Loading

الثلاثاء، 12 أبريل، 2011

هوامش حره : أكتوبر‏..‏ وذاكرة الوطن

هوامش حره 
أكتوبر‏..‏ وذاكرة الوطن
بقلم: فاروق جويدة
 
08/10/2010

من المستحيل أن تعيش الشعوب علي حاضرها فقط بكل ما قد يحمله من مظاهر الضعف والاستكانة‏,‏ ولكن الشعوب الحية تحافظ علي تاريخها في وجدان الأجيال جيلا بعد جيل تستمد منه القوة والإرادة في مواجهة الأزمات‏..
وفي بعض الأحيان تتراخي ذاكرة الشعوب وتصيبها أمراض كثيرة في مقدمتها زهايمر التاريخ فتري انتصاراتها أشباحا معلقة علي الجدران.. وتري أمجادها أطيافا تتزاحم علي الأركان.. وتري الحياة من ثقب صغير يضيق مع الأيام حتي يصبح الأمس ظلالا.. وتصبح الأمجاد مجرد خاطر عبر..
كنت أجلس مع صديق قديم شارك في حرب أكتوبر المجيدة ومازال أستاذا بإحدي كليات القمة في العلوم الإنسانية قال لي بحزن شديد في الأسبوع الماضي شعرت بحنين جارف أن أتحدث مع طلابي عن حرب أكتوبر التي عشنا معها أعظم انتصاراتنا ووجدت في نفسي رغبة شديدة أن أحكي معهم بعض ذكرياتي في هذه الأيام العظيمة, وللأسف الشديد فوجئت وأنا أسأل الطلاب وأتحاور معهم أنهم لا يعرفون شيئا عن حرب أكتوبر.. لا يعرفون تاريخا ولا رموزا ولا شهداء.. وحتي الأحداث السياسية التي دارت في هذا الوقت لم يقرأوا شيئـا عنها.. كان صديقي هذا واحدا من الجنود الذين قاتلوا في حرب أكتوبر وكنا يومها شبابا قهرتهم أحزان النكسة وعادت لهم الحياة مع تباشير النصر..
بدأت ذكري أكتوبر الحدث والتاريخ تنسحب من حياتنا عاما بعد عام, بدأت بعدد من الأوبريتات الفنية السريعة وانتهت ببعض الذكريات التي يرويها الرجال الذين شاركوا فيها ومازالوا علي قيد الحياة..
مرات كثيرة طلب الرئيس مبارك, وهو يجتمع مع الفنانين والمثقفين كان أخرها في الأسبوع الماضي, بأن نقدم عملا فنيا كبيرا يجسد هذا النصر العظيم.. ولكن يبدو أن المسئولين عندنا تبهرهم أشياء أخري غير أكتوبر وتغريهم احتفاليات أكثر صخبا وأسفارا وأرباحا.. ومكاسب ابتداء بزهرة وأزواجها المائة وانتهاء باحتفالية الألفية الشهيرة منذ سنوات عند سفح الهرم لفنان فرنسي مغمور..
لا يستحق أكتوبر في رأي المسئولين عن عقل وذاكرة مصر عملا فنيا كبيرا, فقد مضي الحدث والحاضر أفضل من الماضي والحي أبقي من الميت والشهداء الآن في رحاب الخالق سبحانه وتعالي وحتي ليالي رمضان الشهر المبارك أصبحت في حاجة إلي الأنس والفرفشة وليست في حاجة إلي العبادة والصلوات واستعادة صور لشهداء رحلوا أو أحياء لا يذكرهم أحد..
طلاب الجامعات لا يعرفون شيئـا عن حرب أكتوبر, ماذا نسمي هذا!, أنها جريمة مشتركة يتحمل مسئوليتها أمام الله والوطن ثلاث مؤسسات رسمية هي التعليم والإعلام والثقافة.. لقد شوهت وزارة التربية والتعليم تاريخ مصر وإذا بحثت عن حرب أكتوبر في كتب التاريخ في معظم مراحل التعليم فهي لا تتجاوز سطورا قليلة.. ومن أين يقرأ أبناؤنا التاريخ وما هي مصادرهم.. لا يوجد برنامج ثقافي تليفزيوني محترم يخاطب عقول المصريين ويعيد معهم ذكريات النصر.. ولا توجد ندوة تناقش حرب أكتوبر.. وحتي الندوات تتم في السر كأنها أعمال ضد القانون فلا يعرف عنها أحد شيئـا.. إذا كان متحف محمود خليل المسروق يزوره في اليوم تسعة أشخاص منهم اثنان فقط من المصريين فأين ستكون حرب أكتوبر في ذاكرة هذا الشعب.. ثلاثية الضياع في هذا البلد هي التعليم والإعلام والثقافة.. هي التي قدمت أجيالا مشوهة لا تعرف تاريخها ولا تذكر ماضيها, ثم بعد ذلك نتباكي علي غياب الانتماء وفقدان الهوية..
والسؤال الأخطر الآن.. ماذا بقي في حياة المصريين من روح أكتوبر.. ماذا بقي من هذا الأداء العبقري.. وهذه الملحمة التي مازالت تدرسها مراكز الأبحاث والجامعات في العالم عن عبقرية الجيش المصري الذي حقق هذا النصر..
< في دقائق قليلة انطلقت في سماء سيناء220 طائرة مصرية تدمر مراكز العدو وغرف القيادة ومراكز الاتصال واندفعت حشود الجيش المصري علي امتداد150 كيلومترا شرق القناة وفي وقت واحد كان2000 مدفع يطلقون121 ألف قذيفة في أقل من ساعة زمن.. وأغلقت القوات الخاصة مواسير النابالم وأزالت15 ألف متر مكعب من الرمال لتمهد لعبور الدبابات وفي ساعات قليلة كان تركيب الكباري التي عبرت عليها مدرعات جيش مصر لنجد800 دبابة شرق القناة لتشهد سيناء واحدة من أشرس معارك الدبابات في التاريخ العسكري في العصر الحديث.. وفي ليلة9 و10 أكتوبر كانت إسرائيل قد خسرت850 دبابة..
هذه هي روح مصر وجيش مصر في لحظة تاريخية لم نمسك بها لتكون طريقنا نحو المستقبل.. من يصدق أن هذه الأرض التي شهدت هذا التحدي وهذه المعجزة تقف الآن حائرة أمام طوابير الخبز ونار الأسعار وانقطاع الكهرباء وزواج السلطة ورأس المال..
< في ساعة العبور اختلطت دماء المصريين فلم يفرق التراب وهو يحتضن الشهداء بين غني وفقير وبين مسلم ومسيحي وبين سكان الزمالك وسكان منشية ناصر.. كان الوطن لنا جميعا.. وكان العدل لم يزل صارما وهو يقف كالصراط المستقيم بين أبناء الشعب الواحد.. إن هذه الصورة تختلف تماما عن صورتنا اليوم فلا البشر هم البشر ولا الأماكن هي الأماكن ولا ميزان العدل هو نفس الميزان.. انقلبت الخريطة الاجتماعية في مصر بين سكان المنتجعات وضحايا العشوائيات.. بين من استباحوا كل شيء ابتداء بدماء الشهداء ومن لم يأخذوا أي شيء غير نار الأسعار وصفقات السماسرة..
في حرب أكتوبر لم تسجل مراكز الشرطة المصرية طوال أسبوعين جريمة واحدة في مصر كلها.. والآن لا يخلو صباح يمر علي المصريين دون أن تفاجئهم عشرات بل مئات الجرائم علي صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون ما بين القتل والنهب والسرقة..
< حين اختلطت دماء الشهداء وهي تعانق تراب سيناء كانت الأرض لهم جميعا وكانوا يشعرون أن كل نقطة دم سالت وحررت شبرا هي وثيقة حب وعهد بين الشهيد وأرضه.. ماذا تقول الآن دماء الشهداء في سيناء وهي تري أن كل ما أقيم فيها بعد تحريرها مجموعة مزارات سياحية علي الشاطيء الأزرق لعدد من الأشخاص لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة وبقيت الرمال تروي قصة رجال عبروا واستشهدوا لتسرق دماءهم الذكية مجموعة من سماسرة السياحة وبوتيكات البازارات والملاهي الليلية..
< في حرب أكتوبر اجتمعت إرادة جيش عظيم مع شعب يدرك مسئولياته ويعرف شيئـا أسمه تراب الوطن.. كان كل مصري سواء كان مدنيا أو عسكريا علي استعداد لأن يموت في سبيل هذا التراب, ولم يكن هذا التراب حتي هذه اللحظة مجرد مزادات لبيع الأراضي للقادرين والمغامرين وجهابذة الحزب الوطني ولكنه كان الوطن بكل ما تعنيه الكلمة من الجذور والهوية والانتماء.. اختلطت الأوراق ولم نعد نفرق بين تراب ينبغي ألا يباع وتراب تحول إلي دراهم في أيدي المزايدين والتجار..
< في حرب أكتوبر كانت مصر فقيرة في مالها ولكنها كانت غنية برجالها وتضحيات أبنائها.. ولم يكن السعار المادي الرهيب قد أفسد كل شيء في حياتنا.. كانت قوة الإنسان المصري في قدرته.. وأصبحت الآن في دفتر شيكاته كان تميزه في صدق انتمائه وتفوقه والآن صارت عبقريته في رصيد علاقاته وما نهب من أموال.. أصبحنا الآن وقد أصابتنا لعنة المال نلهث وراء كل شيء وبعد أن كنا ندافع ونموت في سبيل الوطن أصبحنا نموت في سبيل القرش..
< في حرب أكتوبر تعانق الصليب مع الهلال وفي خندق واحد وقف محمد وعيسي وكلاهما يحمل وسام جيش مصر العظيم, الجميع كان يكبر ويطلب النصر من الخالق سبحانه وتعالي.. وارتفعت أصوات المآذن وأجراس الكنائس في لحظة تجاوزت حدود كل شيء.. كنا ندافع عن وطن عزيز اسمه مصر حينما كانت لنا جميعا ولم تكن قد تعرضت لعملية خطف سريعة في لحظة دامية.. والآن هل يعقل أن تشتبك الأيدي التي تعانقت بالأمس.. هل يعقل أن الدماء التي توحدت في لحظة عشق لهذا التراب يمكن أن تتصارع.. هل يمكن أن اختلف مع جاري وأنا لم أفكر يوما هل هو مسيحي أم مسلم.. كانت قدسية الوطن أكبر من خلافات العقائد وكان تراب الوطن يوحدنا في كل شيء حين نسجد عليه في لحظة إيمان صادق.. حين نسجد أو نموت أو نعانق هذا التراب لا يسألنا هل كنا من أتباع عيسي أم من أتباع محمد..
< إن أكتوبر يسألنا الآن بعد ثلاثين عاما ماذا صنعتم بالسلام.. وماذا أخذتم من دماء الشهداء.. كان المفروض أن تكون ثمار السلام والاستقرار والرخاء لنا جميعا وليس لمجموعة أشخاص أقاموا تشكيلا عصابيا واستولوا علي كل شيء.. كان ينبغي أن يكون توزيع الثمار عادلا ولكن الشيء الغريب أن الفقراء ازدادوا فقرا وأن الأغنياء ازدادوا سفها..
أعود إلي حيث بدأت أن انتصار أكتوبر ليس من حق وزراء التعليم والثقافة والإعلام حتي يشوهوا ذاكرة هذا الوطن ويتجاهلوا حدثـا من أعظم أحداثه.. أن هذا النصر ملحمة جيش عظيم وإرادة شعب حي ولحظة تاريخية جاءت خارج السياق وخارج الزمن.. وإذا كان الرئيس مبارك قد طلب من المسئولين والمثقفين والفنانين عملا فنيا كبيرا عن نصر أكتوبر فإنني أتصور أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تؤتمن علي هذا العمل هي جيش مصر حتي يبقي في ذاكرة هذا الوطن..
في مصر مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية من الخطأ أن تؤتمن علي ذاكرة هذا الشعب بعد أن فشلت في حماية تراثه وتاريخه..
لقد فسدت منظومة التعليم والإعلام والثقافة بحيث أنها فقدت القدرة علي أن تميز بين فنون وثقافات تبني شعوبا وعقولا وتصنع تاريخا وفنون أخري للتجارة والتسلية وضياع الوقت في الأنس والفرفشة.. وتفتح أرصدة في البنوك..
أن ثقافة المزادات والصفقات والمنشآت لا يمكن أن تقدر قيمة حدث في حجم إنجاز أكتوبر العظيم ولهذا فإن الجيش أولي بنصره وأحق بأن يحمي ذاكرة هذا الوطن فهي آخر ما بقي لنا أمام سماسرة الأراضي وباعة التاريخ..
.. ويبقي الشعر
ما زال يركض بين أعماقي
جواد جامح..
سجنوه يوما في دروب المستحيل..
ما بين أحلام الليالي
كان يجري كل يوم ألف ميل
وتكسرت أقدامه الخضراء
وانشطرت خيوط الصبح في عينيه
واختنق الصهيل
من يومها..
وقوافل الأحزان تـرتـع في ربوعي
والدماء الخضر في صمت تسيل
من يومها..
والضوء يرحل عن عيوني
والنـخيل الشـامخ المقهور
في فـزع يئن.. ولا يميل..
ما زالت الأشـباح
تسكر من دماء النيل
فلتخبرينـي.. كيف يأتي الصبح
والزمن الجميل..
فأنا وأنت سحابتـان تـحلقـان
علي ثـري وطن بخيل..
من أين يأتي الحلم
والأشباح تـرتع حولنا
وتغـوص في دمنا
سهام البطـش.. والقـهر الطـويل
من أين يأتي الصبح
واللــيـل الكئيب عـلي نزيف عيوننـا
يهوي التـسكـع.. والرحيل
من أين يأتي الفجر
والجلاد في غـرف الصغـار
يعلم الأطفال من سيكون منـهم قاتل
ومن القتيل..