Loading

الاثنين، 18 أبريل، 2011

هوامش حره : لماذا كان البيع‏..‏ ولماذا كان الشراء؟‏!‏

فاروق جويدةهوامش حره
لماذا كان البيع‏..‏ ولماذا كان الشراء؟‏!‏
بقلم: فاروق جويدة
19/11/2010
 

في يوم واحد توقفت عند خبرين علي درجة كبيرة من الأهمية
الخبر الأول يقول إن محلات عمر أفندي عادت مرة أخري إلي مستثمر مصري دفع فيها400 مليون جنيه للمستثمر السعودي الذي اشتراها من سنوات وثارت حولها ضجة كبيرة في ذلك الوقت علي أساس أن السعر كان أقل كثيرا من القيمة الحقيقية لفروع عمر أفندي والتي تبلغ82 فرعا في جميع المحافظات ومن بينها منشآت تاريخية لا تقدر الآن بثمن.. الجديد في الصفقة أن النائب العام المستشار عبد المجيد محمود طلب ملفات القضية وهي بين يديه الآن وكلي ثقة في النائب العام..
الخبر الثاني الذي لفت نظري هو قرار الحكومة المصرية بافتتاح مراكز تجارية مصرية دائمة في18 دولة أفريقية مرة واحدة لحساب شركة النصر للتصدير والاستيراد علي أن تبدأ هذه السلسلة من المراكز بالخرطوم مع بداية الشهر المقبل..
وقد يكون السؤال وما هي العلاقة بين عمر أفندي وفروعه في مصر.. وشركة النصر وفروعها في إفريقيا.. وما هي أوجه التشابه بين هذا وذاك..
الحقيقة أن السؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذه المقارنة.. لماذا كان البيع والانسحاب.. ولماذا كانت العودة.. وبمعني آخر ماذا أخذنا من هذا المشوار عندما أغلقنا مرة واحدة أكثر من30 فرعا لشركة النصر للتصدير والاستيراد في إفريقيا وعندما قررنا بيع82 فرعا لمحلات عمر أفندي بهذا الثمن البخس.. بلا مقدمات..
< كنت شاهدا علي تاريخ شركة النصر للتصدير والاستيراد في إفريقيا وكانت أول رحلة في حياتي قمت بها خارج مصر في دول غرب إفريقيا علي أحدي سفن هذه الشركة ويومها شاهدت فروع هذه الشركة تنتشر في كل مكان وكان تواجدها ودورها أكثر تأثيرا من السفارات المصرية في الخارج.. كان علي رأس هذه الشركة في ذلك الوقت السيد محمد غانم وهو كان ومازال صديقـا عزيزا وقد قدم لهذه الشركة أجمل سنوات عمره كفاحا وعطاء وصدقـا.. استطاعت فروع شركة النصر في ذلك الوقت أن تقيم علاقات اقتصادية فريدة مع دول إفريقيا في كل شيء ابتداء بالعمليات الدولية التي كانت تقوم بها الشركة لبيع محاصيل ومنتجات الدول الأفريقية في الأسواق العالمية وانتهاء بالسلع المصرية حتي وإن كانت محدودة الجودة أن تجد أسواقـا مفتوحة في دول أفريقيا يساندها دعم سياسي وعلاقات خاصة علي المستوي السياسي..
في أسواق أفريقيا كنت تجد الإنتاج المصري في كل شيء ابتداء بالمنسوجات والملابس وانتهاء بالسلع الكهربائية لم يكن إنتاجا مميزا ينافس ما تنتج مصانع فرنسا أو انجلترا ولكن العلاقات السياسية الحميمة بين مصر ودول إفريقيا المستقلة حديثـا كانت تعطي للإنتاج المصري تميزا شديد الخصوصية.. كانت علاقات عبد الناصر مع زعماء هذه الدول ميثاق تعاون يسبق كل شيء.. في غانا كان نكروما.. وفي غينيا سيكتوري وفي الكونغو لومومبا.. وفي كينيا جومو كينياتا وفي زامبيا كاوندا وفي تنزانيا نيريري وفي الحبشة هيلاسلاسي.. هؤلاء كانوا رسل مصر في إفريقيا.. ومن هنا استطاعت مصر بإمكانياتها الاقتصادية المحدودة وثقلها السياسي الذي تجاوز كل الحدود أن تقيم علاقات اقتصادية وسياسية فريدة مع هذه الدول.. وقد شاهدت بعيني أثر هذه العلاقات فقد كانت مصر تقدم كل أشكال الدعم لهذه الدول ابتداء بالدعم الفني والاقتصادي وانتهاء بالدعم العسكري.. لا نتجاوز إذا قلنا إن النفوذ المصري في هذه الدول في ذلك الوقت تجاوز نفوذ الدول الكبري بما فيها فرنسا صاحبة أكبر تاريخ سياسي في غرب أفريقيا.. وكانت إسرائيل يومها من الممنوعات المحرمة سياسيا واقتصاديا في هذه الدول..
لأسباب لا يعرفها أحد قررت مصر فجأة الانسحاب تماما من كل دول إفريقيا وللأسف الشديد كان الانسحاب غريبا فقد تم بيع جميع المنشآت المصرية في هذه الدول وفيها المؤسسات والمكاتب والفروع والمعارض والفنادق.. بيعت كل هذه المنشآت بتراب الفلوس وربما اشترت إسرائيل الكثير منها في زحمة التراجع والانسحاب.. في ضربة واحدة لا أحد يعلم أسبابها تمت تصفية فروع شركة النصر للتصدير والاستيراد في كل دول أفريقيا بما فيها الدول العربية مثل السودان والجزائر كان انسحاب مصر خسارة كبيرة علي المستوي الاقتصادي والجغرافي والسياسي خاصة مع دول حوض النيل..
حتي الآن لا أحد يعرف لماذا انسحبت مصر من أفريقيا وما هي مبررات هذا الانسحاب ولماذا باعت كل هذه الفروع.. الشيء المؤكد أن خروج مصر من إفريقيا ترك فراغا شديدا في كل شيء وكانت هذه هي الفرصة التاريخية أمام إسرائيل لترث الدور المصري ابتداء بالعلاقات الوثيقة جدا مع دول حوض النيل وانتهاء بفروع الشركات الإسرائيلية في دول غرب إفريقيا والتي قامت علي اطلال شركة النصر للتصدير والاستيراد من الذي باع الشركة.. ومن الذي قام بتصفية فروعها ودورها ورسالتها وما هي أسباب ذلك كله.. الله أعلم..
< علي الوجه الآخر من اللوحة السريالية التي لا يفهمها أحد كانت عمليات التصفية المبكرة لفروع وأنشطة محلات عمر أفندي.. لم يكن عمر أفندي من المؤسسات العادية في مصر فقد ارتبط دائما بأبناء الطبقة المتوسطة.. وبجانب عمر أفندي ملجأ البسطاء كانت محلات شيكوريل وجاتينيو وهانو وصيدناوي وبنزايون وهذه المحلات كانت تشبه إلي حد بعيد المحلات الشهيرة في الخارج مثل لافييت في باريس وماركس سبنسر في لندن وكانت هذه المحلات علي درجة لا يستهان بها في الأناقة والبساطة والنظافة..
في السنوات الأخيرة بدأ الإهمال يتسرب إلي محلات عمر أفندي.. ومع بيع المصانع خاصة الغزل والنسيج ساءت أحوال الإنتاج المصري ومع غزو السلع الأجنبية للسوق المصرية بدأت السلع المصرية رحلة التراجع أمام منافسة شرسة لا تقدر عليها في الأسواق.. وبدأت فروع عمر أفندي تغلق أبوابها وشعر العاملون فيه أن هناك شيئا ما يدبر لتصفية عمر أفندي.. وبالفعل نجحت المقدمات التمهيدية لتهميش دور عمر أفندي في حياة المصريين البسطاء.. وتم عرض هذا الكيان الضخم للبيع وهو الذي انشيء في عام1856 في أعرق وأقدم فروعه في شارع عبد العزيز بالعتبة عندما كانت خضراء.. ثار جدل طويل حول صفقة عمر أفندي خاصة فروعه التاريخية وانتهي الأمر ببيع الصفقة بمبلغ485 مليون جنيه في حين أن التقديرات كانت تؤكد أن قيمة عمر أفندي تتجاوز المليار جنيه..
والآن عاد عمر أفندي إلي المربع رقم واحد حيث يباع الآن لمستثمر مصري مرة أخري.. والسؤال الأكثر خبثا هل هناك طرف عربي آخر يقف بعيدا في الظل سوف يظهر في الوقت المناسب لشراء عمر أفندي علي أساس أن ما يجري الآن مجرد نقل للملكية وتصفية خلافات مع الحكومة والعمال وخروج مستثمر ليحل مكانه طرف ثالث لم يظهر بعد.. ما يحدث في مصر يجعل الإنسان يشك في نفسه وليس في صراعات ومناورات رأس المال..
قد تسألني عزيزي القارئ الآن وما هي علاقة فروع عمر أفندي التي تباع الآن للمرة الثانية وقد تنتظر الثالثة وبين فروع شركة النصر للتصدير والاستيراد التي بيعت بتراب الفلوس منذ سنوات وعدنا الآن نبحث عنها ونقيم فروعا جديدة..
أقول لك.. إنه التخبط والعشوائية وغياب الضمير لدي أصحاب القرار.. كان بيع فروع شركة النصر خطيئة لا تغتفر.. وكان خروج مصر من أفريقيا جريمة تدفع ثمنها الآن في دول حوض النيل وما يجري في جنوب السودان.. وكان تخريب فروع عمر أفندي قبل عرضه للبيع بسنوات إهدارا لأموال هذا الشعب واعتداء صارخا علي حقوقه..
كان أغرب تعليق سمعته حول صفقة عمر أفندي الأخيرة ما قاله د.أحمد نظيف رئيس الوزراء إن الحكومة لم تشتر عمر أفندي لأنها ليست تاجر قماش.. وكان الأغرب من تصريح د.نظيف ما أعلنه د.عثمان محمد عثمان وزير التنمية الاقتصادية ورئيس المجلس الأعلي للأجور إنه سيطلب عمالا من بنجلاديش وسيقبلون400 جنيه راتبا وربما أقل من
هذا هو مستوي تصريحات المسئولين عن80 مليون مواطن مصري ولهذا لم يكن غريبا أن نبيع مراكزنا التجارية في أفريقيا ونبحث لعمر أفندي عن تاجر قماش يشتريه.
ما بين فروع ومكاتب ومنشآت باعتها حكوماتنا الرشيدة بتراب الفلوس في أفريقيا منذ سنوات وإهمال متعمد لمؤسسة كبري كانت تخدم بسطاء هذا الشعب خيط واحد اسمه الفساد..
لماذا كان البيع.. ولماذا كان الشراء.. وما دور وسطاء السوء في ذلك كله.. هناك حلقة مفقودة وسط هذا الركام وحين يجيء وقت الحساب سوف نكتشف الحقيقة ونعرف كل شيء.. لماذا كان تخريب وبيع فروع شركة النصر في دول أفريقيا.. وتخريب وبيع محلات عمر أفندي في محافظات مصر.. إنه الفساد ولا شيء غيره..
.. ويبقي الشعر
وعلي بقايا مجدها المصـلـوب ترتع نجمة سوداء
فالعجز يحصد بالردي أشجارنا الخضراء
لا شيء يبدو الآن بين ربوعنـا
غير الشــتات.. وفرقـة الأبناء
والدهر يرسم
صورة العجز المهين لأمة
خرجت من التاريخ
واندفعت تهرول كالقطيع إلي حمي الأعداء..
في عينها اختلطت
دماء النـاس والأيـام والأشـياء
سكنت كهوف الضعف
واسترخت علي الأوهام
ما عادت تري الموتي من الأحياء
كـهانـها يترنـحون علي دروب العجز
ينتفضون بين اليأس والإعيـاء
ماذا تبقـي من بلاد الأنبياء ؟
من أي تاريخ سنبدأ
بعد أن ضاقـت بنا الأيـام
وانـطفأ الرجاء
يا ليـلة الإسراء عودي بالضياء
يتسلــل الضوء العنيد من البقيع
إلي روابي القـدس
تنـطلق المآذن بالنداء
ويطل وجه محمد
يسري به الرحمن نـورا في السماء..
الله أكـبر من زمان العجز..
من وهن القــلـوب.. وسكرة الضعفـاء
الله أكـبر من سيوف خانـها
غدر الرفاق.. وخسة الأبنـاء
جلباب مريم
لم يزل فوق الخليل يضيء في الظلماء
في المهد يسري صوت عيسي
في ربوع القدس نهرا من نقاء
يا ليــلة الإسراء عودي بالضياء
هزي بجذع النـخــلة العذراء
يساقط الأمل الوليد علي ربوع القدس
تنـتفض المآذن يبعث الشهداء
تتدفق الأنهار.. تشــتعل الحرائق
تستـغيث الأرض تهدر ثورة الشرفـاء
ياليـلة الإسراء عودي بالضياء
هزي بجذع النـخلة العذراء
رغم اختناق الضوء في عيني
ورغم الموت.. والأشلاء
مازلت أحـلم أن أري قبل الرحيل
رماد طاغية تناثر في الفضاء
مازلت أحـلم أن أري فوق المشانق
وجه جلاد قبيح الوجه تصفعه السماء
مازلت أحلم أن أري الأطفال
يقتسمون قرص الشـمس
يخــتبئون كالأزهار في دفء الشـتاء
مازلت أحـلم..
أن أري وطنـا يعانق صرختي
ويثور في شمم ويرفض في إباء
مازلت أحـلم
أن أري في القـدس يوما
صوت قـداس يعانق ليلة الإسراء
ويطل وجه الله بين ربوعنا
وتعود أرض الأنبياء
من قصيدة ماذا تبقي من بلاد الأنبياء سنة2000
  fgoweda@ahram.org.eg