Loading

الخميس، 29 يناير، 2009

جاء السحاب بلا مطر

مازال يركض بين أعماقى

جواد جامح..

سجنوه يوما فى دروب المستحيل

ما بين أحلام الليالى

كان يجرى كل يوم ألف ميل

وتكسرت أقدامه الخضراء

وانشطرت خيوط الصبح فى عينيه واختنق الصهيل

من يومها ...

وقوافل الأحزان ترتع فى ربوعى

والدماء الخضر فى صمت تسيل

من يومها....

والضوء يرحل عن عيونى

والنخيل الشامخ المقهور

فى فزع يئن .. ولا يميل

ما زالت الأشباح

تسكر من دماء النيل

فلتخبرينى كيف يأتى الصبح

والزمن الجميل

فأنا وأنت سحابتان تحلقان

على ثرى وطن بخيل

من أين يأتى الحلم

والأشباح ترتع حولنا

وتغوص فى دمنا

سهام البطش .. والقهر الطويل

من أين يأتى الصبح

والليل الكئيب على نزيف عيوننا

يهوى التسكع .. والرحيل

من أين يأتى الفجر

والجلاد فى غرف الصغار

يعلم الأطفال

من سيكون منهم قاتل

ومن القتيل

لا تسألينى الآن عن زمن جميل

أنا لا أحب الحزن

لكن كل أحزانى جراح

أرهقت قلبى العليل

ما بين حلم خاننى

ضاعت أغانى الحب

وانطفأت شموس العمر

وانتحر الأصيل

لكنه قدرى

بأن أحيا على الأطلال

أرسم فى سواد الليل

قنديلا وفجرا شاحبا

يتوكآن على بقايا العمر

والجسد الهزيل

إنى أحبك

كلما تاهت خيوط الضوء عن عينى

أرى فيك الدليل

إنى أحبك

لا تكونى ليلة عذراء

نامت فى ضلوعى

ثم شردها الرحيل

إنى أحبك

لا تكونى مثل كل الناس

عهدا زائفا

أو نجمة ضلت وتبحث عن سبيل

داويت أحزان القلوب

غرست فى وجه الصحارى

ألف بستان ظليل

والآن جئتك خائفا

نفس الوجوه

تعود مثل السوس

تنخر فى عظام النيل

نفس الوجوه

تطل من خلف النوافذ

تنعق الغربان .. يرتفع العويل

نفس الوجوه

على الموائد تأكل الجسد النحيل

نفس الوجوه

تطل فوق الشاشة السوداء

تنشر سمها

ودماؤنا فى نشوة الأفراح

من فمها تسيل

نفس الوجوه

الآن تقتحم العيون

كأنها الكابوس فى حلم ثقيل

نفس الوجوه

تعون كالجرزان تجرى خلفنا

وأمامنا الجلاد .. والليل الطويل

لا تسألينى الآن عن زمن جميل

أنا لا ألوم الصبح

إن ولى وودع أرضنا

فالصبح لا يرضى هوان العيش

فى وطن ذليل

أنا لا ألوم النار إن هدأت

وصارت نخوة عرجاء

فى جسد عليل

أنا لا ألوم النهر

إن جفت شواطئة

وأجدب زرعه

وتكسرت كالضوء في عينيه

أعناق النخيل

مادامت الأشباح تسكر

من دماء النيل

فلا تسألينى الآن

عن زمن جميل

الأربعاء، 28 يناير، 2009

تمهل قليلا.. فإنك يوم

تمهل قليلا فإنك يوم

ومهما أطلت وقام المزار

ستشطرنا خلف شمس الغروب

وترحل بين دموع النهار

وتترك فينا فراغا وصمتا

وتلقي بنا فوق هذا الجدار

وتشتاق كالناس ضيفا جديدا

وينهي الرواية.. صمت الستار

وتنسى قلوبا رأت فيك حلما

فهل كل حلمٍ ضياءٌ... ونار

ترفق قليلا ولا تنس أني

أتيت إليك وبعضي دمار

لأني انتظرتك عمرا طويلا

فتشت عنك خبايا البحار

وغيرت لوني وأوصاف وجهي

لبست قناع المنى المستعار

وجئت إليك بخوف قديم
لألقاك قبل رحيل القطار
* * *
تمهل قليلا..

ودعني أسافر في مقلتيها

وأمحو عن القلب بعض الذنوب

لقد عشت عمرا ثقيل الخطايا

وجئت بعشي وخوفي أتوب

ظلال من الوهم قد ضيعتنا
وألقت بنا فوق أرض غريبة
على وجنتيها عناء طويل

وبين ضلوعي جراح كئيبة

وعندي من الحب نهر كبير

تناثرت حزنا على راحتيه

ويوما صحوت رأيت الفراق

يكبل نهر الهوى من يديه

وقالوا أتى النهر حزنا عجوز

تلال من اليأس في مقلتيه
توارت على الشط كل الزهور
ومات الربيع على ضفتيه

تمهل قليلا..

سيأتي الحيارى جموعا إليك

وقد يسألونك عن عاشقين

أحبا كثيرا وماتا كثيرا

وذابا مع الشوق في دمعتين

كأنا غدونا على الأفق بحرا

يطوف الحياة بلا ضفتين

أتيناك نسعى ورغم الظلام

أضأنا الحياة على شمعتين

* * *

تمهل قليلا..

كلانا على موعد بالرحيل

وإن خدعتنا ضفاف المنى

لماذا نهاجر مثل الطيور

ونهرب من حلم في صمتنا

يطاردنا الخوف عند الممات

ويكبر كالحزن في مهدنا

لماذا نطارد من كل شيء

وننسى الأمان على أرضنا

ويحملنا اليأس خلف الحياة

فنكره كالموت أعمارنا

* * *

تمهل قليلا.. فإنك يوم

غدا في الزحام ترانا بقايا

ونسبح في الكون ذرات ضوء

وينثرنا الأفق بعض الشظايا

نحلق في الأرض روحا ونبضا

برغم الرحيل.. و قهر المنايا

أنام عبيرا على راحتيها

وتجري دماها شذى في دمايا

وأنساب دفئا على وجنتيها

وتمضي خطاها صدى في خطايا

وأشرق كالصبح فجرا عليها

واحمل في الليل بعض الحكايا

وأملأ عيني منها ضياءا

فتبحث عمري.. وتحيي صبايا

هي البدء عندي لخلق الحياة

ومهما رحلنا لها منتهايا

* * *

تمهل قليلا.. فإنك يوم

وخذ بعض عمري وأبقى لديك

ثقيل وداعك لكننا

ومهما ابتعدنا فإنا إليك

ستغدو سحابا يطوف السماء

ويسقط دمعا على وجنتيك

ويمضي القطار بنا والسفر

وننسى الحياة وننسى البشر

ويشطرنا البعد بين الدروب

وتعبث فينا رياح القدر

ونبقيك خلف حدود الزمان

ونبكيك يوما كل العمر

تحت أقدام الزمان

واستراحَ الشـوقُ منـي ..

وانزوى قلبي وحيداً ..

خلف جدرانِ التمنـي

واستكانَ الحـب في الأعماقِ

نبضاً .. غابَ عنّـي

آه يا دنـياي ..

عشتُ في سجني سنيناً

أكرهُ السجانَ عمري

أكره القيدَ الذي

يقصيك .. عني

جئتُ بعدك كي أغنّـي

تاه منّـي اللحنُ

وارتَجَفَ المغنّـي

خانني .. الوتـر الحزين

لم يعُد يسمعُ منّـي

هل ترى أبكيك حباً

أم تُرى أبكيك عمراً

أم ترى أبكي .. لأني

صرتُ بعدك .. لا أغنـي

***

آه يا لحناً قضيتُ العمـرَ

أجمعُ فيه نفسي !!

رغم كل الحـزنِ

عشتُ أراهُ أحلامي

ويأسي ..

ثم ضاع اللحـنُ منّـي

واستكـانْ

واستـراح الشوقُ

واختنقَ الحنـــانْ

***

حبنا قد ماتَ طفلاً

في رفاتِ الطفلِ

تصرخُ مهجتانْ

في ضريحِ الحبّ

تبكي شمعتانْ

هكذا نمضي .. حيارى

تحت أقدام الزمـانْ

كيف نغرقُ في زمانٍ

كل شيءٍ فيهِ

ينضحُ بالهـوانْ

بين العمر.. والأماني

إذا دارت بنا الدنيا و خانتنا أمانينا

وأحرقنا قصائدنا وأسكتنا أغانينا

ولم نعرف لنا بيتا من الأحزان يؤوينا

وصار العمر أشلاء ودمر كل ما فينا

وصار عبيرنا كأسا محطمة بأيدينا

سيبقى الحب واحتنا إذا ضاقت ليالينا

* * *

إذا دارت بنا الدنيا ولاح الصيف خفاقا

وعاد الشعر عصفورا إلى دنياي مشتاقا

وقال بأننا ذبنا.. مع الأيام أشواقا

وأن هواك في قلبي يضيء العمر إشراقا

سيبقى حبنا أبدا برغم البعد.. عملاقا

* * *

وإن دارت بنا الدنيا وأعيتنا مآسيها

وصرنا كالمنى قصصا مع العشاق ترويها

وعشنا نشتهي أملا فنسمعها.. و نرضيها

فلم تسمع.. ولم ترحم وزادت في تجافيها

ولم نعرف لنا وطنا وضاع زماننا.. فيها

وأجدب غصن أيكتنا وعاد اليأس يسقيها

عشقنا عطرها نغما فكيف يموت.. شاديها؟

* * *

و إن دارت بنا الدنيا وخانتنا.. أمانينا

وجاء الموت في صمت وكالأنقاض.. يلقينا

وفي غضب سيسألنا على أخطاء ماضينا

فقولي: ذنبنا أنا جعلنا حبنا.. دينا

سأبحث عنك في زهر ترعرع في مآقينا

وأسأل عنك في غصن سيكبر بين أيدينا

وثغرك سوف يذكرني.. إذا تاهت أغانينا

وعطرك سوف يبعثنا ويحيي عمرنا.. فينا

بقايا أمنية

مازال في قلبي بقايا .. أمنية

أن نلتقي يوماً ويجمعنا .. الربيع

أن تنتهي أحزاننا

أن تجمع الأقدار يوماً شملنا

فأنا ببعدك أختنق

لم يبقى في عمري سوى

أشباح ذكرى تحترق

أيامي الحائرة تذوب مع الليالي المسرعة

وتضيع أحلامي على درب السنين الضائعة

بالرغم من هذا أحبك مثلما كنا .. وأكثر

مازال في قلبي.... بقايا أمنية

أن يجمع الأحباب درب

تاه منا .. من سنين

القلب يا دنياي كم يشقى

وكم يشقى الحنين

يا دربنا الخالي لعلك تذكر أشواقنا

في ضوء القمر

قد جفت الأزهار فيك

وتبعثرت فوق أكف القدر ..

عصفورنا الحيران مات .. من السهر

قد ضاق بالأحزان بعدك .. فانتحر

بالرغم من هذا

أحبك مثلما كنا .. وأكثر

في كل يوم تكبر الأشواق في أعماقنا..

في كل يوم ننسج الأحلام من أحزاننا..

يوماَ ستجمعنا الليالي مثلما كنا ..

فأعود أنشد للهوى ألحاني

وعلى جبينك تنتهي أحزاني..

ونعود نذكر أمسيات ماضية

وأقول في عينيك أعذب أغنية

قطع الزمان رنينها فتوقفت

وغدت بقايا أمنية
أواه يا قلبي ..

بقايا أمنية

بقايا امرأة

وقفت تحدق في الطريق

وخلف عينيها جراح اليأس

تعصف بالبريق..

وعبيرها يتوسد النسمات

محمولا كأشلاء الغريق

والشمس تترك للضياع ثيابها

ويغوص منها السحر في بحر سحيق

وعلى جدائل شعرها

جلس العذاب وراح في نوم عميق

ماتت على فمها ابتسامة عاشق

فغدت بقايا من رحيق

* * *

ودنوت منها في أسى وسـألتها:

لم يا حبيبة كل أيامي وقفت على الطريق؟

ضحكت وقالت: كنت يوما..!!

هل تراك الآن تسخر

بعدما انتحر البريق؟

الآن صرت إلى الطريق

أقضي الصباح صديقة

يأتي المساء.. مع الرفيق

ما أتعس الدنيا إذا صرنا مع الأيام

شيئا في طريق

بقايا..

الخبز.. والأطفال والضيف الثقيل..

وظلام أيام يموت ضياؤها بين النخيل..

وجوانب الطرقات ينزف جرحها

وتسيل فوق ضلوعها سحب الدماء

والجائعون على الطريق يصارعون الموت في زمن الشقاء

فالحب مات على الطريق

كما يموت.. الأشقياء

وعلى رغيف الخبز مات الحب.. وانتحر الوفاء

فالناس تبحث عن بقايا حجرة

عن ضوء صبح.. عن دواء
عن بسمة تاهت مع الأحزان و الشكوى

كأحلام المساء

آه من الدمع الذي ما عاد يمنعه.. نداء الكبرياء

ما زلت أبكي في مدينتنا وذبت من البكاء

لكنني ما زلت أنتظر الضياء

* * *

الناس صاروا في مدينتنا يبيعون الهوى..

مثل الجرائد.. و البخور

فالحب في أيامنا

أن يقتل الإنسان في الأرض الزهور

كم من زهور قد قتلناها

لتمنحنا بقايا.. من عطور

الحب أصبح لحظة

نغتال فيها روعة الإحساس فينا و الشعور..

* * *

الحب صار مقيدا بين السلاسل والحفر

قد صار مثل الناس يدميها

رغيف العيش.. أو هم العمر

وغدت قلوب الناس شيئا.. كالحجر..

الليل فيها راسخ الأقدام فانتحر القمر..

الاثنين، 26 يناير، 2009

بالرغم منّا .. قد نضيع


( 1 )

قد قال لي يوماً أبي

إن جئت يا ولدي المدينة كالغريب

وغدوت تلعق من ثراها البؤس

في الليل الكئيب

قد تشتهي فيها الصديق أو الحبيب

إن صرت يا ولدي غريباً في الزحام

أو صارت الدنيا امتهاناً .. في امتهان

أو جئت تطلب عزة الإنسان في دنيا الهوان

إن ضاقت الدنيا عليك

فخذ همومك في يديك

واذهب إلى قبر الحسين

وهناك صلي ركعتين

(2)

كانت حياتي مثل كل العاشقين

والعمر أشواق يداعبها الحنين

كانت هموم أبي تذوب .. بركعتين

كل الذي يبغيه في الدنيا صلاة في الحسين

أو دعوة لله أن يرضى عليه

لكي يرى .. جد الحسين

قد كنت مثل أبي أصلي في المساء

وأظلُ أقرأ في كتاب الله ألتمس الرجاء

أو أقرأ الكتب القديمة

أشواق ليلى أو رياضَ .. أبي العلاء

(3)

وأتيتُ يوماً للمدينة كالغريب

ورنينُ صوت أبي يهز مسامعي

وسط الضباب وفي الزحامِ

يهزني في مضجعي

ومدينتي الحيرى ضبابٌ في ضباب

أحشاؤها حُبلى بطفلٍ

غير معروف الهوية

أحزانها كرمادِ أنثى

ربما كانت ضحية

أنفاسُها كالقيدِ يعصف بالسجين

طرقاتُها .. سوداء كالليل الحزين

أشجارها صفراء والدم في شوارعها .. يسيل

كم من دماء الناس

ينـزف دون جرح .. أو طبيب

لا شيء فيك مدينتي غير الزحام

أحياؤنا .. سكنوا المقابر

قبلَ أن يأتي الرحيل

هربوا إلى الموتى أرادوا الصمت .. في دنيا الكلام

ما أثقل الدنيا ...

وكل الناس تحيا .. بالكلام

(4)

وهناك في درب المدينةِ ضاع مني .. كل شيء

أضواؤها .. الصفراء كالشبح .. المخيف

جثث من الأحياء نامت فوق أشلاء .. الرصيف

ماتوا يريدون الرغيف

شيخٌ ( عجوز ) يختفي خلف الضباب

ويدغدغ المسكينُ شيئاً .. من كلام

قد كان لي مجدٌ وأيامٌ .. عظام

قد كان لي عقل يفجر

في صخور الأرض أنهار الضياء

لم يبق في الدنيا حياء

قد قلتُ ما عندي فقالوا أنني

المجنونُ .. بين العقلاء

قالوا بأني قد عصيتُ الأنبياء

(5)

دربُ المدينة صارخُ الألوانِ

فهنا يمين .. أو يسارٌ قاني

والكل يجلس فوق جسمِ جريمةٍ

هي نزعة الأخلاقِ .. في الإنسانِ

أبتاه .. أيامي هنا تمضي

مع الحزن العميق

وأعيشُ وحدي ..

قد فقدتُ القلبَ والنبضَ .. الرقيق

دربُ المدينة يا أبي دربٌ عتيق

تتربع الأحزانُ في أرجائه

ويموت فيه الحب .. والأمل الغريق

(6)

ماذا ستفعل يا أبي

إن جئتَ يوماً دربنا

أترى ستحيا مثلنا ؟؟

ستموت يا أبتاه حزناً .. بيننا

وستسمع الأصواتَ تصرخُ .. يا أبي : يا ليتنا ..يا ليتنا .. يا ليتنا

وغدوتُ بين الدربِ ألتمسُ الهروب

أين المفر؟

والعمرُ يسرع للغروب

(7)

أبتاهُ .. لا تحزن

فقد مضت السنين

ولم أصلِّ .. في الحسين

لو كنتَ يا أبتاهُ مثلي

لعرفتَ كيف يضيع منا كلُ شيء

بالرغم منا .. قد نضيع

بالرغم منا .. قد نضيع

من يمنح الغرباءَ دفئاً في الصقيع؟

من يجعل الغصنَ العقيمَ

يجيء يوماً .. بالربيع ؟

من ينقذ الإنسان من هذا .. القطيع ؟

(8)

أبتاهُ

بالأمس عدتُ إلى الحسين

صليتُ فيه الركعتين

بقيت همومي مثلما كانت

صارت همومي في المدينةِ

لا تذوب بركعتين

بائع الأحلام

تسألوني الحلم أفلس بائع الأحلام

ماذا أبيع لكم !

وصوتي ضاع وأختنق الكلام

ما زلت أصرخ في الشوارع

أوهم الأموات أني لم أمت كالناس ..

لم أصبح وراء الصمت شيئاً من حطام

مازلت كالمجنون

أحمل بعض أحلامي وأمضي في الزحام

***

لا تسألوني الحُلم

أفلس بائع الأحلام ..

فالأرض خاوية ..

وكل حدائق الأحلام يأكلها البَوَار

ماذا أبيع لكم .. ؟

وكل سنابل الأحلام في عيني دمار

ماذا أبيع لكم ؟

وأيامي انتظار ........ في انتظار

................

أين أيامك؟


سيمحو الموجُ أقدامي

كما يغتالُ أقدامِك

ويدفن بينها حُلمي

رفاتاً بين أحلامِك

وتبقى بعدَنا ذكرى

تساءلُ : أين أيامك ؟!

إنسان.. بلا إنسان

يا بحر جئتك حائر الوجدان

أشكو جفاء الدهر للإنسان

يا بحر خاصمني الزمان وأنني

ما عدت أعرف في الحياة مكاني

كم عانقتني في رمالك انجم

كم داعبت بالأمنيات لساني

كم عاش قلبي في سمائك راهبا

يشفي جراح الحب.. بالألحان

واليوم جئتك والهموم كأنها

شبح يطارد مهجتي.. وكياني

* * *

وغدوت في بحر الحياة سفينة

الموج يبعدها عن الشطآن

فالناس تشرب في الدروب دموعها

والدرب مل مرارة الأحزان

والزهر في كل الحدائق يشتكي

ظلم الربيع.. وجفوة الأغصان

والطفل في برد المدينة حائر

ما زال يبحث عن زمان حاني

ومآذن الصلوات تبكي حسرة
الإمام حقيقة الإيمان

* * *

زمن يعربد في الأماني كلها

ما أتعس الدنيا بغير أماني

يا بحر أسكرني الزمان بخمره

مغشوشة عصفت بكل كياني

كم خادعتني في الظلام ظلالها

كم أمسكت عند الحديث لساني

ما كنت احسب ذات يوم أنني

سأصير إنسانا.. بلا إنسان

الأحد، 25 يناير، 2009

أنت الحياة


وقد يسألونك يوما.. عليا

وهل كان حبك

شيئا لديا..

فقولي بأنك أنت الحياة

وأنك صبح رعى مقلتيا

وقد عشت قبلك عمرا طويلا

فلا تحسبي الأمس عمرا.. عليا

أنا.. وعيناك

هيا معي لنصافح الأيام نغفر للقدر

ونعانق العمر الجديد وأنت لي.. كل العمر

قد صرت في دنياي أجمل زهرة

ولقد قضيت العمر.. أهفو للزهر

حتى رأيتك في خريف العمر عطرا ساحرا

يختال في قلبي.. حبات المطر

وعلى ظلال الحب تحملني المنى

فأكاد يا دنياي أشعر بالخطر

* * *

قلبي يصيح مع اللقاء تمهلي

وأنا أخاف عليه بين يديك

فأضم أيامي إليك مع المنى

والقلب يخفق بالحنين إليك

آه من الزمن الذي قد خانني

قد ضاع من عمري.. بلا عينيك

* * *

لا تسأليني عن حياتي قبل أن ألقاك

إني بدأت العمر منذ لقاك

قد كان عمري في الحياة ضلالة

ورأيت كل النور بعض ضياك

لو كان عمري في الحياة خميلة

ما كنت أمنح ظلها لسواك

لو ظل شعري في الوجود بعطره

فالشعر يا دنياي بعض شذاك

إني تعبت من المسير و لا أرى

في القلب شيئا.. غير أن يهواك

أنا والليل.. والشعر

ويسألني الليل أين الرفاق

وأين رحيق المنى والسنين؟

وأين النجوم تناجيك عشقا

وتسكب في راحتيك الحنين؟

وأين النسيم وقد هام شوقا

بعطر من الهمس لا يستكين؟

وأين هواك بدرب الحيارى

يتيه اختيالا على العاشقين؟

فقلت: أتسألني عن زمان

يمزق حبا أبى أن يلين؟

وساءلت دهري: أين الأماني؟

فقال: توارت مع الراحلين

ولم يبق شيء سوى أغنيات

وأطياف لحن شجي الرنين

وحدقت في الكأس: أين الرفاق؟

فقالت: تعبت من السائلين

ففي كل يوم طيور تغني

وزهر يناجي ونجم حزين

ودار تسائلني مقلتاها:

متى سيعود صفاء السنين؟

وفوق النوافذ أشلاء عطر

ينام حزينا على الياسمين

ثيابك في البيت تبكي عليك

ترى في الثياب يعيش الحنين؟!

وعطرك في كل ركن ودرب

وقد عاش بعدك مثل السجين
* * *

ويسألني الشعر: هل صرت كهلا؟

فقلت: توارى عبير الشباب

فقال بحزن: أريدك حبا

وشوقا يطير بنا للسحاب

أريدك طير على كل روض

أريدك زهرا على كل باب

أريدك خمرا بكأس الزمان

فقد يسكر الدهر فينا العذاب

أريدك لحنا شجي المعاني

ولو عشت تجري وراء السراب

أريدك لليوم دع ما تولى

ودعك من النبش بين التراب

ففي الروض زهر وعطر.. وطير

وفي الأفق تعلو الأغاني العذاب

قضيت حياتك تنعي الشباب

وترثي العهود وتبكي الصحاب

نظرت إلى الشعر: ماذا تريد؟

فقال: نعيد ليالي الشباب

فقلت: ترى هل تفيد الأماني

إذا ما ارتمت فوق صدر السراب؟

وساعة صفو سترحل عنا

ونرجع يوما لدار العذاب

وفي كل يوم سنبني قصورا

غدا سوف نتركها للتراب..

إلى نهر فقد تمرده لماذا استكنت

وأرضعتنا الخوف عمرا طويلا

وعلمتنا الصمت.. والمستحيل..

وأصبحت تهرب خلف السنين

تجيء وتغدو.. كطيف هزيل

لما استكنت؟

وقد كنت فينا شموخ الليالي

وكنت عطاء الزمان البخيل

تكسرت منا وكم من زمان

على راحتيك تكسر يوما..

ليبقى شموخك فوق الزمان

فكيف ارتضيت كهوف الهوان..

لقد كنت تأتي

وتحمل شيئا حبيبا علينا

يغير طعم الزمان الرديء..

فينساب في الأفق فجر مضيء..

وتبدو السماء بثوب جديد

تعانق أرضا طواها الجفاف

فيكبر كالضوء ثدي الحياة

ويصرخ فيها نشيد البكارة

ويصدح في الصمت صوت الوليد

لقد كنت تأتي

ونشرب منك كؤوس الشموخ

فنعلو.. ونعلو..

ونرفع كالشمس هامتنا

وتسري مع النور أحلامنا

فهل قيدوك.. كما قيدونا..؟!

وهل أسكتوك.. كما أسكتونا؟

* * *

دمائي منك..

ومنذ استكنت رأيت دمائي

بين العروق تميع.. تميع

وتصبح شيئا غريبا عليا

فليست دماء.. ولا هي ماء.. ولا هي طين

لقد علمونا ونحن الصغار

بأن دماءك لا تستكين

وراح الزمان.. وجاء الزمان

وسيفك فوق رقاب السنين

فكيف استكنت..

وكيف لمثلك أن يستكين

* * *

على وجنتيك بقايا هموم..

وفي مقلتيك انهيار وخوف

لماذا تخاف؟

لقد كنت يوما تخيف الملوك

فخافوا شموخك

خافوا جنونك

كان الأمان بأن يعبدوك

وراح الملوك وجاء الملوك

وما زلت أنت مليك الملوك

ولن يخلعوك..

فهل قيدوك لينهار فينا

زمان الشموخ؟

وعلمنا القيد صمت الهوان

فصرنا عبيدا.. كما استعبدوك

* * *

تعال لنحي الربيع القديم..

وطهر بمائك وجهي القبيح

وكسر قيودك.. كسر قيودي

شر البلية عمر كسيح

وهيا لنغرس عمرا جديدا

لينبت في القبح وجه جميل

فمنذ استكنت.. ومنذ استكنا

وعنوان بيتي شموخ ذليل

تعال نعيد الشموخ القديم

فلا أنت مصر.. ولا أنت نيل

إلى مسافرة

و أظل وحدي أخنق الأشواق

في صدري فينقذها الحنين..

و هناك آلاف من الأميال تفصل بيننا

و هناك أقدار أرادت أن تفرق شملنا

ثم انتهى.. ما بيننا

و بقيت وحدي

أجمع الذكرى خيوطا واهية

و رأيت أيامي تضيع

و لست أعرف ما هيه

و تركت يا دنياي جرحا لن تداويه السنين

فطويت بالأعماق قلبا كان ينبض.. بالحنين

* * *

لو كنت أعلم أنني

سأذوب شوقا في الألم

لو كنت أعلم أنني

سأصير شيئا من عدم

لبقيت وحدي

أنشد الأشعار في دنيا.. بعيدة

و جعلت بيتك واحة

أرتاح فيها.. كل عام

و أتيت بيتك زائرا

كالناس يكفيني السلام..

* * *

ما كنت أدرك أنني

سأصير روحا حائرة

في القلب أحزان..

و في جسمي جراح غائرة

و تسافرين..

لا شيء بعدك يملأ القلب الحزين

لا حب بعدك. لا اشتياقا لا حنين..

فلقد غدوت اليوم عبدا للسنين

تنساب أيامي و تنزف كالدماء

و تضيع شيئا.. بعد شيء كالضياء..

و هناك في قلبي بقايا من وفاء

و تسافرين

و أنت كل الناس عندي و الرجاء..

قولي لمن سيجيء بعدي

هكذا كان القضاء

قدر أراد لنا اللقاء

ثم انتهى ما بيننا

و بقيت وحدي للشقاء

المقاتلون بدماء مصر

ينامون فوق صدور الغواني

ويبكون بالشعر عهد الوليد

وتحت المضاجع أشلاء عمر

وأحزان أم وذكرى شهيد

وفي الكأس تبكي بقايا دماء

وأنقاض عطر وأنفاس غيد

ويلقون فوق رؤوس الصغار

ثياب الغواني وخبز العبيد

وفي كل يوم يبيعون شعرا

ويبنى على الشعر قصر جديد

يسيرون بالشعر في كل درب

وفي كل يوم مزاد فريد

تعالوا نقاتل من جوع مصر

ونلقي على الناس حلو القصيد

تعالوا نصافح آلام شعب

ونصرخ بالحزن هل من مزيد؟

تعالوا لنسكر من دمع أرض

ونغتال فيها الزمان السعيد

تعالوا نحطم أحلام مصر

وندفن فيها الصباح الوليد

تعالوا نتاجر في دمع أم

تعالوا نبيع رفات الشهيد

تعالوا لنسخر من حزن ثكلى

على راحتيها شباب شريد

تعالوا لنحرق أزهار عمر

ففي الزهر يرقد حلم جديد

تعالوا ففي مصر سوق العطاء

ومنها ربحنا وفيها المزيد

تعالوا نبيع بعطر الجواري

دموع الصغار ويأس القعيد

تعالوا لنلقى على مصر صبرا

ونغرس فيها هموما تبيد

وهيا لنكتب شعرا جديدا

فما عاد في العمر شيئا يفيد

* * *

وآه إذا الجرح أضحى رخيصا

تباع الدماء بسعر زهيد

وتحت المضاجع أشلاء عمر

وفي الكأس تبكي دماء الشهيد

يصيحون فوق صدور الغواني

يعيدون بالشعر عهد الوليد

المغني الحزين

غنائي الحزين..

ترى هل سئمتم غنائي الحزين؟

وماذا سأفعل..

قلبي حزين

زماني حزين

وجدران بيتي

تقاطيع وجهي..

بكائي وضحكي

حزين حزين؟

* * *

أتيت إليكم..

وما كنت أعرف معنى الغناء

وغنيت فيكم.. وأصبحت منكم..

وحلقت بالحلم فوق السماء..

حملت إليكم زمانا جميلا على راحتيا

وما جئت أصرخ بالمعجزات

وما كنت فيكم رسولا نبيا

فكل الذي كان عندي غناء

وما كنت أحمل سرا خفيا

وصدقتموني..

فماذا سأفعل يا أصدقاء

إذا كان صوتي توارى بعيدا

وقد كان صوتا عنيدا قويا؟

إذا كان حلمي أضحى خيالا

يطوف ويسقط في مقلتيا؟

وصار غنائي حزينا.. حزين

* * *

لقد كنت أعرف أني غريب

وأن زماني زمان عجيب

وأني سأحفر نهرا صغيرا وأغرق فيه

وأني سأنشد لحنا جميلا

وأدرك أني أغني لنفسي

وأني سأغرس حلما كبيرا

ويرحل عني.. وأشقى بيأسي..

فماذا سأفعل يا أصدقاء؟

أتيت إليكم بلحن جريح

لأن زماني.. زمان قبيح

فجدران بيتي دمار.. وريح

وبين الجوانح قلب ذبيح

فحيح الأفاعي يحاصر بيتي

ويعبث في الصمت صوت كريه

إذا راح عمر قبيح السمات

رأينا له كل يوم شبيه

وفئران بيتي صارت أسودا

فتأكل كل طعام الصغار

وتسرق عمري.. وتعبث فيه

* * *

أنام وفي العين ثقب كبير

فأوهم نفسي بأني أنام

وأصحو وفي القلب خوف عميق

فأمضغ في الصمت بعض الكلام

أقول لنفسي كلاما كثيرا

وأسمع نفسي..

وألمح في الليل شيئا مخيفا

يطوف برأسي

ويخنق صوتي..

ويسقط في الصمت كل الكلام

* * *

فلا تسأموني

إذا جاء صوتي كنهر الدموع

فما زلت أنثر في الليل وحدي

بقايا الشموع

إذا لاح ضوء مضيت إليه

فيجري بعيدا.. ويهرب مني

وأسقط في الأرض أغفو قليلا

وأرفع رأسي.. وأفتح عيني

فيبدو مع الأفق ضوء بعيد

فأجري إليه..

وما زلت اجري.. و أجري.. وأجري..

حزين غنائي

ولكن حلمي عنيد.. عنيد

فما زلت أعرف ماذا أريد

ما زلت أعرف ماذا أريد

المزاد بلا ثمن

وجلست نحوي تنظرين

وقصصت أخباري

وما قد كان بعدك

من حكايات السنين

حتى إذا جاء الحديث عن الهوى..

وعن الأماني.. والحنين

أغمضت عيني كي أراك

على جناحي تحلمين

وعلى جبينك

ترقص الأحلام أشواقا لكل العاشقين..

وأعانق الأيام في عينك سرا لا يبين

ونصافح الأقدار في خوف عساها تستكين

حتى إذا جاء الزمان مزمجرا

عصف الرحيل بحبنا..

فرجعت للّحن الحزين

كل الذي عشناه يوما عشت أذكره..

ترى.. هل تذكرين؟!

قالت: أنام الليل

مثل الناس في كل المدن

الحب أصبح عندنا

أن نستريح إلى رغيف أو رفيق.. أو سكن

ألا نموت على الطريق

وليس يعرفنا أحد

ألا نصير بلا وطن

زوجي اشتراني في زحام الليل

لا أدري الثمن..

زوجي يعاشرني ولا أدري إذا

ما كان ثوب العرس أو كان الكفن

يوما سمعت أبي يقول بأنه

شيخ عريق في المحن

ركب البعير ودار في كل الفيافي

حافي القدمين تلعنه الثياب

دخل الحياة مؤخرا

ومع الخريف تراه يحلم بالشباب

والآن أصبح يملك الأرقام

يفهم في الحساب

من يومها وأنا أعيش العمر

لا أدري إذا ما كنت

أحيا.. لم أزل

ما عدت أشعر يا رفيقي بالملل

وفقدت نبض مشاعري

ورحلت عن دنيا الأمل..

* * *

ما عدت أحسب عمر أيامي

وما قد ضاع مني في سراديب الزمن

قد بعت نفسي في زحام الليل لا أدري الثمن

زمن حزين كل شيء فيه صار له ثمن

إلا الهوى.. قد صار في دنيا المزاد..

بلا ثمن

المدينة تحترق

الدار يا أماه طفل يحترق

هذي ذئاب النار بالأحزان تسرع

خلف حلم يختنق

شرفات منزلنا الصغير

على نحيبك لم تزل

تنشق حزنا.. وألم

والدار يعصرها اللهيب

وصارت الأنفاس فيها كالعدم...

* * *

النار تسري في مدينتنا وليس لنا مجير

أكلت حدائقنا مزارعنا

وعصفوري الصغير

أكلت جوانحنا مدامعنا..

وأحرقت الغدير

النار يا أماه أحرقت الغدير!!

* * *

النار يا أمي تحوم على مشارف بيتنا

وأنا أموت على مكاني كل شيء..

صار نارا حولنا

أترى سنتركها

لتأكل بسمة الأيام والأمل الوليد؟!

النار تنهش في الدماء وفي النساء وفي الحديد

النار تسكر في الزحام

على بقايا.. من شهيد

* * *

النار يا أمي على الباب الكبير

والناس تصرخ والكبير يدوس على أشلاء الصغير

والمسجد الخالي يذوب مع المآذن يحترق

وعليه صورة طفلة

ركعت على أنفاسها

من ذا يصدق أنها..

ذهبت هناك لتختنق؟

صلواتها تبكي يتوه نحيبها بين الحريق

والمنبر المسكين في وسط الحريق

كأنه طفل.. غريق

* * *

الناس تلقي نفسها بين اللهب

وصراخ أطفال وحزن أرامل

والكل يسأل.. ما السبب؟؟

النار منا تقترب

النار يا أمي تدمر دارنا..

هذي دماء الدار تسقط

من ثنايا.. ثغرها

أكلت عيون الدار

ألقت في اللهيب بسحرها

ذبحت شجيرتنا التي

عشت الحياة بعطرها

* * *

الدار يا أماه طفل يحترق..

صدري من الدخان

يصرخ.. كاد صدري يختنق

أماه..

النار مني تقترب

أماه إني أختنق

أماه...

أماه...

العمر يوم

العمر يوم سوف نقضيه معا

لا تتركيه يضيع في الأحزان

ما العمر يا دنياي إلا ساعة

وقد يكون العمر بضع ثواني

أترى يفيد الزهر بعد رحيله

حزن الربيع ولوعة الأغصان

فالعمر كالأزهار يوم عابر

هيا لنسكر من رحيق.. فاني

العدو خلف السراب

تزيد المسافات بيني وبينك

تخبو الملامح شيئا.. فشيئا

وتغدو مع البعد بعض الظلال

وبعض لأتذكر.. بعض الشجن

ويغدو اللقاء بقايا من الضوء

تبدو قليلا.. وتخبو قليلا..

وتصغر في العين

تسقط في الأفق

ترحل كالعطر

تغدو خطوطا بوجه الزمن..

فماذا سنحكي..

وكل الملامح صارت ظلالا

وكل الذي"كان" أضحى خيالا

وأصبحت أنت الزمان البعيد

أعود إليه.. فيبدو محالا

تزيد المسافات بيني وبينك يخبو البريق

ويحملني الشوق ألقي بنفسي على شاطئيك

فأرجع منك.. وبعضي حريق..

وأسأل نفسي على أي درب سألقاك يوما

وقد صار وجهك في كل درب يطوف بعيني

طريق أشد الرحال إليه.. فيهرب مني

طريق أعود غريبا عليه.. فيسأل عني..

طريق يداعبني من بعيد

فأجري إليه ويصرخ.. دعني..

على أي درب سألقاك يوما

وفي أي درب ستصرخ حزنا دماء البريء..

فأنت الزمان الذي قد يجيء

وأنت الزمان الذي لن يجيء

وأنت الصباح الذي ضاع في العين

بين الرحيل.. وبين المجيء

فحينا يسافر.. حينا يغامر

ويسقط عمري بين الرحيل.. وبين المجيء..

* * *

تزيد المسافات بيني وبينك أسكن عينيك

أبني جدارا من الحلم حولك

أحميك من يأس حلمي

وأبني قصورا على شاطئيك

لأنا نعيش زمانا كئيبا

أخبئ حلمي في مقلتيك

لأنا سقطنا على الدرب خوفا

وبعثرنا العمر خلف الفضاء

وصرنا رياحا.. و ظلا.. وعطرا

وصرنا سحابا.. يطوف السماء

وصرنا دموعا على مكل عين

وفي كل جرح غدونا دماء

فكنا الخطيئة كنا الهداية

كنا مع اليأس.. بعض الرجاء..

* * *

وتبقى المسافات بيني وبينك سدا يبعثر أحلامنا..

لأنا نسير على غير درب

ونمشي وندرك أن الخطا قد تهاوت

وأن الطريق يجافي القدم

فما عاد في الدرب غير الألم..

فهل من زمان.. يعيد الطريق لأقدامنا

وهل من زمان يلملم بالصبح أشلاؤنا

تعبنا من العدو خلف السراب

وذقنا زمانا بأحزانا

ونمضي مع العمر حلما طويلا

وتغدو المسافات هما ثقيلا

ومازلت أمضي و أمضي إليك

وإن كان عمري يبدو قليلا

الصبح حلم.. لا يجئ

ونجئ قهرا للحياة

الناس ترحل مثلما تأتي

ويبقى السر شيئا لا نراه

لم أدر كيف أتيت من زمن بعيد

يوما سمعت أبي يقول بأنني

قد جئت في يوم سعيد

أمي تقول بأنني

أشرقت عند الفجر كالصبح الوليد

تاريخ ميلادي يقول بأنني

قد جئت في لقيا الشتاء مع الربيع

لكنني ما عدت أذكر هل ترى

قد عشت حقا في الربيع؟

* * *

من ألف عام

والزمان على مدينتنا صقيع

نهر الدموع يطارد الأحياء

يهرب بعضنا..

والبعض يسقط واقفا

والبعض يمشي في القطيع

قالوا بأنني قد ولدت

وفي مدينتنا مجاعة..

والناس تشرب من دماء الناس

إن خلت البطون

والجوع مقبرة يحاصرها الجنون..

ما زالت الأضواء ثكلى

في شوارعنا الحزينة

والدرب يسخر بالأماني المستكينة

* * *

سنواتي الأولى مضت كصباح عيد

ما زلت أذكر صوت أمي

عندما كانت تغني الليل

تحملني إلى أمل بعيد

كانت تقول بأن جوف الليل

يحمل صرخة الصبح الوليد..

وغدا سنولد من جديد

كانت تقول بأن طفل الأرض

سوف يجئ بالزمن السعيد

في صدر أمي لاحت الأيام

بستانا تطوف به الزهور

في صوتها حزن.. وأحلام وإيمان.. ونور

* * *

والعمر يرحل في سكون

أمي تغني الليل تحملني إلى الأمل البعيد

وجلست أنتظر الوليد

العشرة الأولى مضت..

فيها رأيت الحزن ينخر

قلب قريتنا العجوز

ماتت مزارعها وجف شبابها

حتى خيوط الشمس

ذابت خلف أحجار الجبل

وروافد النهر الجسور تكسرت

وغدت بقايا من أمل

* * *

فتحت عيني ذات يوم في الصباح

ورأيت ثوب الأرض أشلاء

تبعثرها الرياح

وخشيت أصوات الرياح

كانت تحاصر بيتنا

ومضت تطارد كلبنا المسكين في ليل الشتاء

وسمعت دمع الكلب يصرخ في العراء

ورأيته يوما رفاتا في الطريق

قد كان أول ما عرفت من الصحاب

وبكيت في الكلب الوفاء

والعمر يسرع بين قضبان السنين

العشرة الأولى مضت

والصبح حلم لا يجئ..

في عامي العشرين صافحت الطريق

وجلست أشهد حيرة الإنسان في زمن الرقيق

يوما نباع وتارة

نغدو سكارى لا نفيق

ورجعت أبحث عن شعاع

فرأيت صوت الليل

يهدر في بقايا من رعاع

والشمس يخنقها الشعاع

ووقفت أسأل بعدما رحل الزمان

ونظرت للأرض التي

هربت طيور الحب منها.. والحنان

لا شيء يا أمي سوى الغربان

تصرخ في مدينتنا وتأكل خبزنا

والآن يا أماه أحسب ما تبقى في يدي..

قد ضاع أكثره وليل الأمس ينخر في غدي

ونسيت ما غنيت يوما ضاع صوت المنشد

آمنت بالإنسان عمري في زمان جاحد

كل الذي ما زلت اذكره من العمر القصير

أني قضيت العمر في سجن كبير

* * *

والعمر يا أماه يرحل في اصفرار

ما كان لي فيه.. الخيار

العشرة الأولى تضيع

عشرون عاما بعدها

خمس يمزقها الصقيع

أنا لا أصدق أنني

أمضي لدرب الأربعين

الطفل يا أماه يسرع

نحو درب الأربعين..

أتصدقين؟

ما أرخص الأعمار

في سوق السنين

ما عدت أسمع أغنيات

كالتي كنا نغنيها..

ما زلت أذكر صوتك الحاني

يغني الليل يستجدي المنى

أن تمنح الطفل الصغير

العمر والقلب السعيد

والعمر يا أمي ضنين

لكنني ما زلت احلم مثلما يوما

رأيتك تحلمين

قد قلت إن الأرض تنزف من سنين

وبأن صوت الطفل

بين ضلوعها.. يعلو

ويحمل فرحة الزمن الحزين

ما زلت يا أماه أنتظر الوليد

رغم الضياع ورغم عنواني الطريد

إني أرى عينيه خلف الليل

تبتسمان بالزمن السعيد

والأرض يعلو حملها

والناس.. تنتظر الوليد..

حبيب.. غدر

تعودت بعدك في كل شيء..

فأصبحت عندي.. خيالا عبر

غريبين كنا.. بهذا القطار

وفي البعد صرنا.. حكايا سفر..

لأني غرستك زهرا وعطرا

صباحا يضيء.. لكل البشر..

لأني عبدتك رغم الخطايا..

وعانقت فيك سنين العمر

وغنيت حبك بين الحيارى

وسامحت فيك جفاء القدر

يعز علي.. إذا صرت شيئا

بقايا وفاء.. وذكرى وتر..

فأصبحت في القلب.. كهفا صغيرا

كتبت عليه.. ((حبيب غدر))
بعدك لا تسأليني

فقد صرت عندي نبيا.. كفر

الشاطئ الخالي

ورجعت في نفس المكان

وأخذت أرتقب الرياح تهزني

والشاطئ الخالي يضيق من الدخان

وتخيلت عيناي يوم لقاءنا

قد كان في هذا المكان

قد مر عام منذ كان لقاؤنا أو ربما عامان

إني نسيت العمر بعدك والزمان

كل الذي ما زلت أذكره لقاء حائر

وأصابع نامت عليها مهجتان

و لقاء أنفاس لعل رحيقها

ما زال يسري حائرا بين.. الرمال

والموج يسمع بعض ما نحكي و يمضي.. في دلال

كم كنت ألقي بين شعرك مهجتي

فيغيب مني العمر في هذي الظلال

والشمس يحضنها السحاب.. مودعا

لكن.. على أمل جديد باللقاء

فغدا تعود الشمس تلقي رأسها فوق السماء

لكننا يوما تعانقنا وسرنا في الظلام

والصمت ينطق في عيونك.. بالكلام

ثم افترقنا عندما اقترب المساء

وعلى جبين الليل نام الضوء وافترش السماء

ومضيت يا عمري. وقلت إلى اللقاء

* * *

ورجعت في نفس المكان

وأخذت أسأل كل يوم عنك موج البحر.. أنفاس الرمال.

أحلام أيامي ترنح طيفها

وهوت على صخر المحال..

الشاطئ الخالي تساءل في خجل

أتراك تبحث عن رفيق العمر عن طيف الأمل..
عاشقا عصفت به ريح الشجن

وتبعثرت أيامه الحيرى وتاهت في الزمن

لو كنت أسرعت الخطى

لوجدت من تهوى.. وفي نفس المكان..

عادت ولكن بعدما أضحى لغيرك عمرها

وهناك فوق الصخرة الزرقاء جاءت..

كي تداعب طفلها..!

السفر في الليالي المظلمة

وغدا تسافر

والأماني حولنا.. حيرى تذوب

والشوق في أعماقنا يدمي جوانحنا

ويعصف بالقلوب

لم يبق شيء من ظلالك

غير أطياف ابتسامة

ظلت على وجهي تواسيه

وتدعو.. بالسلامة

* * *

وغدا سمنضي فوق أمواج الحياة..

لا نعرف المرسى

وتاهت كل أطواق النجاة

لم لم تعلمني السباحة في البحار؟

لم لم تعلمني الحياة بغير شمس.. أو نهار؟

والصبر.. يا للصبر حلم زائف..

وهم يعذبنا ومأوى.. كالدمار

وغدا تسافر

والمنى حولي تذوب

أتراك تعرف كيف يغتال الهوى

نبض.. القلوب؟

والآن تجمع في الحقائب

عطر أيام.. الهوى

وعلى المقاعد نامت الذكرى

على صدر المنى..

ما كنت أحسب أننا يوما

سنرجع.. قبل منتصف الطريق

ومع النهاية نحمل الماضي

صغيرا.. مات منا في حريق..

وتسافر الأشواق في أوراقنا

والحب يبكي كلما اقتربت نهايتنا

ويسرع.. نحونا..

وعقارب الساعات تصمت..

قد يتوه الوقت..

قد يمضي قطار الليل

قد ننسى.. ونرجع بيتنا

الدرب أظلم حولنا..

من يا ترى سيضيء

هذا الدرب.. حبا مثلنا؟!

الدرب أقسم أن يخاصم

كل شيء.. بعدنا

وهناك في وسط الطريق شجيرة

كم ظللت بين الأماني.. عمرنا

مصباحنا المسكين ودع نبضه..

ولكم أشاع النور عطرا.. بيننا

شرفات مسكننا المسكين تحطمت..

عاشت أمانينا وذاقت كأسنا

وبراعم النوار بين دموعها

ظلت تعانقني.. وتسألني: ترى..

سنعود يوما.. بيتنا؟!

الزمن الحزين

وأتيت يا ولدي.. مع الزمن الحزين

فالعطر بالأحزان مات.. على حنايا الياسمين

أطيارنا رحلت.. و أضناها الحنين

أيامنا.. كسحابة الصيف الحزين

ودماؤنا صارت شراب العابثين

تتبعثر الأحلام في أعمارنا

تتساقط الأفراح من أيامنا

صرنا عرايا..؟!

كل من في الأرض جاء

حتى يمزق.. جرحنا

صرنا عرايا..؟!

كل من في الأرض جاء

حتى يمزق.. عرضنا..

قالوا لنا:

أنتم حصون المجد.. أنتم عزنا

قتلوا الصباح بأرضنا.. قتلوا المنى

* * *

من أجل من يقتات أبنائي التراب؟

من أجل من نحيا عبيدا للعذاب؟

حزن.. وإذلال.. وشكوى واغتراب

يا سادتي.. قلبي يموت من العذاب

لمن العتاب؟

لمن الحساب؟

من أجل من تتغرب الأطيار في بلدي وتنتحر الزهور؟

من أجل من تتحطم الكلمات في صدري وتختنق السطور؟

من أجل من يغتالنا قدر جسور

يا سادتي.. عندي سؤال واحد

من أجل من يتمزق الغد في بلادي؟

من أجل من يجني الأسى أولادي؟

* * *

قد علموني الخوف يا ولدي

وقالوا.. إن في الخوف النجاة

إن الصلاة.. هي الصلاة

إن السؤال جريمة لا تعصي يا ولدي((الإله))

عشرون عاما يا بني دفنتها

وكأنها شبح توارى في المساء

ضاعت سنين العمر يا ولدي هباء

والعمر علمني الكثير

أن أدفن الآهات في صدري و أمضي.. كالضرير..

ألا أفكر في المصير

قل ما بدا لك يا بني و لا تخف

فالخوف مقبرة الحياة..

من أجل صبح تشرق الأيام في أرجائه

من أجل عمر ماتت الأحلام في أحشائه

قل ما بدا لك يا بني

حتى يعود الحب يملأ بيتنا

حتى نلملم بالأمان جراحنا

لا تتركوا الغد في فؤادي يحترق

لا تجعلوا صوت الأماني يختنق

الرحيل

قالت:

لأن الخوف يجمعنا.. يفرقنا

يمزقنا.. يساومنا ويحرق في مضاجعنا الأمان

وأراك كهفا صامتا لا نبض فيه.. ولا كيان

وأرى عيون الناس سجنا.. واسعا

أبوابها كالمارد الجبار

يصفعنا.. ويشرب دمعنا

ماذا تقول عن الرحيل؟!

* * *

قالت:

ثيابك لم تعد تحميك من قهر الشتاء

وتمزقت أثوابنا

هذي كلاب الحي تنهش لحمنا

ثوبي تمزق هل تراه؟
عرايا في عيون الناس يصرخ عرينا

البرد والليل الطويل

العري واليأس الطويل

القهر والخوف الطويل

ماذا تقول عن الرحيل؟!

* * *

قالت:

لعلك تذكر الطفل الصغير

قد كان أجمل ما رأت عيناك في هذا الزمان

يوما أتيتك أحمل الطفل الصغير

كم كنت أحلم أن يضيء العمر في زمن ضرير

أتراك تذكر صوته

كما كان يحملنا بعيدا..

كم كان يمنحنا الأمان.. على ثرى زمن بخيل

الطفل مات من الشتاء

يوما خلعت الثوب كي أحميه..

مضيت عارية ألملم في صغيري

كل ما قد كان عندي من رجاء..

لم ينفع الثوب القديم

الطفل مات من الشتاء

والبيت أصبح خاليا

أثوابنا وتمزقت

أحلامنا وتكسرت

أيامنا وتآكلت

وصغيرنا قد مات منا في جوانحنا دماه

ماذا فعلت لكي تعيد له الحياة؟

ماذا تقول عن الرحيل؟!

* * *

قالت:

تعال الآن نهتف بين جدران السكون

قل أي شيء عن حكايتنا

عن الإنسان في زمن الجنون

اصرخ بدمعك أو جنون في الطريق

اصرخ بجرحك في زمان لا يفيق

قل أي شيء

قل إنه الطوفان يأكلنا و يطعم من بقايانا

كلاب الصيد و الغربان.. و الفئران في الزمن العقيم

قل ما تشاء عن الجحيم

ماذا تقول عن الرحيل؟!

* * *

قالت:

لأنك جئت في زمن كسيح

قد ضاع عمرك مثل عمري.. في ثرى أمل ذبيح

دعني وحالي يا رفيقي هل ترى.. يشفى جريح من جريح؟

حلمي وحلمك يا حبيبي مع ضريح

ماذا تقول عن الرحيل؟!

* * *

قالت:

سأسأل عنك أحياء المدينة في خرائبها القديمة

شرفاتها الثكلى أغانيها العقيمة

وأقول كان العمر أقصر من أمانيه العظيمة

لا تنس انك في فؤادي حيث كنت

وحيث يحملني الطريق

سأظل أذكر أن في عينيك قافلتي.. وعاصفتي

وإيماني العميق

بأن حبك جنة كالوهم ليس لها طريق
تنس يوما عندما يأتي الزمان

بحلمنا العذب السعيد

فتش عن الطفل الصغير

وذكره بي..

واحمل إليه حكاية وهدية في يوم عيد..

الآن قد جاء الرحيل..

الحرف يقتلني

أنا شاعر ..

مازلت أرسم من نزيف الجُرح

أغنية جديدة ..

ما زلت أبني في سجون القهر

أزماناً سعيدة

مازلت أكتبُ

رغم أن الحرف يقتلني

ويلقيني أمام الناس

أنغاماً شريدة ..

أو كلما لاحت أمام العين

أمنية عنيده ..

ينساب سهم طائش في الليل ..

يُسقِطُها .... شهيدة ...

الحب في الزمن الحزين

لا تندمي..

كل الذي عشناه نار سوف يخنقها الرماد

فالحب في أعماقنا طفل غدا نلقيه.. في بحر البعاد

وغدا نصير مع الظلام حكاية

أشلاء ذكرى أو بقايا.. من سهاد

* * *

وغدا تسافر كالرياح عهودنا

ويعود للحن الحزين شراعنا

ونعود يا عمري نبيع اليأس في دنيا الضلال

ونسامر الأحزان نلقي الحلم في قبر المحال

أيامنا في الحب كانت واحة

نهرا من الأحلام فيضا من ظلال

والحب في زمن الضياع سحابة

وسراب أيام وشيء من خيال

ولقد قضيت العمر أسبح بالخيال

حتى رأيت الحب فيك حقيقة

سرعان ما جاءت

وتاهت.. بين أمواج الرمال

* * *

وغدا أسافر من حياتك

مثلما قد جئت يوما كالغريب..

قد يسألونك في زحام العمر عن أمل حبيب

عن عاشق ألقت به الأمواج.. في ليل كئيب

وأتاك يوما مثلما

تلقي الطيور جراحها فوق الغروب

ورآك أرضا كان يحلم عندها

بربيع عمر.. لا يذوب

لا تحزني..

فالآن يرحل عن ربوعك

فارس مغلوب..

أنا لا أصدق كيف كسرنا

وفي الأعماق.. أصوات الحنين

وعلى جبين الدهر مات الحب منا.. كالجنين

قد يسألونك.. كيف مات الحب؟؟

قولي... ... جاء في زمن حزين!!

الجراح

هل من دمائك يسكر السفهاء؟

وعلى رفاتك يرقص الجهلاء؟

وعلى جبينك نام طفل جائع

وعليه تصرخ دمعة خرساء

واليأس يقتلنا بطول ظلامه

وتعربد الأحزان كيف تشاء

وقف الجمال لديك مسلوب الخطى
تفجرت من وجنتيه دماء

وعلى ظلال الدرب حامت صرخة

الأم يأكل لحمها الجبناء

وسط الذئاب تناثرت أشلاؤها

يا ويح قلبي والأمور سواء

يا من سكرتم من رحيق دمائها

فوق التراب تشرد الأبناء

أبني العروبة لم تزل في مصرنا

رغم الجراح محبة وعطاء

* * *

لو لم تكن مصر العريقة موطني

لغرست بين ترابها وجداني

وسلكت درب الحب مثل طيورها

وغدوت زهرا في ربى بستان

وجعلت من عطر الزمان قلائدا

ونسجت بين قبابها إيماني

فمتى نعيد لمصر بسمة عمرها؟

ما أتعس الدنيا مع الأحزان

* * *

مصر الحبيبة يا رفاقي كعبة

لا تتركوها مرتع الأوثان

فالعمر ليس بضاعة مسلوبة

والعمر ليس بدرهم وغواني

الله يشهد أننا رغم الأسى

لم ننس يوما قبلة الرحمن

يا من سكرتم من رحيق دمائها

وغزوتم الدنيا بزيف لسان

عندي لكم رغم الجراح نصيحة

لا خير في مال بلا إنسان

الأرض والإنسان

عانقت بين جفونك الأزهارا

ورأيت ليل العمر فيك نهارا

ولطالما سلك الفؤاد مدائنا

وبقيت وحدك قبلة ومزارا

كم لاحت الأيام بعدك ظلمة

فرأيت أطياف المنى أسوارا

وظللت أسكب من رحيقك أدمعي

حتى غدت بعد النوى أنهارا

يا نيل ماؤك للوجود هداية

عاشت على درب السنين منارا

ما كان حبك في دمائي رغبة

محمومة ما جئته مختارا

قدر هواك وقد بقيت بسره

إن ضقت يوما لا أطيق فرارا

* * *

يا نيل فيك من الحياة خلودها

كل الورى يفنى وأنت الباقي

في ظل ثغرك كم تبسم عمرنا

وبقيت دوما واحة العشاق

وعلى ضفافك أمنيات عذبة

وبريق عمر لاح في الأعماق

همنا عليك وفي الجوارح خمرة

عصفت بها يوما شراع الساقي

وعلى جبينك داعبتنا أنجم

حتى أفاق العمر بالإشراق

وتنسمت خفقاتنا عهد اللقا

من راحتيك بلهفة المشتاق

* * *

وسمعت صوتك ذات يوم يشتكي

ودنوت منك تهزني أحزاني

وتلعثمت شفتاك في صمت اللقا

حتى تلاقى الماء بالشطآن

وسألتني كيف الحياة نعيشها؟

فأجبت: صار العمر طيف أماني

عشنا على أمل صغير مشرق

صلبوه من زمن على الجدران

الأرض تأكلها الهموم فأقسمت

ألا يعود الزهر للأغصان

صلبوا الربيع على المشانق فانزوت

أطياره وهوت مع الحرمان

* * *

ورأيت دمع النيل يجري في أسى

ودنا إلي وقال: أنت الجاني

علمتكم أن الحياة وديعة

فالحق عمر و الظلال ثواني

والناس ترحل كل يوم.. إنما

سيظل كل الخلد للأوطان

أسافر منك.. وقلبي معك


وعلمتنا العشق قبل الأوان

فلما كبرنا ودار الزمان

تبرأت منا.. وأصبحت تنسى

فلم نر في العشق غير الهوان

عشقانك يا نيل عمرا جميلا

عشقناك خوفا وليلا طويلا

وهبناك يوما قلوبا بريئة

فهل كان عشقك بعض الخطيئة؟!

* * *

طيورك ماتت.. ولم يبق شيء على شاطئيك

سوى الصمت والخوف والذكريات

أسافر عنك فأغدو طليقا

ويسقط قيدي

وأرجع فيك أرى العمر قبرا

ويصبح صوتي بقايا رفات..

* * *

طيورك ماتت

فلم يبق في العش غير الضحايا

رماد من الصبح.. بعض الصغار

جمعت الخفافيش في شاطئيك

ومات على العين.. ضوء النهار

ظلام طويل على ضفتيك

وكل مياهك صارت دماء

فكيف سنشرب منك الدماء..؟

* * *

ترى من نعاتب يا نيل قل لي..

نعاتب فيك زمانا حزينا..

منحناه عمرا.. ولم يعط شيئا..

وهل ينجب الحزن غير الضياع

ترى هل نعاتب حلما طريدا..

تحطم بين صخور المحال

وأصبح حلما ذبيح الشراع..

ترى هل نعاتب صبحا بريئا

تشرد بين دروب الحياة

وأصبحا صبحا لقيط الشعاع

ترى هل نعاتب وجها قديما

توارى مع القهر خلف الظلام

فأصبح سيفا كسيح الذراع

ترى من نعاتب يا نيل قل لي..

ولم يبق في العمر إلا القليل..

حملناك في العين حبات ضوء

وبين الضلوع مواويل عشق..

وأطيار عشق تناجي الأصيل..

فإن ضاع وجهي بين الزحام

وبعثرت عمري في كل أرض..

وصرت مشاعا فأنت الدليل..

ترى من نعاتب يا نيل قل لي..

وما عاد في العمر وقت

لنعشق غيرك..

أنت الرجاء

أنعشق غيرك..؟

وكيف وعشقك فينا دماء

تعود وتغدو بغير انتهاء..

* * *

أسافر عنك

فألمح وجهك في كل شيء

فيغدو الفنارات يغدو المطارات

يغدو المقاهي..

يسد أمامي كل الطرق
يا نيل كي أحترق

* * *

وأهرب حينا

وأصبح في الأرض طيفا هزيلا

وأصرخ في الناس أجري إليهم

وأرفع رأسي لأبدو معك

فأصبح شيئا كبيرا.. كبيرا

طويناك يا نيل بين القلوب

وفينا تعيش.. ولا نسمعك

تمزق فينا..

وتدرك أنك أشعلت نارا

وأنك تحرق في أضلعك

تعربد فينا

وتدرك أن دمانا تسيل

وليست دمانا سوى أدمعك

تركت الخفافيش يا نيل تلهو

وتعبث كالموت في مضجعك

وأصبحت تحيى بصمت القبور

وصوتي تكسر في مسمعك

قد غبت عنا زمانا طويلا

فقل لي بربك من يرجعك

فعشقك ذنب.. وهجرك ذنب

أسافر عنك.. وقلبي معك