Loading

الأحد، 27 يونيو، 2010

هوامش حرة : هيبة الدولة مرة أخري‏..‏


هوامش حرة
هيبة الدولة مرة أخري‏..‏

بقلم: فاروق جويدة
6/24/2010





 




كثيرا ما تحدثت عن قضية شائكة وخطيرة وتدعو للانزعاج وهي هيبة الدولة‏..

‏ وقد حذرت أكثر من مرة بأن هيبة الدولة هي أولي ضمانات الاستقرار‏..‏ والإحساس بالأمن‏..‏ وحين تختل هذه المنظومة التي تقوم علي مجموعة من الركائز المادية والمعنوية فإن ذلك يحمل مخاطر كثيرة‏..‏ ومن الخطأ أن يتصور البعض أن هيبة الدولة تتجسد فقط في قدرات أجهزة الأمن علي مواجهة المشاكل والأزمات وان الردع الأمني يمكن أن يكون بديلا للحوار أو المكاشفة‏..‏ إن الأمن في نهاية الأمر جناح واحد لأن هناك جناحا آخر يجب أن نحافظ عليه وهو العدالة‏..‏ إن قدرات الأمن مهما كانت كبيرة ومؤثرة لا يمكن أن تحقق وحدها هيبة الدولة ولكن العدل هو هذه القيمة المعنوية التي تضع الضوابط لكل شيء في المجتمع في السلوك والحقوق والواجبات والمسئولية وحين تهتز راية العدالة فإن ذلك يؤكد أننا أمام مؤشرات خطيرة أهمها فقدان هيبة الدولة‏..‏
أن الواضح الآن أن هناك ضربات متلاحقة تصيب هيبة الدولة المصرية وتهز مقوماتها‏..‏ وأستطيع أن أضع الكثير من هذه المؤشرات‏..‏
‏*‏ إن ما يحدث الآن بين القضاة والمحامين ليس مجرد‏'‏ خناقة‏'‏ بين فصيلين أو طائفتين من أبناء هذا الشعب ولكنها مواجهة خطيرة بين مؤسستين من مؤسسات العدالة‏..‏ وحين تهتز العدالة في مجتمع من المجتمعات فإن ذلك يعني اختلال أهم ثوابت هذا المجتمع‏..‏ ما شهدته الخناقة بين القضاة والمحامين في التراشق بالألفاظ والبيانات والشعارات والاضرابات والمظاهرات في الشوارع يؤكد أن حالة الانفلات التي أصابت الشارع المصري تهدد الآن كل شيء فيه‏..‏ والسؤال هنا كيف سمحت أجهزة الدولة بأن يصل الصدام إلي هذه الدرجة وهل أصبح من حق أي فصيل في هذا المجتمع أن يعلن تمرده وانفصاله واستقلاله عن ثوابت هذا المجتمع‏..‏ كيف فشلت أجهزة الدولة في أعلي مستوياتها في إنهاء هذا الخلاف‏..‏ ليست كل القضايا تعالج بالحوار والآراء والمواقف الشخصية ولكن هناك أمور تحتاج إلي قرار وحسم‏..‏ ولا يعقل أن يصبح من حق كل فئة في المجتمع أن تعلن تمردها وخروجها علي كل شيء‏..‏ بينما تقف الدولة بكل مؤسساتها في حالة عجز مريبة‏..‏ كنت أعتقد أن حسم هذا الخلاف‏..‏ يحتاج إلي أسلوب آخر في التعامل رغم تقديري الشديد لأطراف هذا الخلاف‏..‏ كان ينبغي أن يكون هناك اجتماع حاسم بين الأطراف سواء رضيت أم رفضت يخرج منه الجميع بصيغة واحدة تضمن احترام كل فئة للأخري دون تجاوزات أو تحذيرات أو إشعال الفتن بعض القضايا والمواقف خاصة ما يتعلق بأمن الوطن وهيبة مؤسساته يحتاج إلي مواقف تفرض احترام الثوابت مهما يكن ثمن ذلك‏..‏
‏*‏ ما حدث في حكم المحكمة الإدارية العليا حول الزواج الثاني للأقباط وموقف الكنيسة وقداسة البابا شنودة من الحكم لقد أدي هذا الحكم إلي انقسام الكنيسة علي نفسها ثم تضاعف الموقف بصدور بيانات من هنا وهناك وإصرار علي رفض هذا الحكم لأنه يخالف نصوص الإنجيل‏..‏ وفي مثل هذه المواقف لابد أن تعالج الأمور بحكمة ومسئولية‏..‏ نحن نقدر أحكام القضاء وفي نفس الوقف هناك شرائع لابد أن تحترم وثوابت لا يمكن إغفالها في مثل هذه الأمور‏..‏ هذه القضايا الحساسة تتطلب قدرا أكبر من الإحساس بالمسئولية من أجهزة الدولة ومؤسساتها‏..‏ ولكن يبدو أن العبث في منطقة الأديان والعقائد بدأ يأخذ أشكالا وصورا كثيرة وأكاد أجزم أن في مصر الآن تيارا غريبا يسعي لإشعال الفتنة في أخطر المواقع وهو الأديان السماوية‏..‏ هذا التيار يأخذ أشكالا كثيرة ويمارس دورا مريبا من خلال النخبة وبعض المثقفين الذين تحركهم أهواء وأغراض ومصالح‏..‏
‏*‏ إن اعتماد الدولة علي قوات الأمن في حل مشاكلها قد وصل بها إلي درجة من درجات العجز في مواجهة القضايا الحساسة‏..‏ لقد استخدمت الدولة قوات الأمن في فض تجمعات العمال المتظاهرين حول مجلس الشعب ومجلس الوزراء ونجحت في ذلك دون أن تبحث عن حلول حقيقية لمشاكلهم ومطالبهم مع جهات العمل ومؤسسات الدولة‏..‏
أن الدولة هنا تكيل بمكيالين وهذا يتعارض مع أبسط قوانين العدالة‏..‏ إنها تترك معركة القضاة والمحامين لتصل إلي مداها بل وتجاوزاتها‏..‏ وتترك المواجهة بين الكنيسة والقضاء لتصل إلي مداها‏..‏ بينما تواجه العمال الفئة الضعيفة بقوات الأمن‏..‏ أن ذلك يؤكد منظومة الخلل التي أصابت أجهزة الدولة حيث تأخذ ردود الأفعال عندها أكثر من صورة وأكثر من أسلوب رغم أن القضايا واحدة والمناخ لم يتغير‏..‏ إن التفرقة في أسلوب التعامل مع قضايا المجتمع وفئاته يترك أثارا بعيدة أقلها ضررا شعور البعض بالعجز وشعور البعض الآخر بالقوة وشعور طرف ثالث بالامتهان وهذه أمور تهدد هيبة الدولة‏..‏
‏*‏ لم تستطع الدولة أن تتحمل بضعة أشخاص في مجلس الشوري ينضمون إلي صفوف المعارضة واستطاع حزب الأغلبية أن يطيح بجميع المرشحين من كل صفوف المعارضة ولم يسمح إلا بعدد من المقاعد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة‏..‏ وهذا يؤكد أن حزب الأغلبية مازال يصر علي احتكار الساحة السياسية مهما يكن ثمن ذلك‏..‏ إن تقليص دور المعارضة وإجهاض الأحزاب السياسية والإصرار علي سيطرة الحزب الواحد كل ذلك يترك أثارا سيئة علي هيبة الدولة لأنه ينسف كل رصيد إيجابي يمكن أن يضيف لها ابتداء بنزاهة الانتخابات وانتهاء بفتح الأبواب أمام معارضة قوية ومؤثرة‏..‏
أن إحساس الأحزاب السياسية المنافسة بعدم تكافؤ الفرص وغياب العدالة في موقف الدولة من الانتخابات يترك الكثير من الآثار السلبية‏..‏ وربما كان هذا هو السبب في امتناع المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم أمام قناعات قديمة تتأكد كل يوم بعدم جدوي هذه الانتخابات وهذه الأشياء جميعها تسحب الكثير من رصيد هيبة الدولة‏..‏
‏*‏ وسط هذا الضباب الكثيف تطرح بعض القضايا نفسها حول استغلال النفوذ وغياب المصداقية والشفافية‏..‏ إن قصص تخصيص الأراضي وبيع مشروعات القطاع العام واستيلاء فئة قليلة من الأفراد علي ثروة الشعب أصاب المجتمع كله بحالة من الإحباط الشديد‏..‏ يدخل في ذلك قضايا دولية مثل رشاوي شركة مرسيدس التي لم يعلن عنها حتي الآن و‏400‏ مليون جنيه تعويضات حصل عليها وجيه سياج في قضية تحكيم دولي‏..‏ وبيع تراث مصر الفني ببضعة قروش لشركة روتانا‏..‏ وبيع جزيرة آمون ومساحتها‏300‏ فدان بسعر المتر‏80‏ جنيها لم يدفع المشترون منها سوي أربعة ملايين جنيه وقبلها أرض هدي شعراوي في ميدان التحرير وقصة الزواج الباطل بين رأس المال والسلطة‏..‏
كل هذه القصص التي تتناولها الفضائيات والصحف وأجهزة الإعلام تؤكد غياب الدولة في أهم مجالات مسئوليتها وهي حماية المال العام‏..‏ إذا كانت مؤسسات الدولة لا تحمي أموال الشعب‏..‏ ولا تحمي حقوق المواطنين ولا تستطيع الفصل بين طوائفه المتصارعة وتطيح بكل ثوابت هذا المجتمع في العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وعقاب المنحرفين فماذا يبقي لها بعد ذلك‏..‏
لقد ترتب علي هذا الوضع نتائج خطيرة أولها أن اعتماد الدولة علي قوة الأمن في حل مشاكلها جعلها تفتقد الوسائل البديلة للحلول الأمنية سواء كان ذلك بالتفاهم أو الحوار‏..‏ ولهذا طفت علي السطح مشاكل أخطر لا يمكن حلها أمنيا مثل الزواج الثاني للأقباط والخلافات بين القضاة والمحامين‏..‏ من هذه النتائج أيضا أن بعض الفئات وضعت نفسها فوق إرادة الدولة وهذا هو أخطر ما حدث في الأيام الأخيرة حين عجز كبار المسئولين عن حسم الخلاف بين القضاة والمحامين‏..‏
حين تتصور فئة من المواطنين أنها أكبر من الدولة بكل مؤسساتها فهذه بداية كارثة أكبر وماذا تفعل الدولة أمام فئات كثيرة أصبحت تري في نفسها دولة داخل الدولة وسلطة أكبر من كل السلطات إن إدارة شئون الدول تختلف كثيرا عن إدارة شئون العزب الخاصة‏..‏
وقد يكون السؤال الآن‏..‏ وما هو الحل‏..‏
نقطة البداية أن تعود مؤسسات الدولة إلي مواقعها في تحمل مسئولياتها كل في اختصاصه بدون تجاوزات أو إهمال أو استعراض القوة أو إلقاء المسئولية علي بعضها البعض‏..‏ أن أكبر الشواهد علي ذلك فشل هذه الأجهزة في مواجهة ما حدث بين القضاة والمحامين وبين الكنيسة والقضاء‏..‏
علي جانب آخر فإن الإفراط في استخدام سلطة الأمن جعل الدولة تسقط من حسابتها إمكانياتها الأخري في وضع الضوابط التي تكفل تحقيق هيبتها ومنها العدالة ممثلة في القضاء‏..‏ والثوابت ممثلة في رجال الفكر والدين ومنها الحوار من خلال سلطتها المدنية والفكرية ومنها السلوك والأخلاق والقيم وهذه الجوانب المعنوية التي قد لا نراها بالعين ولكننا نشعر بوجودها في كل شيء حولنا‏..‏
أن اهتزاز منظومة القيم في السلوك والتعامل بين المواطنين من اخطر الأشياء التي تهدد هيبة الدولة لأن المجتمع لا تحكمه فقط قوانين السلطة الأمنية ولكن هناك جوانب أخري لا يمكن إغفالها تبدأ بالعدالة‏..‏ وتنتهي بالحوار‏..‏
‏..‏ ويبقي الشعر
مت صامدا
واترك عيون القدس تبكي
فوق قبرك ألف عام‏..‏
قد يسقط الزمن الرديء
ويطلع الفرسان من هذا الحطام
قد ينتهي صخب المزاد‏..‏
وتكشف الأيام أقنعة السلام
إن نامت الدنيا‏..‏
وضاع الحق في هذا الركام
فلديك شعب لن يضل‏..‏ ولن ينام‏..‏
مت صامدا
واترك نداء الصبح يسري هادرا
وسط الجماجم والعظام
اترك لهم عبث الموائد
والجرائد والمشاهد والكلام
اترك لهم شبق الفساد
ونشوة الكـهان بالمال الحرام
أطلق خيولـك من قيود الأسر
من صمت المآذن
والكنائس والخيام
إن الشعوب وإن تمادي الظلم
سوف تدق أعناق السماسرة العظام
إن الشعوب وإن توارت
في زمان شالقهر
سوف تـطل من عليائها
ويعود في يدها الزمام‏..‏
فارفع جبينك نحو ضوء الشمس
إن الصبح آت
لن يطول بنا الظلام
‏'‏من قصيدة إلي آخر شهداء الانتفاضة سنة‏2003'‏
 ‏fgoweda@ahram.org.eg‏