق أجيالا حائرة وقلقة ومضطربة نفسيا وعصبيا وسلوكيا‏..‏






علي الجانب الآخر‏..‏ ماذا يشاهد هذا الشاب علي شاشات التليفزيون‏..‏ إنه يري نفس الانشطار الذي يحدث علي شاشات الإنترنت‏..‏ نشرات الأخبار التي تحمل صور سجن أبو غريب والجنود الأمريكان يغتصبون النساء والرجال معا‏..‏ والكلاب البشرية التي تحاصرهم من كل جانب‏..‏ والأطفال الفلسطينيون الذين تتناثر أشلاؤهم تحت جنازير الدبابات والمصفحات الإسرائيلية تقتحم البيوت والمساجد‏..‏ وأشلاء الشيخ ياسين والرنتيسي أمام أبواب المساجد‏..‏ في كل يوم يشاهد مثل هذه الصور التي جعلت لون الدماء شيئا سهلا وبسيطا‏..‏ وجعلت القتل واجبا يوميا علي كل الشاشات‏..‏




في الجانب الآخر من الصورة كانت ثقافة العري والجنس والدعارة‏..‏ خمسون فضائية عربية تبيع الجنس كل يوم وتنفق بلايين الدولارات علي فنون هابطة دمرت أجيالا وخربت عقولا وجعلت الشباب حائرا ما بين لون الدم في نشرات الأخبار والرغبات الشاذة في بوتيكات العري‏..‏






هذا الجيل الجديد من الإرهابيين الجدد لم يقرأ كتابا في الدين ولم يرسخ فكرا أو يؤمن بقضية ولكنه نتاج لقيط لوسائل حديثة في التكوين النفسي والفكري والثقافي والسلوكي وصلت به إلي حالة من الاكتئاب‏..‏ ثم الإحساس بالعجز‏..‏ ثم الإحساس بالهوان وتوجه ذلك كله إلي عقل صغير غير قادر علي استيعاب كل ما حوله‏..‏ وأمام عقل عاجز‏..‏ وفكر محدود‏..‏ وثقافة هشة‏..‏ كان من السهل أن يقتحم الإرهاب القديم عقل هذا الشاب‏..‏






ولا شك في أن مثل هذه الجرائم علي شاشات الإنترنت والتليفزيون ما كانت لتصل إلي أهدافها وتحقق أغراضها لولا هذا المناخ الذي أعطاها الفرصة كاملة لكي تجد الأرض الصالحة لهذه البذور‏..‏ إن هذا الشاب ولد في عام‏1987..‏ أي أنه في عامه الأول شاهد الانتفاضة الأولي في أرض فلسطين ورأي الأطفال الصغار يذبحون في الشوارع‏..‏ وشاهد حرب البوسنة وآلاف القتلي‏..‏ وشاهد حرب الخليج‏..‏ ورأي بعينيه شارون وهو يقتحم بجنوده المسجد الأقصي وشاهد مذابح الجزائر واليمن والسودان والصومال وأفغانستان‏..‏ ثم مذابح العراق وسجن أبو غريب والفالوجة‏..‏ نحن أمام جيل الدم العربي المراق علي كل جزء من الأرض العربية‏..‏






لقد جاء في بيان وزارة الداخلية أن هذا الشاب تأثر كثيرا بالظروف الإقليمية والدولية التي تركت في نفسه آثارا كبيرة‏..‏ وكان ينبغي أن يقول البيان إن هذه الظروف حولت الشاب الصغير البسيط الفقير الطموح العاجز إلي لغم في قلب القاهرة‏..‏






إن أخطر ما في هذه العملية الدامية أنها تحتاج إلي أكثر من قراءة‏..‏ هناك قراءة أجهزة الأمن وقد أدت دورها في كشف الجريمة خلال ساعات قليلة ولها في رقابنا شكر وعرفان‏..‏ ولكن هناك قراءات أخري يجب أن نحرص عليها‏..‏ أولي هذه القراءات هي القراءة السياسية‏..‏ والأمر هنا يتطلب تفريغ هذه الطاقات بحيث نفتح أمامها قنوات للعمل السياسي لكي يعبر الشباب عن آرائهم ويخرجوا هذه الطاقات الهائلة التي دفعت واحدا منهم إلي أن يفجر نفسه في سابقة خطيرة‏..‏






وهنا أطالب بضرورة عودة النشاط السياسي إلي الجامعات‏..‏ لأن هذا أفضل بكثير من أن نترك أبناءنا فريسة لمواقع القاعدة والتطرف والإرهاب في ساحات الإنترنت‏..‏ وهذا أيضا واجب الأحزاب السياسية التي اكتفت بالغرف المكيفة والمعارك التليفزيونية وتركت أجيالا كاملة لهذا الفراغ الفكري والثقافي والسياسي والديني‏..‏






هناك أيضا قراءة أخري لهذه الجريمة ينبغي أن تقوم بها مراكز الأبحاث الاجتماعية والسلوكية لكي تقول لنا بصراحة ماذا جري لشبابنا‏..‏






وهناك أيضا قراءة ثقافية لهذه الجريمة تدخل فيها أجهزة الثقافة والإعلام والصحافة والأسرة والمدرسة والجامعة‏..‏ كيف تركنا ملايين الشباب للإنترنت الجنسي‏..‏ والإنترنت التخريبي‏..‏ وكيف نعيدهم مرة أخري إلي الكتاب والندوة والبرنامج الثقافي الجاد والأغنية الراقية والمسرحية الهادفة والحوار الممتع والدين الحقيقي بلا شطط أو جنوح‏..‏






وقبل هذا كله فإن هذه الجريمة تحتاج إلي قراءة أسرية لأننا جميعا نترك أبناءنا الصغار عشرات الساعات أمام جهاز الكمبيوتر ونحن لا نعلم ماذا يتسرب في عقولهم وماذا يفعلون أمام هذا الساحر الصغير‏..‏






إن جريمة الأزهر ينبغي أن تحرك ضمائرنا تجاه أجيال جديدة لم نعطها الوقت لكي تنشأ في مناخ أفضل‏..‏ ولم نعطها الفرصة لكي تتكون بأسلوب أحسن‏..‏ ولم نوفر لها حياة بسيطة خالية من كل ما نراه الآن من مظاهر الإحباط والعجز والانكسار‏..‏






إنها أزمة أمة فشلت في كل شيء ونجحت في شيء واحد‏..‏ إنها زرعت في كل بيت لغما سواء كان شابا عاطلا لا يعمل أو صبيا اعتاد علي صور القتل والجرائم كل يوم‏..‏ وقبل هذا كله هذا الاختراق الرهيب الذي يسمي الإنترنت وبقدر ما فيه من الحسنات فيه أيضا الكثير من المساوئ‏..‏ فكيف نجنب شبابنا أخطاره ومآسيه لكي يتعلموا منه كيف ينقذون مريضا‏..‏ ويبنون بيتا‏..‏ ويزرعون شجرة بدلا من أن يغرسوا في كل بيت لغما‏..‏