Loading

الأحد، 17 يناير، 2010

ماذا يريدون لنا؟‏!‏

هوامش حرة



ماذا يريدون لنا؟‏!‏


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة








علي الرغم من أنني لا أحب كلمة اسمها‏'‏ التعصب‏'..‏ لأنه يتنافي مع رحابة الفكر وسماحة الحوار فإنني أضع نفسي في خندق‏'‏ المتعصبين‏'‏ للغة العربية الفصحي‏..‏ وليس ذلك رفضا للهجات العامية أو إنكارا لقيمتها ودورها‏..‏ ولكن لأن اللغة الفصحي هي آخر ما بقي من أطلال هذه الأمة ومن بقايا وجودها الثقافي‏..‏ وفي اليوم الذي يتكسر فيه هذا الحصن سوف نعلنها بأعلي أصواتنا‏'‏ قل علي العرب السلام‏'..‏


إن اللغة العربية هي السياج الذي ما زال يجمعنا علي مائدة كتاب جاد وحوار مثمر وقصيدة جميلة ومقال ممتع‏..‏ وفي اليوم الذي نتنكر فيه لهذا التراث العظيم سيكون ذلك بداية مرحلة جديدة من مراحل التحلل الثقافي بل التلاشي علي كل المستويات‏..‏






ولا يستطيع أحد أن ينكر أهمية العامية المصرية التي اجتاحت العالم العربي وجمعت بين شعوبه من خلال الغناء الجميل والمسرح الهادف والسينما الراقية‏..‏ لا يستطيع أحد أن يتجاهل أو يرفض النماذج الرفيعة في اللهجة العامية‏..‏ فما زلنا نعيش علي صدي أغنيات رامي التي شدت بها سيدة الغناء العربي وهي صفحة من أروع صفحات التلاقي بين الكلمة الجميلة واللحن الساحر والصوت العبقري‏.‏ لا أستطيع أن أنسي كلمات بيرم التونسي ومأمون الشناوي ومرسي جميل عزيز وحسين السيد وصلاح جاهين وعبدالوهاب محمد وفؤاد حداد والأبنودي‏..‏ كل هؤلاء وغيرهم صاغوا وجدان هذه الأمة بالكلمة الجميلة كما صاغتها أشعار شوقي وحافظ ومحمود حسن إسماعيل وصلاح عبدالصبور ونزار قباني وجبران وإيليا أبو ماضي وناجي وعلي محمود طه والشابي‏..‏ وغيرهم‏..‏


ولن ننسي أيضا العامية الجميلة في المسرحيات وأفلام السينما وحوارات الكتاب والمبدعين‏..‏ لانستطيع أبدا أن نسقط العامية كركن من أركان لغتنا حتي وإن دافعنا بقوة وإصرار عن اللغة العربية الفصحي‏..‏






والغريب أننا الآن نسمع قصصا عجيبة عن اتجاه المؤسسات التعليمية في مصر إلي تدريس اللهجة العامية للتلاميذ في المدارس‏..‏ ولا أدري ما هو الهدف من هذا التوجه المريب والغريب‏..‏ وماذا يعني ذلك ؟ هل سيتم تدريس المناهج الدراسية بالعامية‏..‏ ؟‏.‏ بمعني أن يكتب المؤلفون كتب التاريخ أو الجغرافيا أو الفلسفة وعلم النفس باللهجة العامية‏!..‏ أم أن ذلك يعني تدريس نماذج من اللهجة العامية في الأغاني والأزجال‏..‏ وعلي أي أساس سيكون ذلك ؟‏..‏ والسؤال الأهم‏:‏ لماذا يحدث ذلك الآن ؟‏..‏ وهل يدخل في نطاق سلسلة التطوير التي يتحدث عنها البعض مثل تطوير الخطاب الثقافي‏..‏ والخطاب الديني‏..‏ واستبدال مادة الدين في المدارس بمادة أخري تسمي الأخلاق‏..‏ ولماذا كل هذه السلسلة من الإجراءات المتشابهة في الهدف والغاية ؟‏..‏


بداية‏..‏ أنا لا أتصور تدريس المناهج التعليمية باللهجة العامية‏..‏ وليس باللغة العامية كما يشيع البعض‏..‏ فليس هناك ما يسمي اللغة العامية‏..‏ لأن اللغة العربية لغة واحدة‏..‏ واللهجات العامية قضية أخري‏..‏ فكيف يمكن للطالب أن يقرأ الدروس بالعامية‏..‏ ولماذا هذا الفصل التعسفي الجائر بين الطلبة ولغتهم الفصحي‏..‏ وإذا كان الطالب سيدرس بالعامية فمتي سيتعلم الفصحي‏!..‏






وإذا كان الهدف هو تدريس نماذج في الغناء أو المسرح‏..‏ أو السينما‏..‏ فما هي هذه النماذج‏!..‏ وهل يدرس الطالب أغنيات رامي‏!..‏ أم أغنيات الفيديو كليب العارية جسدا وكلاما ؟‏..‏ وهل يمكن أن يأتي يوم ونقرأ سؤالا في الامتحان عن أغنية من أغاني المطربات العاريات اللاتي يعف القلم عن ذكر أسمائهن؟‏!..‏


أما أغرب الأشياء الآن فهو ذلك الانحطاط الرهيب في مستوي اللهجة العامية في الغناء والسينما والمسرح‏,‏ حتي مستوي الحوار بين الناس في الشارع وصل إلي حالة مخيفة من التدني والإسفاف‏..‏ وفي كثير من الصحف الآن مقالات وتحقيقات باللهجة العامية‏..‏ وهناك قصص وروايات كاملة باللهجة العامية‏..‏ وهناك أيضا المستوي الهابط في الحوار في السينما والمسرح‏..‏ فهل وصل بنا الحال إلي السعي لتدريس ذلك كله في مدارسنا‏!‏ علي الرغم من أنهم يتعرضون كل يوم لعشرات الدروس من هذه اللغة الهابطة في التليفزيون والشارع والمدرسة والصحيفة‏..‏ حتي أئمة المساجد يستخدمون الأساليب نفسها‏..‏إن ذلك يعني انقطاع كل وسائل التواصل بين الأجيال الجديدة ولغتها العربية الفصحي‏..‏ وسوف يجيء يوم لا تجد فيه شخصا واحدا يستطيع أن يقيم جملة عربية سليمة‏..‏






إن ذلك يعني أيضا تشجيعا صارخا لحالة التردي التي وصلت إليها لغة الحوار في الشارع والسينما والمسرح وأغاني الفيديو كليب‏..‏ وفي الأعوام الأخيرة ظهرت عشرات الأغاني التي انتشرت كالسموم بين أطفالنا‏..‏ وهناك مجموعة من المؤلفين المتربصين بأذواق هذه الأمة ينتظرون لحظة النهاية‏..‏ نهاية كل كلمة جميلة‏..‏ وكل حوار رفيع‏..‏


إن ذلك يعني أن تقوم كل عاصمة عربية بتدريس مناهجها للتلاميذ باللهجة العامية‏..‏ وهنا سوف تظهر في العالم العربي أجيال لا تعرف من اللغة شيئا غير تلك اللهجات التي لا يفهمها أحد غير أصحابها‏..‏ وبذلك تنقطع كل الجسور‏..‏ وتنتهي كل الثوابت‏..‏






إن ذلك يعني أن تدخل اللغة العربية الفصحي متاحف التاريخ مثل كل اللغات المنقرضة وتتحول الدول العربية إلي جزر صغيرة تتناثر في الفضاء الفسيح بلا حوار أو فهم أو تواصل‏..‏


إن ذلك يعني أن التلاميذ الذين سيتخرجون في المدارس والجامعات بهذه الطريقة وهذه الأساليب سوف يكتبون كل شيء باللهجة التي تعلموا بها‏..‏ وهنا ستجد كل المبدعين الجدد لا يعرفون شيئا من اللغة الفصحي‏..‏ فتنتهي فنون عريقة مثل الشعر‏..‏ وتجد كل أجهزة الإعلام وهي تتحدث لهجات لا يفهمها أحد‏..‏






وهنا سوف نجد أمامنا كيانا ضخما ينهار في كل شيء اسمه‏'‏ الثقافة العربية‏'‏ فلا توجد ثقافة عربية دون اللغة‏..‏ وفي الوقت الذي تتحلل فيه عناصر اللغة وتفقد مقوماتها سوف تسقط معها ثقافتنا بكل ثوابتها وجذورها‏..‏


فهل سيأتي يوم يطلب فيه المدرس من التلميذ أن يستبدل موضوع الإنشاء من اللغة الفصحي ليكتبه باللهجة العامية‏..‏ وهل سيدرس التلاميذ في مدارسنا حصص النصوص والبلاغة والأدب باللهجة العامية‏..‏ وهل يأتي سؤال في أغنية‏'‏ احنا اللي دهنا الهوا دوكو‏'‏ بدلا من قصيدة حافظ إبراهيم‏'‏ وقف الخلق ينظرون جميعا‏...'..‏ وهل نستبدل‏'‏ الأطلال‏'‏ بـ‏'‏ كمننا‏'..‏ ونقرأ نشرة الأخبار بالعامية‏..‏ ونسمع خطب الجمعة علي منابرنا كما نسمع الحوار في وكالة البلح‏..‏






إذا حدث ذلك‏-‏ كما يتردد الآن‏-‏ فسوف يترك التلاميذ كل ما له علاقة باللغة الفصحي سواء في كتب التاريخ أو المواد الدراسية الأخري‏..‏ وهذا يعني إفسادا كاملا للعملية التعليمية ومستقبل الأجيال المقبلة‏..‏


إننا لا نريد طرح أفكار غريبة تحت دعاوي التطوير ويجب أن يخضع كل شيء للدراسة قبل أن يجرفنا الطوفان‏..‏ ولهذا فإن الفرق كبير جدا بين دعوات تسعي إلي تطوير اللغة العربية الفصحي ودعوات أخري تسعي إلي هدمها‏..‏ إن تبسيط اللغة الفصحي دعوة مشروعة‏,‏ ولكن تدريس المناهج بالعامية دعوة خبيثة وتنقصها الشفافية‏..‏






إن الأخطر من ذلك كله أن نجد أنفسنا أمام الأمر الواقع حيث يتركنا المسئولون نقول ما نريد‏..‏ ثم بعد ذلك يفعلون ما يريدون‏..‏ إن أي عبث في اللغة تحت شعار‏'‏ التطوير‏'‏ يمكن أن يؤدي إلي كارثة خاصة إذا كانت النيات غير مخلصة والأهداف غير أمينة‏..‏


إن السنوات الأولي في مراحل التعليم هي التي تشكل العلاقة العميقة بين الأجيال الجديدة ولغتها العربية وإذا ضاعت هذه المراحل في عمليات تجريب غير واعية فقد تصل بنا إلي أجيال لا علاقة لها باللغة العربية من قريب أو بعيد‏..‏






وإذا أردت أن تعرف مستوي اللغة العربية بين الأجيال الجديدة فحاول أن تسمع لغة الحوار بينهم لأنهم يأكلون نصف الكلمات ويتحدثون بسرعة غريبة فلا تفهم منهم شيئا‏..‏


من وقت لآخر نشاهد بالونة كبيرة تنطلق في السماء‏..‏تحت شعارات التطوير والمعاصرة والحداثة‏..‏ وليس بيننا من يرفض ذلك كله لأننا لا نريد أن نعيش خارج الزمن‏..‏ ولكن يجب أن نعيش هذا الزمن دون أن نفرط في هويتنا‏..‏ وهل هناك كارثة أكبر من أن نفرط في أهم ثوابتنا‏..‏ وهي اللغة‏..‏






وأنا علي يقين من أن وزير التربية والتعليم د‏.‏ أحمد جمال الدين وهو صديق عزيز لا يمكن أن يسمح بطرح مثل هذه المهاترات الغريبة في عمليات التطوير سواء كانت تحت شعار التعليم أو الثقافة أو اللغة العربية‏..‏ لا أحد منا يرفض السعي إلي تطوير مناهج اللغة العربية وأساليب تدريسها‏..‏ ولكن أن تكون العامية بديلا لها فهذه جناية كبري‏..‏ ولا أدري ما هو سبب إطلاق كل هذه الزوابع‏!..‏


مادة الأخلاق بدلا من مادة الدين‏..‏


توحيد الأذان في كل أرجاء المحروسة صوتا وتوقيتا‏..‏






الاتجاه إلي استخدام اللغة العامية في المدارس‏..‏


هجمات ضارية علي اللغة العربية الفصحي‏..‏






ماذا تريدون لنا‏..‏ سؤال يبحث عن إجابة‏..!..‏