Loading

الجمعة، 18 يونيو، 2010

هوامش حرة : الانفصال الشبكي‏..‏ بين الحكومة والشعب

هوامش حرة
الانفصال الشبكي‏..‏ بين الحكومة والشعب

بقلم: فاروق جويدة


فاروق 
جويدة

 

في مصر الآن صورتان متناقضتان لاشيء يجمع بينهما علي الإطلاق‏..‏ الصورة الأولي هي صورة السادة الوزراء وهم يجلسون في الصفوف الأولي في الاجتماعات الرسمية أو المناسبات الخاصة وكأنهم في معرض للأزياء الراقية‏,‏ حيث الملابس الأنيقة والابتسامات العريضة والإحساس الغريب بالسعادة والهدوء النفسي‏..‏
الصورة الثانية كنت أراها كل يوم وأنا أخترق شارع قصر العيني حيث يتمدد العمال مع أطفالهم علي أرصفة مجلس الشعب وأمام مبني مجلس الوزراء وهناك من اختار مجلس الشوري‏..‏ سيارات السادة الوزراء ومواكبهم تلقي غبارها كل صباح علي العمال النائمين علي الأرصفة وكأنها لا تشاهد أحدا صورة لم نشاهدها من قبل حيث تتجمع فئات متنوعة من العمال الذين طردتهم الحكومة من مصانعهم وأعمالهم وألقت بهم في متاهات المعاش المبكر‏..‏
هناك جانب آخر يبدو مع الصورتين تستطيع أن ترصده بدقة وهو عامل الوقت‏..‏ فلا أحد يحسب الزمن‏,‏ لا الوزراء العابرين ولا العمال النائمون‏..‏ كم من الوقت قد مضي علي هذه الصور الكئيبة‏..‏ إحساس غريب بالزمن حين يموت بين سلطة لا تشعر بما حولها‏..‏ ومواطنين أصبح الزمن لا يعني لهم شيئـا أمام تكرار الهموم والأزمات وضياع الأحلام وسنوات العمر‏..‏
هناك انفصال شبكي شديد بين الدولة والمواطنين‏..‏ بين الحكومة والشارع‏,‏ وهذا الانفصال ترك تلالا من الضباب الكثيف حيث تندفع السيارة بكامل سرعتها إلي المجهول لأن الجميع فقد القدرة علي أن يري أو يسمع أو يتكلم‏..‏
أكاد أجزم إن الحكومة أبعد ما تكون عن هموم الشارع المصري‏,‏ وان السادة المسئولين يشعرون بسعادة كاملة في مكاتبهم وأفراحهم ولياليهم الملاح‏,‏ فقد رتب كل مسئول منهم حياته ومستقبل أبنائه وكأن هذا هو مسئولية المنصب ودوره في الحياة‏..‏ وهذا الإحساس الغريب يجعل المسئول يهرب من كل شيء‏,‏ يغير حالته النفسية والمزاجية‏,‏ انه يشاهد كل ما يملأ نفسه بالراحة والسعادة وليس لديه استعداد أن يسمع كلاما يغير مزاجه أو يشاهد صورا تكدر عليه يومه السعيد‏..‏ إن حوله مواكب من المستفيدين من الموظفين واللصوص وتجار الأراضي والسماسرة وأرباب السوابق وأعضاء مجلس الشعب والإعلاميين والصحفيين وحين يطل النهار تبدأ جلسات النميمة وحفلات نفاق وتأليه وأحاديث عن شعب لا يقنع‏..‏ وبطون لا تشبع‏..‏ وحين يأتي الليل تضيء الأفراح ويجلس المسئولون معا يتبادلون أنخاب الزواج السعيد وربما الطلاق أيضا‏..‏ وأمام الأضواء المبهرة لا احد يري مشاكل الناس وكيف تتسلل مشاكل الغوغاء إلي مواكب الكبار وأفراحهم السعيدة‏..‏
لا يخلو يوم في حياة كبار المسئولين في المحروسة من مؤتمر أو مهرجان أو احتفالية كبري‏..‏ ولا يخلو مساء من فرح أو عيد ميلاد أو اجتماع للونز أو الروتاري‏..‏ يواكب هذا كله احتفال غنائي يشدو فيه أبو الليف بأحدث أغانيه ويغني فيه الجالسون بحبك يا حمار‏,‏ أو تظهر أمامهم علي الشاشات مطربة لبنانية وتحت أقدامها مليون جنيه من ملايين الخصخصة وديون اتحاد الإذاعة والتليفزيون التي تجاوزت عشر مليارات جنيه‏..‏ وحين ترتفع حرارة الجو وتلقي السحابة السوداء غبارها علي القاهرة الساحرة تنتفض مواكب المسئولين وتنطلق في رحلات مكوكية في مهمات عاجلة للخارج لإنقاذ الموقف الاقتصادي وتمويل عجز الميزانية‏,‏ وربما تشهد هذه الرحلات عمليات لشد الوجه وشد الحيل وإعادة الشباب الذي رحل‏..‏ خلف هؤلاء المترفون الجالسون علي الكراسي ينفقون مئات الملايين‏,‏تجد ملفات غاية في الخطورة لا أحد يقترب منها حتي أكلتها الفيران في غياب أصحاب القرار والسلطان‏..‏
‏*‏ تجد فضيحة دولية حول ملف مياه النيل وأن‏80‏ مليون مصري مهددون بالموت عطشا رغم أن تحت أقدامهم نهرا كان يقال في العصور القديمة أنه يأتي من الجنة‏..‏ أمام الثقة العمياء والإهمال الجسيم وعدم الجدية والتكاسل أصبحت مصر مهددة بكارثة‏..‏ الغريب في الأمر أن كل الناس يتحدثون عن كارثة قادمة‏,‏ ولكن السادة المسئولين كعادتهم لا يصدقون ما يقال بل أنهم يتحايلون علي الحقيقة ويظهرون للشعب أن القضية ليست بهذه الخطورة رغم أن الموت علي الأبواب‏..‏ تركنا ملف مياه النيل سنوات طويلة أمام مسئولية قومية وتاريخية كرسنا لها كل الوقت وهي توفير الغاز لإسرائيل‏..‏ كنا نقدم الغاز للصهاينة وهم يدبرون المؤامرات لنا حول مياه النيل‏,‏ كنا نضيء بيوتهم بدماء شهدائنا وهم يسممون لنا مياه النهر الذي نعيش عليه‏..‏ كنا ندير لهم اللقاءات والمفاوضات في شرم الشيخ وهم يتآمرون علي مستقبلنا ومستقبل أبنائنا عند منابع النيل ماذا نسمي هذا الموقف هل هو استهتار أم بلاهة؟ وأين كانت أجهزة الدولة من ذلك كله‏..‏ أن مؤامرة مياه النيل لم تظهر أمامنا فجاة ولكن سبقتها ترتيبات وقصص وحكايات والمسئولون عندنا نائمون في العسل الأسود‏..‏
‏*‏ تجد ملفـا ولغما موقوتـا يسمي تنمية سيناء‏..‏ كل الحكومات ضللت الشعب في هذا الملف‏..‏ استثمارات قيمتها‏83‏ مليار جنيه لم يتحقق منها شيء‏,‏ ترعة للسلام تحمل مياه النيل وتنتظر استكمالها إلي تل أبيب وليس العريش‏,400‏ ألف مواطن يسكنون مساحة تعادل ثلث مساحة مصر رغم أن القاهرة وحدها تؤوي‏20‏ مليون مواطن ما بين القطامية ومزارع الخنازير‏..‏
وفي كل عام نحتفل بتحرير سيناء التي عاشت ثلاثين عاما تنتظر انتقال خمسة ملايين مواطن مصري إلي ربوعها الخالية‏..‏ أزمة في الجنوب مع مياه النيل‏..‏ وأزمة في الشمال مع تنمية سيناء‏..‏ والعمال نائمون حول مجلس الشعب‏..‏ ومواكب المسئولين تخترق الشوارع كل يوم في رحلات مكوكية صاخبة تعطل المرور وتزيد التكدس والزحام‏..‏ وتلقي غبار الشوارع علي الغلابة النائمين علي الأرصفة‏..‏
‏*‏ برغم أن المسئولين يعيشون بيننا إلا أن الانفصال الشبكي يجعلهم لا يشاهدون أحدا إن مواكب التجار والسماسرة تعيد عصر المماليك حيث ترتفع الأسعار علي كل شيء وتحاصر الناس في بيوتهم‏..‏ أسعار الطعام والخضراوات واللحوم والأراضي والمساكن والأسمنت والحديد والمواصلات والمستشفيات حتي المدافن ارتفعت أسعارها‏...‏ كل فريق يختار السلع التي يلعب فيها أمام الحكومة وأجهزة الدولة حيث لا رقابة علي شيء‏..‏ ولا حساب لأي شيء‏..‏ إن مافيا الأسعار تحاصر الناس من كل جانب وإذا ثار أحد هنا أو هناك يثور رجال الأعمال الكبار في الحزب والحكومة ويهددون بكارثة لأن الاقتصاد الحر يرفض الرقابة‏,‏ والاستثمارات الأجنبية سوف تخرج ولن تعود‏,‏ وما بين حكومة رجال الأعمال وحزب رجال الأعمال وقع الشعب فريسة مجموعة من التجار‏..‏ لم تتدخل الحكومة لوقف ارتفاع أسعار سلعة واحدة‏,‏ ولم يشهد مجلس الوزراء مناقشة قضية الأسعار وانفلات الأسواق في أي جلسة من جلساته‏..‏
في الأسبوع الماضي وقفت أمام أحد محلات الفاكهة في باب اللوق ولم أجد نوعا واحدا من الفاكهة المصرية التي كنا نعرفها في زمان مضي‏..‏ هذا مشمش سوري وهذه كمثري لبنانية‏..‏ وهذا تفاح إيراني‏..‏ وهذا برقوق إسرائيلي‏..‏ وهذا بطيخ صيني‏..‏ وبحثت عن فاكهة مصرية فلم أجد فاشتريت كيلو مشمش ومضيت‏..‏
‏*‏ إذا أردت أن تتأكد من كل هذه الأشياء شاهد علي شاشات التليفزيون كل أوجه الحقيقة المؤلمة‏..‏ إن ولائم الحزب الوطني وحفلات المسئولين في الحكومة واستقبالات السادة الوزراء والوفود القادمة والمسافرة تقول إن مصر لا تعيش أزمة اقتصادية‏,‏ والدليل أن هناك نفقات للعلاج شملت عمليات التجميل وزرع الشعر وإعادة الشيخ إلي صباه‏,‏ وحفلات وأفراحا دفعت فيها الحكومة مئات الآلاف من الجنيهات في الغردقة والجونة والأقصر‏..‏ وتشاهد علي تليفزيون الدولة المصرية الفقيرة مطربات لبنانيات من شارع الهرم كل واحدة تقدم وصلة رقص علي شاشة القناة الأولي ثلاث ساعات كاملة وتحمل المليون جنيه وتعود إلي بلدها شاكرة الكرم المصري الرسمي بكل تاريخه العريق‏..‏
علي الجانب الآخر وفي الفضائيات الخاصة تري وطنـا آخر حيث طوابير العمال وضحايا الدويقة والقطارات والعبارات الغارقة‏..‏ وتشاهد قضايا نهب المال العام وسرقة أراضي الدولة والرشوة وأموال التأمينات الضائعة والضريبة العقارية والزواج الباطل بين السلطة ورأس المال‏..‏ علي الفضائيات الخاصة تشاهد الشارع المصري بكل انكساراته وهمومه‏..‏ وعلي فضائيات الدولة تشاهد العري الغنائي الأصيل‏..‏
هذا الانقسام الواضح بين حكومة لا تري ولا تشعر بآلام المواطنين‏,‏ وبين شعب لم يعد أمامه من وسيلة للحياة غير أن ينام علي رصيف مجلس الشعب ومجلس الوزراء وبينهما مجلس الشوري‏..‏ أنها دراما سوداء تحكي قصة الانفصال الشبكي الذي أصاب المسئولين ومعهم مواكب المنتفعين‏,‏ بينما المواطنون يهرعون في الشوارع وكأننا نواجه يوم القيامة‏..‏
إذا كان الانفصال الشبكي في طب العيون يعني فقدان البصر فهو في عرف الشعوب يعني فقدان البصيرة‏..‏ وما يحدث في مصر الآن بين الحكومة والمواطن المصري فقدان للبصر والبصيرة‏..‏
 
‏..‏ ويبقي الشعر
من أي شيء تهربين‏..‏
من وحشة الأيام بعدي
أم من الذكري
وأطياف الحنين‏..‏
من لوعة الأشواق
والحلم المسافر‏..‏
وانطـفاء الضوء في القلب الحزين‏..‏
لا شيء بعدي غير حزن صامت
ينساب في عينيك حين تفكـرين‏..‏
لا شيء بعدي
غـير بيت صامت
يروي حكايا الراحلين
لا شيء بعدي
واسألي العشاق
كيف يطول ليل العاشقين
فلتهربـي ما شئت عن عيني
فإنك في الضلوع تسافرين
قصيدة لا شيء بعدي سنة‏1998‏
  ‏fgoweda@ahram.org.eg‏