Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

الساحل الشمالي‏..‏ وقضايا الاستثمار

هوامش حرة



الساحل الشمالي‏..‏ وقضايا الاستثمار


يكتبها‏:‏ فــاروق جــويــدة







لا أعتقد أن في العالم كله شاطئا أجمل من الساحل الشمالي الذي يمتد من الإسكندرية إلي مدينة مطروح بمسافة تقترب من‏400‏ كيلو متر هي في حقيقتها ثروة طبيعية لا تقدر بثمن‏..‏ إن المياه التركوازية التي تتدفق علي امتداد هذا الساحل الطويل لا تجد لها شبيها في أي مكان في العالم وإذا لاح أمامك هذا اللون في شاطئ ما فهو لا يتجاوز حدود الأميال القليلة كما هو الحال في شواطئ جنوب فرنسا‏..‏


وقد اختلف الناس في تقويمهم لمشروعات الساحل الشمالي من القري السياحية التي أكلت معظم الشواطئ‏..‏ فهناك من يري فيها مشروعا عبقريا بكل المقاييس‏..‏ وهناك من يري فيها استنزافا لثروة قومية لم نستطع استثمارها بطريقة سليمة حتي الآن‏.‏






الرأي الأول يري أننا خرجنا بهذا الشريط الطويل من عمق الصحراء وتحول إلي واحد من أكبر المصايف في العالم حيث يتجه إليه كل عام ملايين المصطافين‏.‏


هناك الرأي الآخر الذي يري أن هذا الامتداد ينبغي أن يتحول إلي نشاط اقتصادي استثماري كبير وليس مجرد شهور قليلة لأعداد قليلة من البشر يقضون فيه شهور الصيف‏..‏






وفي الفترة الأخيرة قرأت أكثر من حديث حول الساحل الشمالي ما بين رئيس الحكومة الجديد د‏.‏ نظيف ووزير السياحة الجديد أحمد المغربي ثم أكد ذلك اللواء محمد عبد السلام المحجوب محافظ الإسكندرية‏.‏


ولا شك في أن قضية الساحل الشمالي تحتاج إلي مناقشة موضوعية لأننا أمام كيان اقتصادي وعقاري ضخم يحتاج إلي خطة لترشيده بحيث يتحول إلي مورد دائم من موارد مصر الاقتصادية‏.‏






وحتي لا أكون متجنيا علي أحد فإن هذا التوسع العمراني الكبير قامت به أكثر من وزارة وتحمل أعباءه أكثر من وزير ابتداء بالمهندس حسب الله الكفراوي وانتهاء بالدكتور محمد إبراهيم سليمان‏..‏ هذا المشروع شارك في أكبر عملية إنشاءات عقارية شهدتها مصر في عصرها الحديث‏..‏ لا توجد بقعة في الأرض المصرية شهدت هذا الكم من الامتداد العمراني خلال الأعوام العشرين التي هي عمر الساحل الشمالي‏..‏


وهذا المشروع استوعب أكثر من‏3‏ ملايين مواطن يذهبون إليه كل عام في شهور الصيف‏..‏ وهذا المشروع شارك في إنعاش هذه المنطقة التي كان معظم النشاط البشري فيها لا يتجاوز زراعة أشجار التين والزيتون ورعي الغنم والإبل والماشية‏..‏ ولا يستطيع أحد أن ينكر أن هذه المشروعات فتحت أبوابا كثيرة للعمالة المصرية خاصة في عمليات البناء‏..‏ هذه كلها إيجابيات لا ينكرها أحد ولكن في المقابل هناك مجموعة سلبيات تحتاج إلي مراجعة سريعة حتي نضع هذه المنطقة علي الطريق السليم كمورد من مواردنا الاقتصادية المهمة‏..‏






إن هذا المشروع بضخامة منشآته العقارية ومئات القري السياحية‏..‏ ومئات الآلاف من الفيلات والعمارات والقصور استنزف جزءا كبيرا من مواردنا دون أن يتحقق من ذلك عائد اقتصادي مناسب‏..‏ بل إنه تحول إلي عملية مضاربات عقارية وتجارة في الأراضي دون أن يترك أثرا إيجابيا علي الاقتصاد القومي‏.‏


إن الساحل الشمالي امتص مدخرات المصريين طوال ربع قرن من الزمان تدخل في ذلك الإطار مدخرات المصريين العاملين في الخارج الذين وجهوا كل ما يملكون لشراء فيلا أو شقة أو شاليها‏..‏






ولا يعقل أن يدفع إنسان سنوات غربته في مشروع لا يحقق له أي عائد اقتصادي بأي صورة من الصور‏..‏ لو أننا تصورنا أن مدخرات المصريين في الخارج تبلغ سنويا ثلاثة بلايين دولار فإن حصيلتها في عشرين عاما تبلغ‏60‏ مليار دولار‏..‏ وأن‏30‏ مليار دولار منها ذهبت في صحراء الساحل الشمالي‏..‏ وبقية الشواطئ في الغردقة وشرم الشيخ وغيرها من الأماكن‏..‏


تأتي في هذا السياق أيضا مدخرات فئات أخري من أبناء الطبقة الجديدة سواء كانوا من رجال الأعمال أو الحرفيين‏..‏ ولو أن هؤلاء أنفقوا في الساحل الشمالي ما أنفقه المصريون العاملون في الخارج فنحن أمام رقم رهيب يتجاوز‏200‏ مليار جنيه في عشرين عاما‏..‏ وفي تقديري أن هذا الرقم كان قادرا علي مواجهة مشكلة البطالة في مصر لو تم استخدامه بطريقة اقتصادية سليمة‏.‏






وبجانب هذا لا نستطيع أن ننكر أن الساحل الشمالي قد عمق الانقسام الطبقي في مصر وهذه حقيقة لابد أن نعترف بها‏..‏ والمقصود هنا ليست مجموعات الشاليهات والعمارات الخاصة بشريحة من المجتمع ولكنها تلك المجموعات التي أقامت ومارست كل ألوان السفه في السلوك في مارينا وغيرها واستطاعت أن تقلب الهرم الاجتماعي في مصر وتطيح تماما بالطبقة المتوسطة التي كانت يوما ما العماد الفكري والثقافي والإنساني للمجتمع المصري‏..‏ لا شك في أن عمليات الاستفزاز التي مارستها قلة غنية لم تكن علي مستوي المسئولية الاجتماعية والحضارية قد أساءت بشكل أو بآخر لكل القادرين من أبناء هذا المجتمع خاصة هؤلاء الذين وصلوا بطرق مشروعة إلي مكانة اجتماعية واقتصادية يستحقونها‏..‏ هناك من جمعوا أموالا كثيرة بطرق تنقصها الشفافية والأمانة‏.‏


وقد انعكس هذا الخلل الاجتماعي علي أبناء المنطقة الذين عاشوا حياتهم في الساحل الشمالي ما بين الرعي والزراعة ووجدوا أنفسهم بين يوم وليلة يقفون في الصحراء بعيدا يشاهدون مياه البحر الذي كان لهم يوما حقوق فيه وقد فصلهم عنه تماما واقع اجتماعي بغيض وشرس‏.‏






من جانب آخر فإن ميزانية الدولة قد تحملت مئات الملايين من الجنيهات من أجل توفير المرافق الضرورية في هذه المنطقة دون أن تسترد جزءا من هذه الأموال‏..‏


والأمر الغريب أن تجد ثلاثة ملايين مواطن في مكان واحد خلال شهرين من العام وبعد ذلك يتوقف كل شيء‏..‏ تتوقف الحياة‏..‏ وتتوقف المرافق‏..‏ وتتوقف جميع الأنشطة الاقتصادية‏..‏ ملايين من خطوط التليفون التي لا تعمل‏..‏ وعشرات الآلاف من العقارات المغلقة‏..‏ وعشرات من محطات المياه المتوقفة عن العمل‏..‏ وعشرات من محولات الكهرباء المظلمة‏..‏ هذا بجانب مئات الكافيتريات والمطاعم والمحلات والبنوك‏..‏ كيف يتوقف النشاط الاقتصادي بالكامل في منطقة بكل هذا الثراء عشرة أشهر في السنة‏..‏ ولا تعمل إلا شهرين هما يوليو وأغسطس‏..‏ كم تكلفت الطرق التي وصلت إلي الساحل الشمالي‏!‏ وكم تكلفت شبكة التليفونات‏..‏ وشبكة الكهرباء‏..‏ وشبكة المياه‏..‏ والمجاري‏!‏ وكيف تغلق كل هذه المرافق ما بقي من العام‏..‏ لقد تكلفت هذه المشروعات بلايين الجنيهات وينبغي أن تعمل حتي تسترد الحكومة منها ما دفعته فيها‏..‏ هذا بجانب أن توقف هذه الخدمات بالكامل لمدة زمنية طويلة يترك أثرا سيئا علي عمرها الافتراضي‏..‏






والمشكلة الآن أننا أمام واقع اقتصادي وعقاري ضخم وأننا أمام كتلة من المنشآت يصعب تعويضها أو التفريط فيها أو إهمالها بأي صورة من الصور‏..‏ ولا يعقل أن تبقي هكذا عشرة أشهر كاملة ما بين رياح البحر ورمال الصحراء‏..‏ إن في ذلك إهدارا لثروتنا ومدخراتنا‏..‏ وضياعا لفرص كبيرة في العمل والاستثمار وزيادة الدخل‏..‏ ولا يعقل أبدا أن نترك أكثر من‏150‏ كيلو مترا من القصور والفيلات والعمارات والشاليهات و المرافق عشرة أشهر كاملة بلا عمل‏..‏ الواقع يقول إننا لا نتحمل مثل هذه الرفاهية ونحن أمام أعباء اقتصادية ضخمة ودولة تحاول أن توازن ميزانيتها من هنا أو هناك وملايين المواطنين الذين لا يجدون عملا أو دخلا أو حياة كريمة‏..‏


إن هذا الشريط الذي يمتد علي سواحل مصر الشمالية يمكن أن يصبح واحدا من أهم وأسرع مصادر الدخل في بلادنا‏..‏ وهنا يمكن أن نفتح آلاف الأبواب لشباب لا يعمل‏..‏ ومن حق الدولة بل من واجبها أن تحصل علي العائد المناسب لآلاف الملايين التي أنفقتها في توفير البنية الأساسية لهذه المنطقة من الصحراء‏..‏






إن المطلوب الآن أن يدخل الساحل الشمالي دائرة الاستثمار الاقتصادي السليم‏..‏ وفي هذه البقعة من الأرض المصرية كل عناصر الاستثمار الناجح من حيث المرافق‏..‏ والموقع‏..‏ والطبيعة‏..‏ والإمكانات العقارية والمنشآت‏..‏ كل ما هو مطلوب فكر جريء‏..‏ وإرادة حقيقية حتي لا يتكدس ثلاثة ملايين مواطن شهرين من العام ثم يتركون الشاطئ الجميل بعد ذلك للرياح والرمال‏..‏