Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

الإبداع العربي‏..‏ واستجداء الآخر


هوامش حرة



الإبداع العربي‏..‏ واستجداء الآخر


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة







لا أعتقد أن العرب ذهبوا إلي فرانكفورت ليقدموا لهم ثقافة ترتدي المايوه والقبعة‏..‏ لأن ذلك يعني أنهم سيقولون لنا هذه بضاعتنا ردت إلينا‏..‏ مهما كانت تجاوزات الكتاب والمبدعين العرب في فتح أبواب الحرية في الكتابة حتي وصلت إلي درجات العري إلا أن هذه التجاوزات لن تصل إلي ما وصل إليه الغرب‏..‏



ومهما كانت الجرأة بل و‏'‏البجاحة‏'‏ في طرح القضايا الاجتماعية فإنها ستبدو هزيلة أمام إبداعات تجاوزت كل الحدود والتقاليد والأعراف‏..‏ ولهذا كانت هناك نماذج غريبة في الكتابة صدمت الكثيرين من العرب وأنا واحد منهم‏.‏


كان شيئا غريبا أن تكون هناك قراءات في القصة العربية تلاها بعض المبدعين العرب تشعرك أنك في أحياء البغاء في أوروبا مثل السوهو والبيجال‏..‏ هناك نماذج لا أستطيع الآن أن أسطرها علي الورق لأنها اخترقت كل أسقف الأديان والتقاليد‏..‏



كاتب وروائي تونسي حاصل علي أعلي الجوائز الأدبية في بلده يقرأ فصلا من روايته‏..‏ في مشهد من المشاهد يحكي قصة أب يتحرش جنسيا بابنه الذي لم يتجاوز عمره السنوات الثلاث‏..‏ بينما هناك كاتب تونسي آخر يقدم صورة رجل عجوز في السبعين من عمره وهو يجلس وسط مجموعة أصدقاء يحلقون أماكن حساسة في أجسامهم في لغة فجة عارية عري صاحبها‏..‏ وفي مشهد آخر يسخر الكاتب من قول الرسول عليه الصلاة والسلام‏'‏ تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة‏'..‏ ويجعل من الحديث الشريف نكتة في سياق روايته وفي مشهد قبيح لا يتناسب مع قدسية حديث شريف‏.‏



وفي رواية لإحدي الكاتبات تصوير بشع لعلاقات جنسية غريبة وشاذة وفي أكثر من ندوة وأكثر من قراءة غلب هذا الشطط ووجدنا أنفسنا أمام كتابات لا يمكن أن تكون عربية ولكنها استنساخ رديء لكتابات غربية‏.‏



وما حدث مع الرواية والقصة حدث أيضا مع عدد كبير من الشعراء الذين قدموا أنواعا غريبة من الشعر أو ما يسمي‏'‏ قصيدة النثر‏'‏ حيث لا إيقاع ولا صورة ولا لغة‏..‏ إنها كلمات تلتحم بكلمات أخري بلا معني ولا هدف‏..‏ وللأسف الشديد إن هذا النوع من الكتابة النثرية الركيكة الذي يسمي قصيدة نثر كان هو الأغلب ولهذا لم يتجاوب معه أحد ابتداء بالجمهور العربي‏..‏ وانتهاء بالمستمع الألماني‏..‏


في جانب آخر كان بعض أصحاب الفكر يطرحون آراء وقضايا تخدم أفكارا غريبة تجاه قضايا مهمة في الدين والسياسة والأخلاق حتي إن البعض منهم أرجع كل أسباب التخلف العربي والإسلامي إلي ديننا الحنيف إرضاء للغرب وتسولا لرضاه السامي‏.‏


من خلال ما أثير من قضايا في أيام المشاركة العربية في فرانكفورت ظهرت علي السطح ثلاث قضايا أساسية‏:‏



أولا‏:‏ أن الغرب لم يستطع حتي الآن أن يفهم حقيقة الدين الإسلامي وأن المسافة كبيرة جدا بين الفهم الغربي للإسلام وحقيقة هذا الدين الحنيف‏..‏ إنهم يتوقفون كثيرا عند الفتوحات الإسلامية‏..‏ وأنها فرضت الإسلام بقوة السلاح‏..‏ ويتوقفون كثيرا عند قضية الاستشهاد والجهاد في الإسلام‏..‏ ويحاولون الربط بين الإسلام والعنف‏..‏ وبعدهما الإرهاب‏..‏


وتستند هذه الآراء إلي العمليات الاستشهادية في العراق وفلسطين‏..‏ وما يحدث من قتل للرهائن‏..‏ وكان من الضروري أن يقال لهم صراحة إن الإسلام في حقيقته دين تسامح ومحبة وإن الاحتلال الأجنبي واستباحة الأرض والعرض والوطن لا يمكن أن يواجهها إلا الدفاع عن النفس‏..‏ وإن الشهادة في الإسلام دفاع عن الأرض ولا توجد شهادة في عدوان‏..‏ وليس هذا مقصورا علي المسلمين فحسب ولكن كل شعوب العالم تدافع عن أرضها وترابها الوطني‏..‏ وإن الاستعمار الغربي هو الذي استباح مقدرات الشعوب العربية والإسلامية‏.‏



ثانيا‏:‏ أن الغرب يري الآن‏-‏ بكل الصراحة والوضوح‏-‏ أن العالم الإسلامي لابد أن يغير نفسه حتي يصبح جزءا من النسيج الحضاري المعاصر‏..‏ ولهذا يجب أن يتخلص من كل شيء يمنعه من ذلك وأن المطلوب من المسلمين أن يغيروا سلوكياتهم وأخلاقياتهم بل وعقيدتهم بما في ذلك النصوص والشرائع التي تمنعهم من اللحاق بالعصر‏..‏ وإذا لم يحدث هذا التغيير فيجب أن يحاصروا في بلادهم حتي إشعار آخر وحتي تلحق هذه الشعوب بركب العولمة إذا أرادت ذلك‏.‏



وهنا كان الرد بأن الحضارات تختلف وأن سلوكيات الشعوب تعتبر من ثوابتها وأن هناك دولا أخري تحرص علي هذه الثوابت مثل الصين والهند ولم يتدخل الغرب في شئونها‏..‏ لماذا لم يطالب الغرب الحضارات الأخري بأن تخلع أثوابها وترتدي ثوب العولمة كما يفعل معنا‏!.‏

 
وكان من الضروري تأكيد أن النسيج الحضاري والأخلاقي للدول العربية يخصها وحدها حسب تقاليدها وظروفها التاريخية والاجتماعية‏..‏ وأن هناك أساسيات تحرص عليها هذه الشعوب مثل نظام الأسرة‏..‏ والعلاقات الاجتماعية‏..‏ وأن السلوكيات الغربية لا تتناسب في بعض مظاهرها مع الإنسان العربي‏..‏ وأن العرب والمسلمين لا يرفضون الحضارة الحديثة في كل أشكالها ولكنهم يرفضون بعض السلوكيات الغريبة والشاذة التي لا يمكن أن تكون بديلا عن واقع اجتماعي وإنساني صنعته العقائد والأخلاق والقيم عبر آلاف السنين‏..‏



ثالثا‏:‏ أن الغرب يشجع كل ما من شأنه أن يشارك في خلخلة النظم الاجتماعية والعقائد الدينية في العالم العربي ابتداء بالمفكرين والمبدعين الذين يجدون في الغرب النموذج الأفضل وانتهاء بمحاولات التشويه التي تقوم علي برامج محددة في الإعلام والفكر والثقافة‏.‏

 
وهنا جاء دور هؤلاء المبدعين العرب الذين تشبعوا‏-‏ عن قصد‏-‏ بكل التجارب الغربية في الإبداع والسلوك وتحملوا أمام المؤسسات الغربية مسئولية نشرها وترويجها والدفاع عنها‏..‏


ومن هنا كانت تلك النماذج الكثيرة التي قدمها عدد من المبدعين العرب في احتفالية المشاركة العربية في معرض فرانكفورت‏..‏ ولهذا بدا الإبداع العربي الحقيقي شاحبا بل غائبا أمام صيحات الجسد‏..‏ والكتابات العارية‏..‏ وهذه السخرية المرة من كل التراث العربي تاريخا وحضارة ودينا ودورا‏.‏



لم نكن في حاجة إلي أن نقدم هذه الوليمة الغريبة علي موائد الغرب لأنهم يعرفون هذه الكتابات وهي ليست غريبة عليهم‏..‏ ولا أدري هل كانت الاختيارات مقصودة عندما غلبت هذه الأنواع من الإبداع علي معظم المشاركين في الندوات وأن الاختيارات الحكومية الرسمية كانت حريصة علي وجود هذه الألوان من الإبداع إما توجها أو استرضاء أو غزلا مع الآخر‏..‏ ولا شك في أن فريق الحواريين من أكثر الأطراف التي تسيء لنا وتشوه العلاقة بيننا وبين الغرب لأنهم أصحاب مصالح‏..‏ والتواصل يحتاج إلي أصحاب فكر‏..‏


لقد قرأ المواطن الألماني وسمع نماذج للإبداع العربي هي الأقرب إلي الذوق والرؤي الغربية‏..‏ وغابت تقريبا‏-‏ إلا في حالات محدودة‏-‏ النماذج الإبداعية العربية التي تحسب علي الثقافة العربية‏..‏






وليس معني ذلك أن نغلق أبواب التواصل أو التأثر بالإبداعات الغربية لأن ذلك أمر مستحيل ومرفوض ولكن ينبغي أن نتأثر بالجوانب الإيجابية في التحليل النفسي‏..‏ ولغة الحوار‏..‏ ورسم الشخصيات‏..‏ والعمق الفني‏..‏ والبساطة والصدق في الإبداع‏..‏






أما الإسراف في لغة الجسد‏..‏ والبجاحة في التناول بل والوقاحة في التشخيص والسخرية من الأديان‏..‏ كل هذه الجوانب لا تصنع إبداعا جميلا خاصة إذا خلا من عناصر الفن الحقيقي‏..‏ كانت كتابات بعض المبدعين العرب في القصة والرواية والشعر






صدمة كبري لأنها تجاوزت الخطوط الحمراء ودخلت في مناطق أخري لا يمكن أن تحسب علي الفن الجميل‏..‏






كنت أتمني أن نجد في ساحات معرض فرانكفورت أصواتا عربية خالصة لا زيف فيها ولا ادعاء ولا مجرد رغبة في إرضاء الآخر‏..‏ إن هذا الآخر مهما كانت رغبته في التشويه يريد أن يسمع أصواتنا الحقيقية ويري صورنا بلا رتوش أو عمليات تجميل أو دعاوي كاذبة‏..‏ إنه يريد أن يرانا علي حقيقتنا‏..‏ ولو أن نجيب محفوظ اتبع هذه الأساليب في كتابته لما حصل علي جائزة نوبل‏..‏ لأنه كان يكتب وعينه علي الأرض التي خرج منها والوطن الذي عاش فيه‏..‏ أما هؤلاء الذين يرقصون علي الحبال ويكتبون للغرب ما يريد ويقولون له ما يحب أن يسمع‏..‏ هم مجرد أدوات يستخدمها في لحظة تاريخية قاسية‏..‏ وبعد أن يفرغ من أهدافه لن يحتاج إليهم‏..‏ ونكون نحن قد خسرنا فريقا كبيرا من مبدعينا أخطأ في الحسابات‏..‏






ينبغي ألا نقف بعيدا ونحن نتحاور مع الغرب‏..‏ بل يجب أن نذهب إليه‏..‏ وأن نقتحم عقله كما يقتحم عقولنا‏..‏ وأن نحاوره علي أرضه وأن نفرض عليه أن ينسي لغة التعالي القديمة بعيدا عن الوصاية والهيمنة‏..‏ إننا كأمة نعيش ظروفا تاريخية صعبة‏..‏ وهناك مشكلات وأزمات تواجهنا ولكن المؤكد أن المشكلات لم تعد تخصنا وحدنا وأن الخلافات ليست من نصيبنا فقط ولكنها تخص العالم كله‏..‏ ولهذا يجب أن تكون لدينا شجاعة المواجهة بالحقيقة والإقناع وألا نلجأ إلي أساليب التسول والاستجداء لأنها لا تتناسب مع أمة صاحبة دور وتاريخ وحضارة‏..‏