Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

البنوك المصرية‏..‏وشبح الخصخصة

هوامش حرة



البنوك المصرية‏..‏وشبح الخصخصة


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة








شهدت الأيام الأخيرة بعض الإجراءات الجادة لاستكمال مسيرة الإصلاح والتطوير في الجهاز المصرفي‏..‏ كان من أبرز هذه الإجراءات عمليات الدمج بين عدد من البنوك المتعثرة والبنوك الكبري من خلال دعم مالي لهذه الإجراءات من البنك المركزي‏..‏ ولا شك في أن هذه البنوك المتعثرة كانت تمثل جوانب قصور واضحة في أداء الجهاز المصرفي خاصة أن البعض منها تورط في عمليات تمويل لرجال الأعمال انتهت بخسائر فادحة تركت آثارها علي بنوك مصر كلها الصغير منها والكبير‏..‏


وقد بدأت البنوك تخرج من ذلك السرداب المظلم الذي جاء نتيجة طبيعية للارتجال العشوائي في تمويل أنشطة القطاع الخاص وتقديم القروض وعمليات التمويل التي لم تتسم بالشفافية وحسن التقدير‏..‏






لقد خسرت البنوك المصرية أموالا كثيرة لكي تعيد التوازن إلي سياساتها ما بين قروض معدومة‏..‏ وتسهيلات مؤجلة‏..‏ وأعباء كبيرة تركها الهاربون بأموال البنوك ورحلوا‏..‏


وسط كل هذا صدرت تصريحات في الفترة الأخيرة من أكثر من مسئول في الحكومة تؤكد الاتجاه إلي خصخصة أحد البنوك وإن لم يحدد المسئولون اسم البنك الذي سيطبق عليه هذا القرار‏..‏ وقد أعلن د‏.‏ نظيف رئيس الحكومة أن النية تتجه بالفعل نحو اتخاذ هذا القرار‏..‏ وقبل أن أناقش هذا التوجه فإنني أضع مجموعة نقاط يمكن أن تفيدنا ونحن نناقش قضية الخصخصة في البنوك‏..‏






أولا‏:‏ أن نراجع بأمانة وشفافية ما تم في برنامج الخصخصة من حيث العائد‏..‏ والنتائج‏..‏ وأيضا السلبيات‏..‏ لقد مرت عمليات الخصخصة بأكثر من مرحلة ربما كان أكثرها نجاحا هو بداية البرنامج في حكومة د‏.‏ عاطف صدقي‏..‏ وبعد ذلك تعثرت عمليات بيع القطاع العام‏,‏ ولم تمض في طريقها المرسوم بل إنها في أحيان كثيرة فقدت الرؤي وسارت بطريقة عشوائية دون تخطيط أو متابعة‏..‏ والآن بدأت الحكومة الجديدة مراجعة كل ما تم في برنامج الخصخصة في السنوات الماضية حتي تبدأ معه مرحلة أكثر جدية‏..‏






ثانيا‏:‏إن هناك ظلالا كثيفة ظهرت في أداء البنوك المصرية طوال برنامج الخصخصة‏..‏ وبعد ذلك اتضحت حقائق كثيرة عن أخطاء فادحة في سياسات الإقراض والائتمان التي اتبعتها البنوك وانتهت نهاية دامية مع هروب عدد كبير من رجال الأعمال ومعهم أموال البنوك‏..‏ وكان من توابع هذه الأخطاء أن تحملت البنوك خسائر كبيرة لم يعرف أحد حتي الآن حجمها وإن كانت البنوك قد حاولت تغطية آثار الجريمة بزيادة رأسمالها أو تغيير القيادات فيها أو الاتجاه إلي سياسة أكثر انكماشا خوفا من تكرار ما حدث‏..‏






ثالثا‏:‏ لا نستطيع أن ننكر حالة الكساد التي اجتاحت الأسواق المصرية في الفترة الأخيرة وكان وراء ذلك أسباب دولية وإقليمية ومحلية‏..‏ وفي كل الحالات لم يشهد الاقتصاد المصري حالة ركود مثل التي عاشها في العامين الأخيرين‏..‏ والشيء المؤكد أن آثارها ما زالت موجودة حتي الآن بكل شواهدها ومؤشراتها‏..‏






رابعا‏:‏ كان قرار تعويم الجنيه المصري ورفع سعر الدولار من القرارات التي تركت آثارا سيئة علي السوق المصرية ابتداء بالارتفاع الرهيب في الأسعار وانتهاء بفقدان العملة المصرية أكثر من ضعفها في أقل من عام واحد‏!..‏






خامسا‏:‏ لا نستطيع أن نتجاهل العجز الذي تعانية الميزانية‏..‏ وحجم الدين الخارجي والداخلي‏..‏ والتراجع الكبير في حجم الصادرات‏..‏ والزيادة الضخمة في حجم الإنفاق الحكومي‏,‏ هذا بجانب قضايا أخري تفرض نفسها ومنها البطالة‏..‏ وهذه كلها حقائق يجب أن نقف عندها ونحن نحاول أن نبدأ طريقا جديدا أو نرسم سياسة أكثر تحررا وانطلاقا‏..‏






هنا نتوقف عند اتجاه الحكومة إلي خصخصة أحد بنوك القطاع العام‏..‏ والذي أعرفه أن المؤسسات المالية الدولية ومنها صندوق النقد والبنك الدوليان وبعض المؤسسات المالية الأمريكية تحاول الضغط علي مصر لخصخصة بنوك القطاع العام‏..‏ وقد رفضت مصر تنفيذ ذلك أكثر من مرة‏..‏ لكن الواضح أن الحكومة الجديدة قد لانت وأنها بصدد اتخاذ قرار في ذلك الاتجاه‏..‏ وهنا تظهر أمامنا بعض الجوانب التي تطرح أكثر من سؤال‏:‏






‏*‏ هل الظروف الحالية التي يمر بها الاقتصاد المصري والبنوك المصرية يمكن أن تتحمل مثل هذا القرار؟‏..‏ وهل هذا هو التوقيت المناسب لاتخاذ مثل هذه الخطوة ؟‏..‏ إن البنوك ما زالت تعاني آثار المشكلات والأزمات التي واجهتها بسبب هروب رجال الأعمال بآلاف الملايين من الجنيهات‏..‏ والاقتصاد المصري لم يخرج بعد من عنق الزجاجة‏..‏ والميزانية تعاني عجزا كبيرا‏..‏ وما زالت الأسواق حتي الآن تعاني حالة انكماش حادة‏..‏ وهذا كله يعني أن التوقيت ليس مناسبا لاتخاذ هذا القرار‏..‏


‏*‏ يجب أن نسأل أنفسنا‏:‏ من الذي يستطيع الدخول في صفقة كبيرة لشراء بنك بملايين الجنيهات؟‏!..‏ هل هو القطاع الخاص المصري الذي فقد الكثير من مصداقيته؟‏!..‏ هل هم رجال الأعمال الذين هربوا بأموال البنوك وسوف يعودون الآن لشرائها؟‏!..‏


إن الأرجح هنا أن البنوك سوف تباع لأطراف خارجية ومستثمرين أجانب وهنا يجب أن نتساءل بأمانة‏:‏ من هم هؤلاء وكيف نسمح بأن يتحكم مستثمر ما ـ أيا كان لونه أو جنسيته ـ في العمود الفقري للاقتصاد المصري ممثلا في البنوك‏!..‏ وما الذي يمنع أن تتدخل أطراف مشبوهة لشراء البنوك المصرية وإحكام الوصاية علي الاقتصاد المصري؟‏!..‏ ما الذي يمنع أن تتسلل رؤوس أموال يهودية وأمريكية لشراء هذه البنوك بأسماء وجنسيات أخري ربما كان منهم العرب أو حتي المصريون‏..‏






‏*‏ إن بيع بنك قضية ضخمة من حيث المبدأ‏..‏ والأهمية‏..‏ والقيمة‏..‏ والنتائج‏..‏ أما من حيث المبدأ فإن البنوك بصفة خاصة مثل عملة الدولة لها قدسية ومكانة ينبغي عدم التفريط فيها‏..‏ لقد كان إنشاء بنك مصر حدثا قوميا ووطنيا قبل أن يكون استثمار أموال أو إنشاء شركات‏..‏ وبالدرجة نفسها من الخطورة فإن بيع بنك لمستثمرين أجانب قد يكون منهم الإسرائيلي أو الأمريكي يمكن أن يكون حدثا مأساويا بكل المقاييس علي المستوي القومي والوطني قبل أن يكون حدثا اقتصاديا‏..‏


لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية البنوك‏,‏ وأنها بجانب أهميتها الاقتصادية فإنها تمثل جزءا مهما من السيادة الوطنية التي لا يمكن التفريط فيها‏..‏ وعلينا أن ندرس النتائج التي يمكن أن تترتب علي خصخصة البنوك قبل أن نفعل ذلك‏.‏






‏*‏ إن هذه البنوك لا تملكها الحكومة‏..‏ إن البنك وعاء ادخاري استثماري والمدخرات هنا ليست من حق الحكومة لكنها ودائع للمواطنين‏.‏ وكل ما يقوم به البنك أنه يحافظ علي هذه الأموال ويستثمرها بصورة سليمة‏..‏ وعلي هذا الأساس فليس من حق الحكومة أن تبيع أموالا لا تملكها‏..‏ وإذا كان من حق الحكومة أن تبيع شركة أو مؤسسة أو فندقا فليس من حقها أن تبيع بنكا دون الرجوع إلي أصحاب البنك الحقيقيين وهم المودعون‏..‏ وهذه قضية شائكة‏..‏ كيف يكون لهؤلاء رأي وهم بمئات الآلاف من البشر‏..‏ وكيف تتخذ الحكومة قرارا من طرف واحد ببيع بنك ليست هي صاحبة الحق فيه‏!..‏


‏*‏ لنا أن نتصور آلاف الموظفين الذين سيتم الاستغناء عنهم في حالة خصخصة بنك من البنوك ولنا أن نتصور حجم التعويضات التي سيحصلون عليها أو القضايا التي سيرفعها المطرودون منهم‏..‏ هذه كلها آثار جانبية يجب أن تكون ضمن حسابات الخصخصة‏..‏


إن ذلك كله يعني أن خصخصة البنوك أو بيعها لمستثمرين أجانب أو مصريين قرار يحتاج إلي دراسة آثاره الجانبية‏..‏ ولا نريد أن نندفع وراء قرارات جامحة تشبه قرار تعويم الجنيه المصري وبعد ذلك نكتشف آثاره وندفع ثمن أخطائنا‏..‏






إن تعويم الجنيه كان قرارا سليما جاء في توقيت خطأ من حيث الظروف المحلية والدولية والواقع الاقتصادي بكل جوانبه‏..‏ وقرار خصخصة البنوك قرار سليم من حيث الهدف لكنه قرار خاطئ في كل نتائجه وآثاره الجانبية في الظروف الحالية‏..‏ إن مثل هذا القرار يتطلب انتعاشا اقتصاديا مبهرا‏..‏ وقطاعا خاصا علي درجة عالية من الكفاءة والشفافية‏..‏ وقدرات إنتاجية وتصديرية متفوقة‏..‏ ويتطلب أيضا أن تكون البنوك نفسها في حالة من الانتعاش والتوازن تسمح لها بمواجهة الآثار الجانبية المترتبة علي قرار بيعها أو تخصيصها‏..‏


إذا كانت الحكومة تحاول الآن تقويم ما حدث في برنامج الخصخصة في السنوات الماضية فيجب أن تستفيد من دروس الماضي وتضع يدها علي جوانب كثيرة من القصور وعدم الشفافية‏..‏ هناك مشروعات كثيرة تم بيعها بأقل من نصف ثمنها لأسباب لا يعرفها أحد‏..‏ وهناك مشروعات تحولت إلي أراضي بناء بعد أن توقفت عن الإنتاج‏..‏ وهناك مشروعات تركت آثارا اجتماعية سيئة تجسدت في زيادة طوابير العاطلين في الشوارع‏..‏ ولهذا ينبغي أن نتوقف قليلا أمام الآثار السيئة التي ترتبت علي بيع مشروعات كانت تشارك في إنتاج سلعة‏..‏ أو توفير احتياجات‏..‏ أو إيجاد فرص عمل‏..‏ ومن خلال هذه الدراسة يمكن أن نضع أيدينا علي النتائج المتوقعة لقرار خطير يمكن أن يهز أركانا كثيرة‏..‏ وهو قرار بيع بنوك القطاع العام‏!!..‏