Loading

الأحد، 17 يناير، 2010

مكتبة الإسكندرية‏..‏ والتوازن المفقود

هوامش حرة



مكتبة الإسكندرية‏..‏ والتوازن المفقود


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة









حرية التعبير‏..‏ عنوان جذاب وبراق ومؤثر‏..‏ فليس بيننا من يكره الحرية‏..‏ أو يرفضها‏..‏ وكم طالبنا بإتاحة الفرصة كاملة للناس لكي يعبروا عن وجهات نظرهم مهما تكن درجات الخلاف‏..‏ فلن تكون هناك حرية بلا تعبير‏..‏ ولن يكون هناك تعبير حقيقي بلا حرية‏..‏ ولهذا فإن الحرية بلا تعبير أكذوبة كبري‏..‏ والتعبير بلا حرية سجن كبير يبدأ بالإنسان نفسه وينتهي بين قضبان لا يعرف حدودا لها‏..‏






وفي الأسبوع الماضي ذهبت ضيفا علي مكتبة الإسكندرية التي أقامت مؤتمرا دوليا عربيا مصريا حول قضية‏'‏ حرية التعبير‏'‏ وعلي امتداد ثلاثة أيام دارت مناقشات ودراسات بين ضيوف المؤتمر العرب والمصريين والأجانب‏..‏






بداية لابد أن أعترف بأنني شعرت بغربة شديدة وأنا في رحاب المكتبة العريقة في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر‏..‏ لقد ظننت للوهلة الأولي أنني في مكتبة الكونجرس بواشنطن‏..‏ أو في إحدي المكتبات الأوروبية‏..‏ ولم يكن ذلك بسبب المكان أو الوجوه المشاركة ولكن بسبب الكلمات الافتتاحية التي شارك فيها ثلاثة من كبار مثقفينا بعيدا عن مناصبهم وهم‏:‏ د‏.‏ علي الدين هلال‏..‏ ود‏.‏ إسماعيل سراج الدين‏..‏ ود‏.‏ جابر عصفور‏'‏ أستاذ الأدب العربي‏'..‏ لقد تحدث ثلاثتهم باللغة الإنجليزية بينما وضع عشرات الحاضرين من المصريين والأشقاء العرب السماعات علي آذانهم لمتابعة ما يجري مترجما إلي اللغة العربية‏..‏ وفي تقديري أن هذه كانت السقطة الأولي للمؤتمر‏..‏






ولا يبرر حضور عشرة أو عشرين ضيفا أوروبيا للمؤتمر أن نسقط اللغة العربية إرضاء للضيوف الأجانب‏..‏ ولا يبرر التمويل الأجنبي من وزارة الثقافة النرويجية للمؤتمر أن يتابع المصريون مؤتمرا علي أرضهم وفي مكتبتهم باللغة الإنجليزية خاصة أن النية كانت واضحة فقد تضمن البرنامج المكتوب إشارة إلي أن المؤتمر ـ كل المؤتمر ـ باللغة الإنجليزية وهناك ترجمة عربية فورية‏..‏






كان الخطأ الثاني أن يقدم د‏.‏ علي الدين هلال كلمة الافتتاح في المؤتمر‏..‏ والدكتور هلال صديق عزيز وأستاذ جامعي فاضل ولكن ليس هذا مكانه‏..‏ كان الأولي أن يفتتح المؤتمر بكلمة من كاتبنا الكبير نجيب محفوظ بحيث يقرؤها نيابة عنه د‏.‏ إسماعيل سراج الدين‏..‏ وفي تقديري أن افتتاحا يتصدره اسم نجيب محفوظ في مؤتمر دولي عن‏'‏ حرية التعبير‏'‏ وباللغة العربية كان أفضل كثيرا من كل ما حدث‏..‏






كانت ورقة العمل الرئيسية للمؤتمر علي درجة عالية من السخونة والعنف أحيانا‏..‏ لقد تحدثت بجرأة وصراحة عن كثير من واقعنا السياسي والثقافي وطالبت بإلغاء قانون الطوارئ‏..‏ والسلطات الاستثنائية للأجهزة الرقابية سواء كانت الرقابة السياسية أو الدينية مع حرية تأسيس الأحزاب وممارسة النشاط السياسي داخل الجامعات‏..‏ وطالبت الورقة بإطلاق حرية الاعتقاد علي مستوي الأديان والطوائف وفصل الدين عن الدولة‏..‏ وإسقاط المسميات التي تبرر القمع الفكري مثل المصلحة الوطنية والدين والأخلاق والمجتمع‏..‏ وإلغاء الرقابة علي الكتب الدراسية‏..‏ وبرامج التعليم‏..‏ وترقيات أساتذة الجامعات‏..‏ والكتب في المكتبات الجامعية‏..‏ وطالبت بإصلاح الخطاب الديني بما يتسق مع روح العلم وحكم العقل والمتطلبات العصرية‏..‏ ومواجهة مجموعات التطرف الديني التي اخترقت مؤسسات مثل القضاء والمؤسسات التشريعية والمجالس النيابية‏..‏






وطالبت الورقة بإلغاء وزارات الإعلام وحرية تداول المطبوعات وتدفق المعلومات‏..‏ وإلغاء الوصاية علي أجهزة الإعلام وحق تملك الصحف‏..‏ والفصل بين الإعلام والإعلان والإدارة والملكية في المؤسسات الإعلامية‏..‏ والاهتمام باللغة العربية‏..!‏






وفي هذا السياق ناقش المؤتمر أوراقا مختلفة حول الرقابة‏..‏ وحرية الصحافة‏..‏ والعلاقة بين الحكومات العربية وأجهزة الإعلام‏..‏ والممارسات السياسية‏..‏ والقمع الفكري من خلال نماذج محددة عن كتب صودرت أو كتاب اختلفوا مع الحكومات أو خرجوا علي السياق العام وأدانتهم سلطات دينية أو شعبية أو جامعية أو حكومية‏..‏ وهنا أتوقف عند بعض الملاحظات‏:‏






أولا‏:‏ ان المؤتمر لم يكن عن‏'‏ حرية التعبير الإبداعي‏'‏ كما يوحي عنوانه‏..‏ ولكنه كان في الحقيقة أقرب إلي‏'‏ حرية التعبير الصحفي‏'..‏ وكان ذلك واضحا جدا من الأوراق المقدمة التي اهتمت أكثر بالشأن الصحفي وابتعدت كثيرا عن الإبداع بكل مجالاته تقريبا‏..‏ ولهذا كان ينبغي أن يحمل المؤتمر اسم حرية الصحافة ووسائل الإعلام‏..‏


إن قضية الحرية لدي المبدع تختلف تماما عن حرية الصحافة لأن الصحافة علاقات متشابكة مع الواقع السياسي والمؤسسات الحاكمة‏..‏ ولكن حرية الإبداع ترتبط أكثر بالواقع الثقافي والإنساني والحضاري‏..‏






ثانيا‏:‏ طغت علي المؤتمر شكوي بعض الكتاب المضطهدين من أنظمة الحكم أو السلطات الدينية في بلادهم‏..‏ وفي تقديري أن هذه الشكاوي كانت الأعلي صوتا وكان من الممكن أن تقام لهم ندوة صغيرة تحت عنوان‏'‏ كتاب مضطهدون‏'‏ ولا يقام مؤتمر يشارك فيه‏450‏ شخصا لسماع هذه الشكاوي خاصة أن معظمها في الحقيقة بطولات بلا أبطال‏..‏ وشهداء بلا معارك‏..‏






ثالثا‏:‏ لا أعتقد أن أسماء المشاركين جميعا كانت علي درجة واحدة من حسن الاختيار‏,‏بل إنني علي يقين بأن عملية الاختيار لم تكن بالشفافية المطلوبة من حيث توجهات الفكر والرؤي السياسية‏..‏






وأمام هذا غابت أسماء كثيرة كانت هي الأحق بأن تشارك بحكم وزنها الثقافي والإبداعي وتاريخها ومدي مصداقيتها‏..‏


وعندي عشرات الأسماء من الكتاب والمبدعين المصريين والعرب مثل‏:‏ كامل زهيري وعز الدين إسماعيل ورجاء النقاش وبهاء طاهر ومحمد عمارة وخيري شلبي وفوزي فهمي وعبد العزيز حمودة ومحمد عناني وسمير سرحان وزكي عشماوي والطاهر مكي والسعيد الورقي وزكريا العناني وسليم العوا وطه وادي وعبدالمنعم تليمة وفهمي هويدي وحمدي قنديل وحسين أحمد أمين والطيب صالح والفيتوري وطاهر بن جلون وحنا مينا ومحمد بنيس‏..‏ هذه الأسماء هي التي تليق بمؤتمر يناقش حرية الإبداع‏..‏ وليس حرية الصحافة والإعلام‏.‏ كما اختلطت أوراق المؤتمر وقضاياه أمام القائمين عليه‏..‏






رابعا‏:‏ هناك فرق كبير بين الإسلام الدين والعقيدة‏..‏ والإسلام السياسي‏..‏ ومن الخطأ أن يخلط مؤتمر دولي وفي مؤسسة ثقافية كبري في ورقة العمل الرئيسية بين الاثنين معا ويجعل الإرهاب معركة مواجهة بين المثقفين وعقيدتهم‏..‏ إننا جميعا باختلاف مواقعنا الفكرية نختلف مع استخدام الدين في السياسة‏..‏ ولكننا نرفض أن ننساق وراء الغرب في دعاواه ضد ديننا الحنيف حينما يحاول الربط بين الإسلام والإرهاب‏..‏ وقد شعرت في أكثر من مكان في ورقة العمل الرئيسية للمؤتمر بأنني أمام إدانات واضحة للإسلام تحت ستار مواجهة الإسلام السياسي‏..‏


وعندما يخرج هذا الكلام منا يجد صدي أوسع لدي كل من يحاول النيل من الإسلام‏..‏ كان ينبغي أن تدين الورقة الإرهاب بكل مصادره ودون تحديد لأي دين أو لغة‏..‏ أما أن تربط بين الإرهاب والإسلام فهذه سقطة كبري‏..‏ ولقد تكرر هذا الموقف الغريب في عدد كبير من الأوراق التي كانت تتحدث عن الإرهاب في إشارة واضحة الملامح للإسلام‏..‏


والسؤال الآن‏:‏ ما هي أسباب ذلك‏!‏


إذا كانت تصفية حسابات بين تيارات سياسية دينية أو لا دينية في عواصم عربية فينبغي ألا تصبح مصر طرفا فيها أو أرضا لها حتي ولو كان ذلك من خلال مؤسسة ثقافية مثل مكتبة الإسكدرية‏..‏






وإذا كان الهدف هو إدانة الإرهاب فقد كان ينبغي أن يدان الإرهاب بكل أشكاله ومنها الجرائم التي ترتكبها القوات الأمريكية في العراق والقوات الإسرائيلية في فلسطين وما يتعرض له المسلمون والعرب في دول أوروبا من عمليات القمع والتنكيل‏..‏ أما أن نهاجم ديننا علي أرضنا فهذا مرفوض حتي ولو كان ذلك تحت شعار‏'‏ حرية التعبير‏'..‏






خامسا‏:‏ عندي إحساس أن فكر مكتبة الإسكندرية في حاجة شديدة إلي درجة من التوازن في الرؤي والأفكار والمواقف حتي لا يقع فريسة رأي أو فكر واحد‏..‏ إننا نعتز بمؤسسة ثقافية وليدة اسمها‏'‏ مكتبة الإسكندرية‏'..‏ وأنا شخصيا أثق كثيرا في مواقف وتوجهات إسماعيل سراج الدين وإن كنت أطالبه من موقع الحرص بأنه يراجع الأشياء بدقة أكثر‏..‏


كان من الممكن أن نري مؤتمرا متوازنا في قضاياه وفي فكره ومعالجاته والمشاركين فيه بحيث لا تبدأ كلماته الافتتاحية باللغة الإنجليزية‏..‏ وتنتهي دراساته وورقة عمله الرئيسية بالربط بين الإسلام والإرهاب أو أن يتحول إلي فرصة لتصفية حسابات بين تيارات وقوي سياسية تتصارع علي السلطة تحت ستار الدين‏..‏ أو الدنيا‏..‏ أو كليهما معا‏..‏ لأن هذا كله ليس مكانه مؤسسة ثقافية كبري نريد لها أن تكون أكبر من كل الصراعات وتصفية الحسابات سواء بين المثقفين بعضهم بعضا أو بين المثقفين وحكوماتهم‏..‏