Loading

السبت، 10 مارس، 2012

هوامش حره : شي ء مـــن عتـــاب الأشقـــاء

هوامش حره
شي ء مـــن عتـــاب الأشقـــاء
بقلم: فاروق جويدة
21/10/2011






كثير من الصقيع البارد بدأ يتسلل الي حرارة العلاقات المصرية العربية في الشهور الأخيرة وبالتحديد منذ قيام ثورة‏25‏ يناير التي أطاحت بالرئيس السابق وعدد من رموز حكمه‏..‏
وفي هذا السياق يمكن ان نجد مبررا لعلاقات شخصية ربطت بين الرئيس السابق وأسرته وعدد من القيادات العربية.. نستطيع ان نجد لهذه العلاقات مبررا في اطار العلاقات الإنسانية الا انه من الصعب ان تحكم هذه العلاقات تاريخا طويلا من العلاقات الوثيقة بين الشعب المصري والشعوب العربية.. لا يستطيع الإنسان ان يتصور ان هذا العمق التاريخي كانت تحكمه في الاساس مشاعر شخصية بين حاكم وحاكم لأن الأصل في الحكاية كلها ان الشعوب هي الابقي وان حكامها مهما طال بهم الزمن الي زوال..
لا أجد مبررا لهذا الجفاء الذي تتعامل به الحكومات العربية مع المصريين لأنهم قرروا رحيل نظام فاسد اضاع عليهم فرص التقدم والحرية والرخاء.. ولا يمكن ان نختصر العلاقات المصرية العربية في لقاءات بين الحكام هنا أو هناك خاصة أنها كانت تمثل زمنا طويلا ضائعا في تاريخ هذه الامة والذي يؤكد ذلك ان اخطر قضايا هذه الأمة وهي القضية الفلسيطنية لم تتحرك للأمام خطوة واحدة لأكثر من عشرين عاما في ظل هؤلاء الحكام وبقيت حائرة في كواليس الحكومات العربية والمؤامرات الدولية..
لا أريد ان أتحدث عن عمق العلاقات بين الشعوب العربية لان شواهدها ومقوماتها التاريخية اكبر من كل الحوادث الطارئة ولكن الغريب في الامر هذا البرود الذي اجتاح هذه العلاقات بعد رحيل الرئيس السابق وكأنه رسالة الي المصريين تطالبهم برفض ثورتهم والعودة الي ماضيهم الاليم..
ان هذا لا يمكن ان يعكس حبا للشعب المصري وان كان يؤكد ان علاقات الحكام بعضهم ببعض هي التي تحكم مسيرة العلاقات بين الدول حتي وان تعارض ذلك مع مصلحة الشعوب وطموحاتها ورغبتها في التغيير من أجل مستقبل وحياة أفضل. لهذا وقف العالم شرقا وغربا ينتظر رد الفعل العربي تجاه الثورة المصرية وبعد شهور من نجاح الثورة كان الرد بطيئا متثاقلا وباردا وغريبا.. وربما طرح ذلك أكثر من سؤال أمام المصريين وهم يتابعون شواهد كثيرة تؤكد وجود تغييرات جوهرية في مسيرة العلاقات بين مصر وأشقائها العرب..
< جاء الحديث عن الدعم المالي العربي لمصر سواء كان حكوميا أو شعبيا أقل بكثير من كل التوقعات بل ان الأحاديث التي ترددت عن دعم خاص لبعض القوي السياسية قد ترك ظلالا من الشك حول سوء النوايا تجاه ما يحدث في مصر.. اذا كان هناك عزوف عن دعم الشعب المصري في هذا الظرف التاريخي الصعب فلماذا الإصرار علي دعم قيادات تعارض الثورة وتساند النظام السابق أو علي الاقل تساهم في زرع بذور الفتنة بين تيارات سياسية ودينية متعارضة يؤكد ذلك أموال كثيرة تدفقت علي عدد من رموز المجتمع المدني تحت بند التبرعات والمنح وهو ما يتعارض مع انشطة هذه التيارات.
< كانت هناك مؤشرات تعكس بعض المواقف الجديدة والغريبة في مسار العلاقات بين مصر والأشقاء العرب حين جاء وفد من المحامين من دولة الكويت للدفاع عن الرئيس السابق أمام القضاء المصري تحت دعوي ان الرئيس السابق شارك في تحرير الكويت في حرب الخليج رغم ان الذين حاربوا في الكويت هم أبناء الجيش المصري وكان أمرا غريبا أن تسمح حكومة الكويت لقناة فضائية خاصة أن تهاجم الشعب المصري تحت دعاوي الدفاع عن رئيسه السابق.. والأعجب من ذلك ان بعض الشركات الأجنبية التي تعمل في مصر نقلت نشاطها الي بعض دول الخليج ومعها موظفوها المصريون ولكن السلطات في هذه الدول رفضت دخول هؤلاء الموظفين وإعطاءهم تأشيرات للعمل في شركاتهم, إن أعدادا كبيرة من المصريين العاملين في دول الخليج يعانون الآن كثيرا للحصول علي تأشيرات الدخول إلي هذه الدول..
< في الوقت الذي وصلت فيه إلي القاهرة وفود دولية كثيرة منذ قيام الثورة وحتي الآن لم يصل حاكم عربي واحد بل ان الاغرب من هذا ان بعض هؤلاء الحكام يعرضون قصورهم للبيع في شرم الشيخ وكأنهم يودعون عصرا من العلاقات التي كانت تربطهم بالنظام السابق.. مما يؤكد أنها كانت علاقات أشخاص ولم تكن علاقات شعوب وأوطان ومصالح..
< إن عددا كبيرا من المستثمرين الكبار من بعض الدول العربية قد سحبوا استثماراتهم من مصر خاصة تعاملاتهم في البورصة في الأسابيع الأخيرة وربما كان هذا أحد أسباب التراجع المستمر في نشاط البورصة وخسائرها الضخمة. ولا احد يعلم هل كان ذلك بإيعاز من حكومات هذه الدول أو أنها سلوكيات خاصة امام حالة الارتباك التي أصابت الاقتصاد المصري بعد الثورة.. وان كنت أري ان موقف رجال الأعمال العرب ينبغي ان يؤكد حرصهم علي استمرار بقائهم في مصر حتي وان عانوا من بعض الأزمات والمشاكل فالقضية ليست صفقات سريعة رابحة ولكنها قضية علاقات ممتدة ومصالح مشتركة..
لابد ان نعترف ان هناك علاقات وطيدة ربطت بين النظام السابق وعدد من رموز الحكم في الدول العربية.. ان الأطماع المالية والمادية التي حكمت طموحات وسلوكيات النظام السابق تركت سيلا من المصالح مع هذا النظام.. وكانت بنود الهدايا والدعم والصفقات أكثر ما يميز هذه العلاقات ولاشك ان هذا كان بعيدا تماما عن روح العلاقات المصرية- العربية القديمة التي قامت علي التواصل الفكري والإنساني الرفيع بما كان يحمله من الفنون الراقية والثقافة الحقيقية.. وتحولت رموز النظام السابق الي أعمال السمسرة والتجارة والعمولات بل وصل الأمر الي طلب الهدايا..
وقد وصلت درجة الاقتناع والرغبة في تقليد النموذج العربي شديد الثراء لدي النظام السابق الي المنافسة في شراء الطائرات والقصور والسيارات والسفن والأرصدة في الخارج رغم ان مصر لا تملك موارد هذه الدول ولا عدد سكانها ولا ظروفها التاريخية والاجتماعية.. وقد وصل بنا الحال في التأثر بهذه النماذج إلي توريث الحكم دون اي تفكير في اختلاف الظروف والفرق الشاسع بين وطن يسكنه85 مليون إنسان بكل احتياجاتهم ودول وإمارات عربية يسكنها بضعة آلاف من البشر..
لابد ان يدرك أصحاب القرار في العواصم العربية ان المصريين لديهم الكثير من العتاب لان أسباب رحيل رأس النظام السابق كانت خطايا نظام ولم تكن تهور شباب أو جحود شعب كما يصور البعض وكانت ثورة حقيقية لشعب يستحق مكانة أفضل ودورا أعظم ولم تكن مجرد انقلاب شعبي ضد حاكم..
هناك علاقات تاريخية بين الشعب المصري والشعوب العربية بما فيهم حكام تركوا رصيدا ضخما من العرفان لدي المصريين.. ان الشعب المصري لن ينسي مواقف الملك فيصل في مؤتمر الخرطوم بعد نكسة67 مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ولن ينسي مواقفه في حرب أكتوبر وقراره بوقف تصدير البترول وله في قلوبنا ووطننا أكثر من مكان.. ولن ينسي المصريون محبة الشيخ زايد لأرض الكنانة وهناك أكثر من مكان وأكثر من أثر يحملون أسمه وذكراه.. ولن ينسي المصريون موقف السلطان قابوس حين رفض قرارا عربيا جماعيا بقطع العلاقات مع مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل في السبعينيات من القرن الماضي.. ولن ينسي المصريون مواقف الزعيم الجزائري الراحل هواري بومدين في حرب أكتوبر.. وهم لا ينسون ابدا دماء شهدائهم التي اختلطت مع دماء شهداء سوريا والأردن وفلسطين والسودان في أكثر من حرب وأكثر من مواجهة..
لن ينسي العالم العربي دور مصر السياسي والحضاري والتاريخي والثقافي واحتضانها للرموز الوطنية في العالم العربي سواء في العهد الملكي أو في عهد ثورة يوليو.. هناك عشرات الزعماء الذين خاضوا رحلة نضالهم ضد الاستعمار من أرض الكنانة أو بدعم منها.. لن ينسي العالم العربي موقف مصر وحروبها من أجل القضايا العربية خاصة قضية فلسطين.. لقد عبر الزعماء العرب الكبار نحو أمجادهم التاريخية من القاهرة في ليبيا كان الملك السنوسي وعمر المختار وفي الثورة الجزائراية ثورة المليون شهيد كانت رحلة الاستقلال وفي تونس الحبيب بورقيبه والأزهري والمهدي وعبود في السودان وياسر عرفات وأحمد ياسين في فلسطين وعبد السلام عارف في العراق والقوتلي في سوريا.. وكان الفن المصري والثقافة المصرية رسل محبة وتحضر وجلال بين الشعب المصري وأشقائه العرب.. لم تكن العلاقات بين مصر وعالمها العربي علاقات حكام وقصور وشعارات ورحلات مكوكية لقد كانت تواصل تاريخ ولغة ودين وحضارة ودم.. فكيف نختصر كل هذا التاريخ في حاكم يرحل أو آخر يجيء..
ان الذي يريده المصريون الآن ليس دعما ماليا أو معونات من هنا وهناك ان المطلوب فقط ان يشعر كل مواطن مصري ان ما حدث شأن مصري خالص..
سوف يستعيد المصريون عافيتهم في كل مجالات الحياة وهم يدركون بحسهم التاريخي ان كل حبة رمل في العالم العربي تساند أرضهم الطيبة في ثورتها وان المصريون الحقيقيون قادمون بعد غياب طال..
المصريون قادمون بسلوكياتهم الرفيعة في تعاون حقيقي بين ابناء شعوب واحدة من أجل مصالح مشتركة للشعوب وليس لحساب نظام فاسد أو عصابة من المرتزقة..
المصريون قادمون بثقافتهم الرفيعة التي قدمت لأمتهم العربية أعظم رموزها في الفن والأدب والعلم والأخلاق..
المصريون قادمون بالحرية.. والعدالة.. والمساواة وروح عصر جديد يحافظ علي ثوابت الاوطان ولا يقطع صلتها بالحاضر والمستقبل..
المصريون قادمون بالتدين الصحيح.. والإيمان الحقيقي والإسلام الوسطي الرفيع.
قد يكون لدينا شيء من العتاب والإحساس بقدر من المرارة امام مواقف لا نفهمها تجاه الثورة المصرية.. ولكن ما أجمل ان نقول.. ويبقي الود مابقي العتاب.