Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

معرض فرانكفورت أول مواجهة بين العرب والغرب

هوامش حرة



معرض فرانكفورت أول مواجهة بين العرب والغرب


يكتبها‏:‏ فــاروق جـويـدة





كان اللقاء بين العرب والغرب أمرا ضروريا بعد أحداث‏11‏ سبتمبر في أمريكا‏..‏ كانت هناك ظلال كثيفة من الشك والإدانات‏..‏ وكان هناك سوء تقدير للمواقف والتوجهات‏..‏ وفي لحظة تاريخية دامية اختلفت الصور‏..‏ وتوقف الزمن واختلت موازين الأشياء واخذت العلاقات ـ العربية الغربية مسارا جديدا أقل ما يوصف به انه افتقد الحكمة والموضوعية وصدق النيات‏..‏ واتسعت مساحات الخلافات وطالت كل شيء‏..‏ واقتحمت كل الخصوصيات ابتداء بالدين ومقدساته وانتهاء بالسلوكيات وثوابتها‏..‏ وفي زحمة التراشق بين الجانبين سقطت أشياء كثيرة لعل أهمها وأخطرها الحوار الهادف بكل ما يتطلبه من ضمانات الموضوعية والصدق وأمانة الرؤي‏..‏


ذهبت في الاسبوع الماضي الي مدينة فرانكفورت في قلب المانيا مشاركا في تظاهرة ثقافية وحضارية وعضوا في الوفد المصري ضمن فعاليات معرض فرانكفورت الدولي للكتاب‏..‏ كان العرب هم ضيف الشرف هذا العام‏..‏ وكانت الثقافة العربية صاحبة العرس في أكبر معارض الكتاب في العالم حيث يجتمع اكثر من ستة آلاف ناشر من كل اللغات والأجناس والعواصم‏...‏ مدينة فرانكفورت هي مدينة المال ليس في ألمانيا ولكن في أوروبا كلها‏..‏ انها اكبر اسواق المال في أوروبا وهي مدينة صاخبة في كل شيء ابتداء بمطارها العريق الذي يهبط فيه آلاف البشر كل يوم وانتهاء بحركة رأس المال ممثلة في البنوك الكبري وشركات انتاج السيارات وشركات التأمين‏..‏ ومواكب المال بكل توجهاتها‏..‏






بداية أقول ان العرب نجحوا في ألمانيا وان الفارق ما بين صورة العرب في الغرب قبل معرض فرانكفورت وبعده كبير جدا‏..‏ لقد أزال معرض فرانكفورت غبارا كثيرا في وجهات النظر وحقق تواصلا يستحق ان نكمله‏..‏ ومنحنا فرصة كبيرة لتوضيح مواقفنا في قضايا سياسية وثقافية ودينية‏..‏ وقبل هذا كله فقد كان من الضروري ان يبدأ الحوار بيننا وبين الغرب‏..‏ ولاشك ان المانيا الدولة والتاريخ والحضارة والمعاناة كانت أفضل الأماكن لكي يبدأ منها هذا الحوار‏..‏


ان الشعب الألماني شعب عقلاني لاتحمله الانفعالات العاصفة شرقا وغربا‏..‏






وهو شعب له تاريخ طويل مع الظلم ويمكن ان يقدر أحوال المظلومين‏..‏ وهو شعب جاد في كل شيء ابتداء بالصناعات التي ينتجها وانتهاء بأفكار فلاسفته العظام الذين قدموا للبشرية زادا فكريا وحضاريا عميقا ومؤثرا‏..‏ ولهذا فان ذهاب الثقافة العربية ضيف شرف علي معرض فرانكفورت هذا العام كان انجازا حضاريا وثقافيا وانسانيا كبيرا‏..‏ وكبيرا جدا‏.‏


رغم حالة الارتباك التي سادت افتتاح معرض الكتاب في قلب مدينة فرانكفورت في لحظاته الأولي لأسباب تتعلق بالأمن وهي ضرورية‏..‏ فقد كان حفل الافتتاح شيئا مبهرا علي المستوي الفكري والسياسي‏..‏






في مقدمة الحاضرين دخلت السيدة سوزان مبارك مع المستشار الألماني جيرهارد شرودر الي حفل الافتتاح ومعهما امين الجامعة العربية عمرو موسي ووزير الثقافة المصري فاروق حسني وأكثر من‏200‏ كاتب ومبدع عربي حضروا حفل الافتتاح‏..‏ هذا بجانب عدد كبير من وزراء الثقافة العرب والسفراء واهل الفكر من مختلف دول العالم‏...‏


كان حضور قرينة الرئيس مبارك حفل الافتتاح اشارة بدء قوية ومؤثرة لفعاليات معرض الكتاب والاحتفال بالثقافة العربية‏..‏






جاءت كلمة المستشار الألماني في حفل الافتتاح دعما كبيرا من اللحظة الأولي للمشاركة العربية واختيارها ضيف شرف في هذا المعرض الكبير‏..‏ لقد تحدث شرودر في كلمة الافتتاح عن العلاقات بين العرب والمسلمين والغرب‏..‏ وتناول في طرح تاريخي مهيب ومؤثر جذور هذه العلاقات وكيف حمل العرب والمسلمون الي أوروبا يوما مواكب العلم والحضارة والرقي‏...‏ وفي كلمات صادقة تناول شرودر اسهامات الحضارة العربية الاسلامية في تغيير الواقع الغربي عندما انطلقت من اسبانيا‏..‏ وصقلية‏..‏ وأشاد شرودر بالعرب في الاندلس وكيف كانت حضارة الاندلس أول نقطة ضوء في تاريخ العلاقات العربية الأوروبية‏..‏ وهنا ذكر الاسهامات العربية في مسيرة الحضارة الانسانية في الطب والكيمياء والفلسفة وعلم الاجتماع والرياضيات‏..‏


ولم يترك المستشار الألماني جانبا مضيئا في تاريخ الأندلس الا وذكره‏..‏ ولم ينس ان يتحدث عن الابداع العربي ابتداء بالف ليلة وليلة وكيف كانت مصدر الهام للمبدعين في الرواية الغربية وانتهاء بنجيب محفوظ صاحب نوبل ورائد الفن القصصي في الأدب العربي‏..‏






وانتقل شرودر الي السياسة واشار في حسم قاطع واعتراف صريح الي سوء تقدير الغرب للعالم العربي والاسلامي خاصة مراحل الاستعمار التي تركت اثارا سيئة في تاريخ العلاقات العربية الأوروبية‏..‏ ومن هنا انتقل الي ما يحدث في فلسطين والعراق مطالبا العالم كله بمواجهة أمينة لمشكلات المنطقة العربية وان ذلك هو بداية الحرب الحقيقية علي الارهاب لانه لايمكن الفصل بين اسباب الارهاب والممارسات العنيفة ضد العرب والمسلمين في فلسطين والعراق‏.‏


كانت كلمة شردور موقفا يضاف الي الموقف الألماني في دعمه لحقوق الانسان العربي ودفاعا عن الاسلام دين التسامح والمحبة بين الشعوب‏.‏






وبعد ذلك كان موقف عمرو موسي في كلمة بليغة وجادة وقوية‏..‏ دافع موسي عن الثقافة العربية دفاعا مجيدا مستعرضا امام الحاضرين اروع نماذج هذه الحضارة في الفكر والفن والثقافة‏..‏ وصال وجال وهو يتناول الرموز المضيئة في مسيرة الثقافة العربية والحضارة الاسلامية وكان يؤكد في كل فقرة من كلمته هذا الدور الحضاري برموزه واسماء مبدعيه ومفكريه‏..‏ كانت كلمة عمرو موسي عن دور الثقافة العربية والاسلامية في التاريخ الانساني وثيقة تاريخية ونقطة ارتكاز لحوار حضاري نحو مستقبل اكثر امنا واستقرارا للعالم كله‏..‏ وفي اخر كلمته طاف عمرو موسي حول الواقع السياسي في العالم العربي وما تعانيه الشعوب العربية في فلسطين والعراق امام قوة غاشمة واحتلال مرفوض وعالم لا يقبل الا اساليب الوصاية والهيمنة والاعتداء علي مقدرات الشعوب‏.‏


كان حفل افتتاح معرض فرانكفورت هو قمة نجاح المشاركة العربية وفي تقديري ان ماحدث في الافتتاح يغفر الكثير من السلبيات التي ظهرت بعد ذلك سواء في التنظيم أو المشاركات أو الندوات‏..‏ كان افتتاحا مهيبا في تنظيمه قويا في مواقفه وتوجهاته سواء علي المستوي الفكري والثقافي أو المستوي السياسي رغم ان المعرض يتعامل مع القضايا السياسية بحذر شديد وكان الغريب في الأمر أن تصبح السياسة جزءا مهما في المشاركة العربية في هذه المظاهرة الثقافية‏.‏






وفي ظل ظروف تاريخية صعبة كان من الصعب جدا ان يجتمع هذا الحشد من المثقفين والمبدعين العرب في مناسبة واحدة‏..‏ لقد تقطعت خيوط كثيرة بين مثقفي العالم العربي في السنوات الاخيرة امام واقع سياسي محبط وكئيب وامام معارك وانقسامات حادة في المواقف والافكار‏..‏ وامام مصالح تتفاوت حدتها بين المال والمناصب والعلاقة بالسلطة‏..‏ ولهذا كان انجازا كبيرا ان تري هذا العدد من المثقفين العرب باختلاف مواقعهم الفكرية في معرض فرانكفورت إن هذا التجمع في حد ذاته يمكن ان يكون بداية مرحلة اكثر تواصلا في الفكر والمواقف بين عقول هذه الامة‏.‏


ولاشك ان المشاركة العربية تركت اصداء واسعة في الاعلام الاوروبي وليس الاعلام الالماني وحده‏..‏ كان العرب حديث اوروبا كلها لمدة اسبوع كامل في الثقافة والسياسة والفنون‏..‏ وشاهد المواطن الالماني الفنون العربية واستمع الي وجهات نظر المفكرين العرب في قضايا كثيرة‏..‏ واستمع الي الشعراء العرب وهم يقرأون قصائدهم ولم تخل المشاركة العربية من حوارات صريحة وجادة حول مستقبل العلاقات بين العرب والغرب‏.‏






ولم يكن غريبا امام هذا كله ان تنشط الدوائر الصهيونية في اوروبا‏,‏ وان تنتقل بكل ثقلها الي المانيا لمواجهة هذا الزحف الحضاري والثقافي القادم للحوار مع الغرب‏..‏ لقد تسللت عناصر غريبة من الاسرائيليين الي الندوات‏.‏ وجاءت امام القضاء اتهامات بوجود كتب عربية في المعرض تعادي السامية‏..‏ وتأكدت السلطات القضائية والامنية الالمانية من كذب هذه الادعاءات‏..‏ وكانت هناك مخاوف من اعتداءات علي الاجنحة العربية تقوم بها عناصر يهودية‏..‏ ولكن قوات الامن الالمانية استطاعت ان تحمي الحدث الثقافي الكبير بكفاءة ونجاح‏.‏


كانت المشاركة العربية في معرض فرانكفورت اسبوعا كاملا من التفاعل والحوار والمكاشفة‏..‏ وربما كانت هذه أول فرصة يسمع فيها الغرب الاوروبي العالم العربي من خلال مثقفيه ومفكريه في حوار واضح وصريح‏..‏ لقد دارت احاديث كثيرة حول العلاقات بين الشعوب العربية والاسلامية والثقافة الغربية في اوقات سبقت كنا نتحدث عن الاخر ولا نواجهه‏..‏ وكانت هذه هي المرة الاولي التي نجلس فيها بلا محاذير أو مخاوف أو سوء ظن‏.‏






تحية الي عمرو موسي الرجل الذي قاد ببراعة هذا الانجاز الكبير في اكبر ضربة ثقافية تقوم بها الجامعة العربية منذ انشائها وحتي الآن‏..‏ وكان دور فاروق حسني فاعلا ومؤثرا علي كل المستويات‏..‏ وخلف هذا كله‏..‏ كان محمد غنيم وابراهيم المعلم‏..‏ وكتيبة كبيرة من الجنود المجهولين الذين كانوا وراء هذه المظاهرة الثقافية الرائعة‏.‏


سوف يقال كلام كثير عن بعض السلبيات في معرض فرانكفورت‏..‏ وسوف تظهر ايضا ايجابيات كثيرة لدي البعض الآخر‏..‏ ولكن الشئ المؤكد ان العالم العربي استطاع في هذه المناسبة ان يحصل علي فرصة نادرة لكي يسمعه الغرب‏..‏ وهذا في حد ذاته انجاز لاخلاف عليه‏.‏