Loading

الجمعة، 28 مايو، 2010

هوامش حرة : حين يموت الضمير

هوامش حرة

حين يموت الضمير

يكتبها : فاروق جويدة



في الأسبوع الماضي توقفت عند تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات حول قرارات العلاج علي نفقة الدولة وهي الأموال المخصصة في الميزانية لوزارة الصحة ومؤسساتها لإنفاقها علي ملايين المرضي من أبناء الشعب‏,‏ خاصة هؤلاء الغير قادرين والذين لا يتمتعون باي مظلة للتأمين الصحي‏..‏



والمفروض أن تصل هذه الأموال إلي سكان القري والنجوع والعشوائيات ولكن الواضح أنها ضلت طريقها وتسربت إلي جيوب أخري شملت كبار المسئولين وأعضاء مجلسي الشعب والشوري‏..‏

في الأسبوع الماضي توقفنا عند أرقام الجهاز المركزي للمحاسبات واليوم نتوقف عند أرقام أهم وأخطر لأنها جاءت من وزارة الصحة صاحبة السلطة والقرار‏..‏

يقول تقرير وزارة الصحة الذي رصد فيه د‏.‏حاتم الجبلي وزير الصحة حقيقة هذه المأساة‏..‏

بدأ نظام العلاج علي نفقة الدولة في عام‏1975‏ بمبالغ بسيطة ومع التسعينيات بدأت رحلة الصعود حيث وصلت إلي‏96‏ مليون جنيه في عام‏95‏ ارتفعت إلي‏694‏ مليون جنيه في عام‏2002‏ وفي عام‏2006‏ بلغت أكثر من مليار جنيه‏..‏ وفي العام الماضي‏2009‏ بلغت مليارا و‏380‏ مليون جنيه‏..‏

هذه المبالغ لم تصل لأصحابها ولكنها ضلت طريقها إليهم‏..‏ لقد تصدر الواجهة أعضاء مجلس الشعب الذين اعتادوا علي اقتحام المجالس الطبية في وزارة الصحة للحصول علي ألاف القرارات بملايين الجنيهات شهريا ولا احد يعلم مصير هذه القرارات ولا المبالغ التي حصل عليها هؤلاء وأين وصلت ومن الذي استفاد منها؟‏..‏

يقول تقرير وزارة الصحة ان‏30%‏ من ميزانية العلاج علي نفقة الدولة حصل عليها أعضاء مجلس الشعب حتي إن عدد القرارات اليومية الصادرة لحساب الأعضاء وصل إلي‏1662‏ قرارا في اليوم الواحد‏..‏ وقد ترتب علي ذلك زيادة ديون وزارة الصحة من‏643‏ مليون جنيه في عام‏2007‏ إلي مليار و‏700‏ مليون جنيه في عام‏2009..‏

من أغرب الأشياء التي جاءت في التقرير أن أعضاء مجلسي الشعب والشوري يمارسون ضغوطـا شديدة علي المجالس الطبية ويصرفون مبالغ مالية ضخمة بلا أي مستندات أو تحديد قيمة للنفقات العلاجية‏,‏ أنها مجرد ورقة صغيرة عليها اسم المريض والنفقات المطلوبة دون العرض علي لجنة ثلاثية كما يتطلب النظام العام للعلاج علي نفقة الدولة‏..‏

يقول التقرير إن‏27‏ عضوا بمجلس الشعب حصلوا علي قرارات علاج قيمتها‏254‏ مليون جنيه في أربعة شهور فقط في الفترة من‏9/1/‏ إلي‏12/31‏ من عام‏2009‏ وان‏174‏ عضوا من أعضاء مجلس الشعب حصلوا علي‏16‏ ألف قرار علاج تبلغ تكلفتها‏27.5‏ مليون جنيه في‏8‏ أيام خلال الفترة من‏2010/2/1‏ إلي‏2010/2/8..‏

يأتي التقرير إلي أسماء الأعضاء الذين حصلوا علي قرارات العلاج وتصدروا القائمة بمبالغ ضخمة تطرح أكثر من سؤال‏..‏ في مقدمة هؤلاء من أعضاء مجلس الشعب الأول حصل علي‏27.8‏ مليون جنيه‏..‏ والثاني‏24‏ مليون جنيه والثالث‏8‏ ملايين جنيه‏..‏ والرابع حصل علي‏14‏ ألف قرار قيمتها‏24‏ مليون جنيه والخامس‏18‏ مليون جنيه والسادس‏8.2‏ مليون جنيه والسابع‏8.2‏ مليون جنيه والثامن‏9‏ ملايين جنيه‏..‏ والتاسع‏6.5‏ مليون جنيه والعاشر‏2.6‏ مليون جنيه‏..‏

لقد حصل نواب محافظة دمياط وحدها علي‏50‏ ألف قرار علاج قيمتها‏83‏ مليون جنيه بالإضافة إلي‏16‏ ألف قرار علاج لمركز القلب قيمتها‏43‏ مليون جنيه‏..‏

هذه بعض الأرقام التي جاءت في تقرير وزارة الصحة حول العلاج علي نفقة الدولة وفيها أيضا عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين حتي إن محررا في جريدة قومية صغيرة حصل علي قرارات علاج بمبلغ‏12‏ مليون جنيه‏..‏

يقول تقرير وزارة الصحة إن الوزارة هي التي كشفت كل هذه الحقائق وأنها اتخذت مجموعة قرارات لمواجهة هذه التجاوزات في الشهور الأولي منذ بداية هذا العام ومن أهم هذه القرارات ألا يصدر قرار لعلاج مواطن دون موافقة من اللجنة الثلاثية المختصة في المجالس الطبية وأن يحصل المواطن علي القرار بنفسه دون وساطة من أعضاء مجلس الشعب أو غيرهم وأن يكون هناك تقرير طبي شامل عن الحالة معتمدا من مدير المستشفي وأن يلتزم المريض بالأسعار والتكلفة التي صدر بها القرار وان تكون هناك سجلات بأسماء المرضي علي مستوي الجمهورية منعا للتلاعب وألا تصدر قرارات علاج في المستشفيات الخاصة إلا إذا كان العلاج لا يتوافر في مستشفيات وزارة الصحة وتشترط القرارات الجديدة ألا يكون المواطن متمتعا بأي مظله للتأمين الصحي وان توضع برامج محددة للعلاج الدوائي‏..‏

في ضوء هذه القرارات انخفضت تكلفة قرارات العلاج في الشهور الأربعة الأخيرة من‏2/8‏ إلي‏2010/5/7‏ إلي‏428‏ مليون جنيه مقابل مليار و‏206‏ ملايين جنيه في الفترة من‏2009/11/8‏ إلي‏2010/2/7‏ أي في أربعة شهور فقط‏.‏

تقرير وزارة الصحة يتحدث عن ثغرات كثيرة في نظام العلاج علي نفقة الدولة والتلاعب الذي شهدته السنوات الماضية ويضع المسئولية كاملة علي ضغوط وحشود أعضاء مجلس الشعب وبعض النفوس المريضة في المجالس الطبية التي تم ابعادها‏..‏

ورغم تقديري الشديد لكل الحقائق التي كشفها تقرير وزارة الصحة والجهد الكبير الذي قام به الجهاز المركزي للمحاسبات إلا أنني أجد أمامي بعض التساؤلات‏:‏

‏*‏ كيف حصل أعضاء مجلس الشعب علي كل هذه الملايين وأين ذهبت؟‏..‏ وكيف يحصل عضو واحد علي‏24‏ مليون جنيه في أربعة شهور وأين هؤلاء المرضي الذين صدرت لهم كل هذه القرارات بل أين‏50‏ ألف مواطن صدرت لهم قرارات في محافظة واحدة بجانب‏16‏ ألف قرار لعلاج مواطنين في مراكز القلب بنفس المحافظة وكيف حصلت هذه المحافظة وحدها علي قرارات علاج قيمتها‏126‏ مليون جنيه في عدة شهور من السنة أخذها أعضاء مجلس الشعب؟‏..‏

‏*‏ ما هي أنواع الضغوط والتهديد والوعيد التي كان يمارسها أعضاء مجلس الشعب علي المسئولين في المجالس الطبية في وزارة الصحة كما ذكر التقرير وما الذي يفرض علي مسئول أن يوقع‏16‏ ألف قرار علاج في‏8‏ أيام بقيمة‏27.5‏ مليون جنيه‏..‏ وبأي حق يحصل‏27‏ عضوا بالمجلس في أربعة شهور علي مبلغ‏254‏ مليون جنيه قرارات علاج وكيف انخفضت هذه القرارات من مليار و‏206‏ ملايين جنيه إلي‏428‏ مليون جنيه في أربعة شهور ؟‏..‏ أين ذهبت هذه الملايين وأين أجهزة الدولة ولماذا لم تلجأ وزارة الصحة إلي أجهزة الأمن لمنع هذا الهجوم النيابي الضاري علي أموال الوزارة؟‏..‏

‏*‏ ما هي الجهات التي راجعت هذه القرارات والملايين التي تسلمها أعضاء مجلس الشعب وهل وصلت بالفعل إلي أصحابها ومستحقيها أم أنها ضلت الطريق وضاعت تحت صيحات القبة وشعاراتها الكاذبة هناك تقارير أمنية عن هؤلاء الأعضاء فما هو مصيرها وهناك تقارير من الرقابة الإدارية هذا بجانب ما جاء في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات وكل هذه التقارير تتحدث عن كوارث وتجاوزات وعدوان صارخ علي المال العام فماذا بعد‏..‏

‏*‏ إذا كانت هذه هي المبالغ والأرقام التي وصلت إلي أعضاء مجلس الشعب فماذا عن قرارات العلاج الأخري التي تمت بعيدا عن أعضاء المجلس؟‏..‏ ماذا عن القرارات التي رصدها الجهاز المركزي للمحاسبات عن العدسات اللاصقة وعمليات التجميل والشد وحمامات الأوزون والسونا وأكثر من‏70‏ مليون جنيه للعلاج بالخارج منها أربعة ملايين جنيه تم أنفاقها علي العاملين في مجلس الوزراء؟‏..‏

‏*‏ إذا كانت أموال الغلابة المخصصة لعلاج الفقراء قد تسربت بين أعضاء مجلس الشعب والمسئولين في الحكومة فما هي الجهة القادرة علي حساب هؤلاء وهؤلاء؟ لقد مات الملايين من المواطنين الغلابة الذين لم يجدوا العلاج بالفشل الكلوي والكبدي وأمراض القلب والسرطان بينما كان أعضاء المجلس يحصلون فاتورة الحصانة التي تجعلهم يستولون علي أموال الشعب دون أن يحاسبهم أحد‏..‏ كيف رضي هؤلاء جميعا أن يتركوا المواطنين الغلابة يموتون بلا دواء بينما هم يشدون الوجوه وينامون في حمامات السونا والأوزون‏..‏

‏*‏ من يدفع الآن ديون وزارة الصحة التي تبلغ‏1.7‏ مليار جنيه ومن أين يسددها وزير المالية‏..‏ هل يدفعها من الضريبة العقارية التي سحق بها الناس‏..‏ أم يدفعها من أموال التأمينات ومعاشات الغلابة التي استولت عليها الحكومة‏..‏ أم تدفعها الحكومة من أسعار الحديد والاسمنت ومافيا الاستيراد والكويز والقرية الذكية؟‏..‏

‏*‏ لا أدري ما هي الصورة التي يمكن أن يكون عليها الحساب‏..‏ هل يحاسب مجلس الشعب نفسه ويحاسب أعضاءه أم أنه سيبقي متمسكـا بأكذوبة قديمة أنه سيد قراره‏..‏ وهل ما حدث من أعضاء المجلس يمنحهم هذا الحق‏..‏ هل يحاسب الحزب الوطني أعضاءه وتحاسب الجماعة المحظورة أعضاءها الذين تورطوا في هذه المأساة ؟‏..‏

من يوقف هذا الانفلات وهذا الضياع وهذا النهب المنظم‏..‏ من يعيد لضمائر الناس شيئـا اسمه الرحمة‏..‏ لم يبق شيء غير أن يلتف اللئام حول هذا الجسد الهزيل المتآكل كل واحد يقتطع شيئـا من الغنيمة رغم أنها بكل المقاييس غنيمة مسمومة‏..‏

كيف تحول مجلس الشعب إلي حشود تهاجم مؤسسات الدولة وتحصل علي الملايين بالحق والباطل‏..‏ أين مبدأ الرقابة البرلمانية علي أداء الحكومة وقد أصبح المجلس شريكـا في تجاوزاتها وخطاياها وبأي حق يواجه المجلس أخطاء الحكومة وهو يعتدي علي المال العام بهذه الشراسة‏..‏

نحن أمام صورة غاية في السوء والانفلات‏..‏ أعضاء البرلمان يهجمون علي أجهزة الدولة تحت شعار حقوق المواطنين بينما يموت المواطنون أمام مجلس الشعب ومؤسسات الدولة تلقي أخطاءها علي المجلس‏..‏ وكل صاحب قرار يبحث لنفسه عن سبوبه حتي ولو كانت صحة المساكين والغلابة‏..‏

ما حدث في قرارات العلاج علي نفقة الدولة كارثة لا مثيل لها في اي مكان علي هذه الأرض‏,‏ أنها إعلان صريح واعتراف قاطع بوفاة شيء اسمه الضمير ورحيل قيمة اسمها العدل‏..‏ ولا ينبغي الحديث بعد ذلك عن شيء كان يسمي الأخلاق‏.‏

ان هذا التقرير يؤكد وفاة ضمير مجتمع كامل وليس مجموعة افراد فيه‏.‏





‏..‏ ويبقي الشعر

كانت عيونـك

فوق مئـذنة الـحسين

وكـان وجهك شاحبا

وقـصائد ثكـلي تـئن علي الضريح

في آخر الدرب الطـويل

يطل قنـديل حزين أسقطتـه الريح

وعلي المدي تبكي الـعصافير الـتي

سمعت أنـاشيد الـهوي

وتـراقصت زمنـا مع النـاي الـجريح

سطران في ذيل الـجريدة

شاعر يمضي‏..‏ وعصفـور ذبيح

هل كنت تعـلم أن آخر ما سيبقي

من حصاد الـعمر قنـديل ضرير

هل كنت تعـلم أن آخر ما سيبقي

من شموخ النـهر دمع في غـدير

من قال إن حدائق الصبـار

تحمل في أنـاملها الـعبير

في آخر المشـوار

يبقـي طيف حلـم

صغـتـه يوما خيوطـا من حرير

وهناك في الأفـق الـحزين

يمامة تبكي وعصفـور كسير

ناما‏..‏ مع القلـب الـكبير

‏'‏من قصيدة واخترت أن تمضي وحيدا سنة‏2002'‏

‏fgoweda@ahram.org.eg‏

28/5/2010

الجمعة، 21 مايو، 2010

هوامش حرة : إدانة رسمية لمنظومة الفساد

هوامش حرة
إدانة رسمية لمنظومة الفساد 
بقلم: فاروق جويدة


فاروق جويدة



يستطيع مجلس الشعب إذا أراد إصدار عشرة قوانين في أسبوع واحد وقد فعل ذلك كثيرا‏..والدليل هو القوانين التي أقرها المجلس في الأيام الأخيرة ابتداء بمد العمل بقانون الطواريء وانتهاء بقوانين التأمينات الاجتماعية والشراكة مع القطاع الخاص في مشروعات الخدمات‏.

‏ ‏ ما أسهل مرور القوانين التي تتعلق بالجباية وفرض الضرائب كما حدث في الضريبة العقارية ولكن ما يتعلق بحياة الناس وصحتهم خاصة البسطاء والفقراء فلا محل لهم ولا مكان في مجلس الشعب والدليل هؤلاء الذين ينامون علي أرصفة المجلس ولم يخرج لهم أحد‏..‏
أقول ذلك بعد أن قرر المجلس الموقر تأجيل مناقشة قضية قرارات العلاج علي حساب الدولة وهي القضية التي أثارت جدلا كبيرا في الشارع المصري بعد أن تكشفت كوارث كثيرة تورط فيها كبار المسئولين مع أعضاء مجلس الشعب مع المجالس الطبية وكانت من القضايا التي تثير الدهشة والاشمئزاز حيث يتاجر هؤلاء في أمراض المواطنين واحتياجهم للعلاج‏..‏
تناثرت فضائح كثير حول هذه القضية بين أعضاء مجلس الشعب مما جعل د‏.‏فتحي سرور رئيس المجلس يحيل الملف كاملا إلي جهتين الأولي هي وزارة الداخلية حيث طلب تحريات أمنية كاملة عن تجاوزات أعضاء المجلس في هذه القضية أما الجهة الثانية فهي الجهاز المركزي للمحاسبات لأعداد تقرير مالي وفني شامل حول موضوع العلاج علي حساب الدولة‏..‏ ولكن المفاجأة أننا لم نعلم شيئـا حتي الآن عن تحريات وزارة الداخلية وماذا جاء فيها‏..‏ ثم تقرر تأجيل مناقشة تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات الذي تسلمه المجلس في الأسبوع الماضي من المستشار جودت الملط رئيس الجهاز وأصبح التقرير بكل ما فيه من وقائع أمام أعضاء المجلس‏..‏ ولا أدري لمصلحة من هذا القرار بالتأجيل‏..‏ هل هو محاولة تعتيم علي أخطاء المسئولين في الحكومة والتي ذكرها التقرير بكل وضوح أم هو محاولة لإنقاذ الحزب الوطني ونحن علي أبواب الانتخابات من تجاوزات عدد كبير من أعضاءه تورطوا في هذه القضية أم أن هذا هو مصير قضايا الفساد والاعتداء علي المال العام في كل الحالات‏..‏
التقرير الذي قرر مجلس الشعب تأجيل مناقشته يضم حقائق كثيرة يجب أن يعرفها الشعب حتي ولو قرر المجلس إخفاءها بعض الوقت أو كل الوقت‏..‏
المفروض أن الأولوية في العلاج علي نفقة الدولة للمواطنين العاديين من الفقراء والبسطاء الذين لا تحميهم مظلة للتأمين الصحي أو العلاج ولا تتوافر لديهم الإمكانات لإجراء عملية جراحية أو توفير الدواء اللازم ولكن المؤسف أن هذه الأموال اتجهت إلي علاج كبار المسئولين وعائلاتهم ابتداء بعمليات التجميل والعلاج الطبيعي بالحمام المائي وجلسات المساج والأوزون وتركيب الأسنان وعلاج العيون وإصلاح الحول وزرع العدسات والعلاج بالليزر‏..‏ كل هذه المجالات التي ذكرها التقرير لا تخص المواطن العادي الذي لا يجد قرص الأسبرين‏..‏ ولكنها تخص الكبار الذين تتكدس في حساباتهم الملايين ورغم ذلك يطاردون ما بقي من فتات للغلابة‏..‏ أن واحدا من هؤلاء الكبار حصل علي مليون و‏900‏ ألف جنيه نفقات علاجه بالخارج‏..‏
كيف تسربت هذه الملايين من مستشفيات الغلابة الحكومية إلي المستشفيات الخاصة والاستثمارية لحساب كبار المسئولين وتجار مجلس الشعب‏..‏
الأرقام كما يؤكد التقرير تقول‏..‏
‏*‏ تم إنفاق‏3‏ مليارات و‏909‏ ملايين جنيه علي قرارات العلاج علي نفقة الدولة خلال عام‏2009‏ هذا بخلاف أن وزارة الصحة كانت مدينة بمبلغ‏2.6‏ مليار جنيه‏..‏ قامت بسداد‏900‏ مليون جنيه منها ومازالت مدينة بمبلغ‏1.7‏ مليار جنيه وهذا يعني أننا أمام رقم يتجاوز‏6.5‏ مليار جنيه في عام واحد لا أحد يعلم أين ذهبت ويضاف إليها‏60‏ مليون جنيه قرارات العلاج بالخارج في عدة شهور حيث لم تتوافر للجهاز المستندات المطلوبة‏..‏
‏*‏ يؤكد التقرير أن قرارات العلاج الصادرة عن المجالس الطبية بوزارة الصحة خلال الفترة من‏2007‏ إلي‏2009‏ أي في ثلاث سنوات بلغت‏8‏ مليارات و‏355‏ مليون جنيه وهذا يعني أننا أمام رقم يتجاوز‏15‏ مليار جنيه لقرارات العلاج فأين ذهبت كل هذه المليارات وكيف تسربت إلي حسابات وجيوب المسئولين في الدولة ومجلس الشعب والحزب الوطني‏..‏
بعد ذلك يضع التقرير مجموعة ملاحظات مهمة‏..‏
‏*‏ يقول تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات أنه لا توجد تقارير طبية معتمدة من المجالس الطبية ولا توجد رقابة علي أعمال المكاتب الطبية بالخارج‏..‏ ولا توجد رقابة علي تكاليف العلاج‏..‏ ولا يوجد التزام بالتكاليف المقررة حيث تزيد أحيانـا بنسبة‏100%‏ عن نص القرار‏..‏ وكثيرا ما يتم تعديل القرار دون أسباب أو انتقاله من مستشفي حكومي إلي مستشفي خاص أو استثماري‏..‏ وهناك قرارات علاج تتحول إلي شيكات مسحوبة باسم صاحب القرار دون تقديم مستندات فعلية أو تقارير طبية‏..‏ وهناك شيكات يتم صرفها بمبالغ ضخمة مقابل فواتير أدوية من صيدليات خاصة ومعظمها فواتير‏'‏ مضروبة‏'..‏
‏*‏ يقول التقرير إن مسئولا واحدا بالمجالس الطبية أصدر قرارات علاج بمبالغ وصلت إلي مليار و‏91‏ مليون جنيه في أربعة شهور فقط وخلال الفترة من‏2009/9/1‏ إلي‏2009/12/31‏ بل أن هذا المسئول حصل لنفسه علي قرار بالعلاج بمبلغ‏42‏ ألف جنيه‏..‏
ويؤكد التقرير‏..‏ رغم أن هناك صندوقا للخدمات الطبية للعاملين في مجلس الوزراء فقد صدرت لهم قرارات جماعية للعلاج علي نفقة الدولة بمبلغ أربعة ملايين جنيه في عام واحد‏..‏
‏*‏ أن المستشفيات الخاصة والاستثمارية حصلت علي الجزء الأكبر من تكاليف العلاج سواء في صورة أدوية أو عمليات جراحية بل أن هناك تفاوتـا كبيرا في أسعار الخدمة الصحية رغم أن الحالات المرضية متشابهة‏..‏ وفي حالات كثيرة تم تحويل قرارات العلاج من المستشفيات الحكومية إلي المستشفيات الخاصة والاستثمارية دون تقديم أي مستندات أو تقارير طبية بل أن المستشارين في مجلس الوزراء يصدرون قرارات في هذا الشأن دون الرجوع لرئيس الوزراء‏..‏
الأخطر من ذلك كله‏..‏ هو صدور قرارات علاج بأسماء أشخاص متوفين‏..‏
وفي حالات كثيرة ارتفعت تكاليف قرارات العلاج عن المبالغ المقررة بنسبة‏100%‏ دون تقديم مستندات أو فواتير أو أسباب طبية‏..‏
‏*‏ في أقل من عام أصدر رئيس الوزراء قرارات علاج بالخارج تجاوزت‏47.5‏ مليون جنيه‏..‏ وأصدر وزير الصحة قرارات أخري قيمتها‏12.8‏ مليون جنيه‏..‏
الأغرب من ذلك كله هو السفر للخارج علي الطائرات بالدرجة الأولي مع بدل سفر وتكاليف العلاج وقد شمل ذلك عددا كبيرا من الأشخاص وعائلات كبار المسئولين‏..‏
هذه بعض الأرقام والتفاصيل والمؤشرات التي توقفت عندها في التقرير‏..‏ ولكن الشيء المخيف هو حجم الأرقام التي تنفقها الدولة علي قرارات العلاج ومن خلال طرح بسيط نري أنفسنا أمام‏15‏ مليار جنيه في ثلاث سنوات فقط‏..‏ والشيء المؤكد أن هذه المليارات لم تصل إلي مستحقيها في الأرياف أو المصانع أو النجوع أو العمال النائمين أمام مجلس الشعب ولكنها تسربت إلي مكاتب وبيوت كبار المسئولين سواء في الحكومة أو الحزب أو مجلس الشعب‏..‏
كيف تنفق الدولة‏15‏ مليار جنيه في قرارات علاج ونسبة المصابين بفيروس سي تزيد علي‏20%‏ من سكان مصر والبلهارسيا مازالت تستبيح دماء الملايين في الريف المصري والعشوائيات‏..‏
‏*‏ نحن أمام بلاعات من الإنفاق الحكومي الذي يؤكد نظرية المال السايب وللأسف الشديد ان هذا المال السايب يوجد في كل جوانب العمل الحكومي وبعد ذلك نقول أن الدولة فقيرة‏..‏ ويتساءل المسئولون كيف نغطي العجز في الميزانية ولكن الحقيقة كيف نغطي العجز في الضمائر‏..‏
هل هناك دولة فقيرة يتسرب منها‏15‏ مليار جنيه في المساج والأوزون والعدسات اللاصقة وعمليات التجميل‏..‏ هل هناك دولة تضم كل هذه العشوائيات واعلي نسبة في الفقر في العالم وتنفق‏15‏ مليار جنيه علي عمليات شد الوجه وتذاكر الدرجة الأولي وحمامات الساونا وزرع الشعر‏..‏
أنني أطالب مجلس الشعب بنشر أسماء الذين تورطوا في هذه الجريمة والمبالغ التي حصلوا عليها وينبغي أن يعلن الحزب الوطني براءته من أعضاء المجلس الذين تاجروا في آلام الناس‏..‏
نحن أمام قضية تهتز لها أركان السماء لأنها اعتداء وحشي علي أموال الغلابة والبسطاء وإذا كان هذا ما حدث في الخدمات الصحية فماذا يحدث في ميزانيات الدعم الذي لا يصل إلي أصحابه والأرقام الرهيبة التي تعلنها الحكومة وماذا يحدث في مشروعات الصرف الصحي والمياه والإسكان والمرافق وكيف نصدق كل هذه الأرقام التي تدعي الحكومة أنها تنفقها علي المواطنين‏..‏
ما حدث في قرارات العلاج علي نفقة الدولة يمثل جانبا من منظومة الفساد التي شملت كل شيء وتقرير الجهاز المركزي للمحاسبات حول قرارات العلاج علي نفقه الدولة إدانة رسمية لمنظومة الفساد واعتراف صريح بها‏..‏
لا أجد مبررا لتأجيل مناقشة هذا التقرير الخطير إلا إذا كان الهدف ترحيله إلي دورة برلمانية قادمة او إغلاق الملف بصورة نهائية‏..‏ لقد قام الجهاز المركزي للمحاسبات بدوره كاملا بمنتهي الموضوعية والأمانة وقد بذل د‏.‏الملط جهدا خرافيا لكشف الحقيقة ويبدو أن هناك جهات أخري تحاول إخفاء هذه الحقيقة‏..‏
أن أسماء المتورطين في هذه الجريمة لدي الجهاز المركزي للمحاسبات وفيهم أسماء كبيرة ورنانة‏..‏ وإذا تمسك مجلس الشعب بقراره بتأجيل مناقشة التقرير أو إخفائه والتستر عليه فإنني أطالب النائب العام المستشار عبد المجيد محمود بأن يطلب هذا الملف ويبدأ التحقيق مع جميع الأسماء التي وردت فيه‏..‏
لا يعقل أن يكون مصير جميع قضايا الفساد في السنوات الأخيرة أرشيف السلطة ومكاتب المسئولين‏..‏
يبدو أن طوفان الفساد اجتاح كل شيء‏..‏
‏/..‏ ويبقي الشعر
هذي الوجوه العابثـات
علي ضفـاف النـهر
تحرق كـل يوم ألـف بستـان ظليل
يتـرنـحون علي الكـراسي كـالسكـاري
بينما الطـرفـان يزأر حولنـا
وعلي رفـات الأمة الثـكـلي
يفيض الدمع‏..‏ يرتفع الـعـويل
ومواكب الـكـهان تـرقـص في المزاد
وكـلـما مالت قـوي الطـغيان
في سفه نميل
زمن يبيع الضوء في عين الصغـار
يقايض الأحلام بالأوهام
يلهث عاريا
وإذا سألت تثاءب الـكـهان
في ضجر‏..‏ وقالـوا‏..‏ ما الـبديـل ؟‏!‏
موتـوا علي ظهر الخيول
ولا تموتـوا خـلـف وهم مستـحيل
واخـتـرت ضوء الـفـجر
آخر ما تـراه عيونـك الحيري
من الزمن الـبخيل
كانت صلاة الفجر
آخر لحظة في الـعمر
كانت سورة الرحمن
آخر ما تلوت‏..‏ وأنـت تهفـو للرحيل
أتـري رحلـت
لأن آخر أمنيات العمر شاخت
فاستراح النـبض في القلـب الـعليل
أتـري رحلـت
لأن شطآن الجداول
في الظـلام تآكـلـت واسود ماء النـيل
أتـري رحلت
لأن جرذان الشوارع
ينخرون الآن في الجسد النـحيل
في آخر المشوار تحمل ما تبقـي
من صلاة الـفـجر‏..‏ والشـهر الـفـضيل
من قصيدة واخترت أن تمضي وحيدا سنة‏2002‏

21/5/2010

الجمعة، 14 مايو، 2010

هوامش حرة : هـل يبقي الخليــج عـربيا؟

هوامش حرة
هـل يبقي الخليــج عـربيا؟
بقلم: فاروق جويدة
2010/05/14  
               
لم يقتصر غياب مصر عن العالم العربي علي الدور الثقافي رغم أنه كان أهم وأخطر الأدوار علي الإطلاق‏..‏ ولكن الغياب كان واضحا في أشياء أخري كثيرة‏..‏ في العمالة المصرية التي تراجعت كثيرا‏..‏ وفي العلاقات التجارية والسياسية التي أصابها شحوب طويل‏..‏ وفي الوجود المصري الذي كان يشع دائما بكل ما هو راق وجميل في الأخلاق والسلوك والقيم‏..


‏ كل الشواهد الآن تقول إن دور مصر لم يعد كما كان أمام تدفقات بشرية جاءت من كل لون وجنس تبحث عن آفاق للاستثمار والعمل والإنتاج‏..‏ إن النموذج الواضح والصريح الذي يؤكد الغياب المصري ما حدث في دول الخليج العربي أكبر مصادر الدخل والثروة‏..‏ وأكثر الدول التي شهدت انتفاضة اقتصادية وحضارية وإنسانية في السنوات الأخيرة وأكبر منطقة كان للمصريين فيها رصيدا طويل من العلاقات الطيبة والود العميق‏..‏ وأكبر منطقة توافد إليها الملايين من دول آسيا وأوروبا وأفريقيا‏..‏ لقد تغيرت أشياء كثيرة في منطقة الخليج العربي أمام غياب مصري كامل‏..‏ إنهم يتساءلون هناك‏:‏ أين مصر التي أحببناها وكانت لنا القدوة والعون والدليل ؟‏..‏
في مؤسسة قطر التي تضم فروعا لست جامعات أمريكية كبري سألت د‏.‏جون مارجوليس أستاذ الصحافة وعميد كلية نورث ويسترن للصحافة والإعلام في المؤسسة ما هو الموقف بالنسبة لتدريس اللغة العربية في أقسام الصحافة والإعلام؟ فقال لا توجد برامج لتدريس اللغة العربية لدينا علي الإطلاق إن الدراسة في كل الكليات باللغة الإنجليزية فقط‏,‏ قلت هذا جائز في دراسة الطب والهندسة ولكن أقسام الصحافة والإعلام يتخرج منها أشخاص يعملون في أجهزة الإعلام في الدول العربية واللغة العربية هي أساس المخاطبة والتفاهم والحوار‏..‏ قال هذا جائز في مصر حيث يتحدث‏80‏ مليون مواطن مصري باللغة العربية ولكن هنا في دول الخليج كل الأجيال الجديدة لا تتحدث اللغة العربية الجميع يتحدث الإنجليزية‏,‏ نحن هنا نطبق النموذج الأمريكي في الحياة وطن واحد متعدد الجنسيات والعقائد واللغات والإنجليزية هنا هي المستقبل‏,‏ وتساءل د‏.‏جون هل تعتقد أن الخليج العربي سيبقي عربيا‏..‏ إن أغلبية السكان هنا من الهنود والباكستانيين والإيرانيين والأوروبيين ومن جنسيات أخري عديدة ولكل جنسية لغتها ولكن الذي يجمعهم هو اللغة الإنجليزية وليست اللغة العربية‏,‏ كما أن العمل في المؤسسات الخاصة والعامة يجري باللغة الإنجليزية‏..‏ الخليج سيكون في المستقبل نموذجا يشبه ما حدث في أمريكا‏..‏ ولن يبقي الخليج عربيا‏..‏
لابد أن أعترف أنني أصبت بصدمة عنيفة من حديث الأستاذ الأمريكي الذي يقوم بتدريس الإعلام والصحافة في دولة عربية وليس أمامه طالب واحد يتحدث العربية‏,‏ وللأسف الشديد أن هذا لا يحدث في قطر وحدها ولكن في كل العواصم العربية ابتداء بالقاهرة عاصمة الثقافة العربية وانتهاء بدول الخليج حيث أصبحت اللغة العربية غريبة تماما في المدارس والجامعات الأجنبية التي انتشرت في كل ربوع العالم العربي‏..‏
توقفت بعد هذا الحديث أمام عدة أرقام مخيفة‏..‏ إن في دول الخليج الست‏:‏ السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعمان‏13‏ مليون أجنبي يمثلون‏37%‏ من حجم سكان هذه الدول الذي يبلغ‏35‏ مليون نسمة‏..‏ في دولة قطر علي سبيل المثال‏81%‏ من العمالة جاءت من آسيا و‏5%‏ فقط من الدول العربية‏..‏ يضاف لذلك أن عدد السكان العرب في دول الخليج أصبح هو الأقلية بينما الأغلبية من العاملين الأجانب‏..‏ أن أهالي قطر يمثلون‏30%‏ من السكان وأهالي الكويت‏44%‏ من السكان والبحرين‏49%‏ والإمارات أقل من‏20%‏ من السكان‏..‏ وفي دولة الإمارات العربية يبلغ عدد العاملين في أجهزة الدولة‏630‏ ألف عامل من بينهم‏255‏ ألفا فقط من المواطنين الإماراتيين‏..‏
إن السبب في ذلك أن العمالة القادمة من دول آسيا من الهند وباكستان والصين عمالة رخيصة‏..‏ وتمارس الولاء الأعمي وتؤدي جميع الأعمال المطلوبة منها‏..‏ ولكن هذه العمالة التي ستصل حسب تقديرات دولية إلي‏30‏ مليون نسمة خلال السنوات العشر القادمة يمكن أن تتحول إلي قوي ضغط سياسي وتجد دعما خارجيا إذا حصلت علي قرار دولي بالتوطين في دول الخليج‏..‏ كما أن هذه الأجناس الوافدة غيرت أشياء كثيرة في السلوك والقيم والعادات والتقاليد في دول الخليج‏..‏ ومن بين هذه الأقليات من حصل علي حقوق سياسية في الانتخابات التشريعية التي جرت في بعض الدول كما حدث مع المواطنين الإيرانيين في الكويت وعمان وقد يحصل الهنود والباكستانيون والصينيون والأفغان علي حق التصويت في أي انتخابات قادمة تجري تحت رقابة دولية في دول الخليج في المستقبل القريب‏..‏
هناك آثار كثيرة ترتبت علي هذه المتغيرات في دول الخليج‏..‏ لقد انتشر المذهب الشيعي دينيا‏..‏ واختفت اللغة العربية في المدارس والجامعات والمناهج التعليمية أمام آلاف المدارس الأجنبية بل إن هناك لهجة خليجية مهجنة يستخدمها الأجانب الآن مع الأجيال الجديدة من أبناء الخليج‏..‏ كما أن المشروعات الضخمة فتحت آفاقـا أوسع للعمالة الأوروبية المميزة التي سيطرت تماما علي المشروعات الكبري في البناء والصناعة والزراعة والبتروكيماويات‏..‏
وبعيدا عن الاستثمارات الضخمة التي تقوم بها الشركات الأمريكية والأووبية والأسيوية وهي بآلاف الملايين فإن تحويلات العمالة الأجنبية في دول الخليج قد بلغت‏27‏ مليار دولار سنويا أي حوالي‏150‏ مليار جنيه مصري في صورة رواتب للعاملين الأجانب في هذه الدول ويزيد عددهم علي‏13‏ مليون وافد‏..‏
لقد تحدثت عن هذه القضايا مع وزير الثقافة القطري د‏.‏حمد الكــواري وأكد‏:‏ أننا ندرك أبعاد هذه القضايا ثقافيا وسياسيا ودينيا وان اللغة العربية في مقدمة أولوياتنا علي كل المستويات تعليما وإعلاما وثقافة في الفترة الحالية لأن القضية بالفعل في غاية الخطورة‏..‏
أردت من ذلك كله أن أضع صورة موجزة للمتغيرات علي كل المستويات والنموذج هنا ما حدث لدول الخليج وما تركه غياب مصر عن محيطها العربي‏..‏
‏*‏ لقد تغير المناخ الثقافي في هذه الدول أمام غياب المدرس المصري‏..‏ والطبيب المصري‏..‏ والعالم الأزهري‏..‏ وأمام المسجد وأستاذ الجامعة وأصبحت اللغة العربية التي كان الأزهر الشريف أحد حصونها مهددة بالانقراض في هذه الدول‏..‏
‏*‏ إن الملايين الذين يعملون في كل المهن والأعمال الحرفية والمكتبية والتدريس والطب والصيدلة‏..‏ والزراعة‏..‏ والصناعة‏..‏ كل هذه الأعمال كان الأولي بها الملايين من الشباب المصري العاطل الذي يبحث عن عمل وكان أولي بها الملايين الذين خرجوا علي المعاش المبكر وينامون الآن أمام مجلس الشعب ومجلس الوزراء‏..‏
‏*‏ أن الجامعات التي أقيمت في زمان مضي علي الكفاءات المصرية من العلماء والأساتذة والباحثين قد تغيرت الآن تماما حيث يتصدر الساحة فيها الأساتذة الأمريكان والإنجليز لأن معظم الجامعات الجديدة التي أقيمت في دول الخليج جامعات علمية حديثة تعتمد علي التكنولوجيا المتقدمة في الطب والأبحاث والاتصالات والهندسة والصناعات المتقدمة وأساليب الزراعة الحديثة في نظم الري وتحلية مياه البحر والمياه الجوفية‏..‏
‏*‏ لنا أن نتصور حجم المشروعات التي أقيمت في دول الخليج في السنوات العشر الماضية في المطارات والمنشآت والعقارات والبنوك والمصانع والمدارس والجامعات ودور مصر في ذلك كله‏..‏ لقد انسحبت مصر من كل هذه الأنشطة الضخمة رغم أن بدايات هذه الدول كانت علي أيد مصرية في مطاراتها الأولي‏..‏ وجامعاتها ومدارسها ومستشفياتها وبنوكها ومؤسساتها‏..‏ ولكننا تخلينا عن ذلك كله راغبين أو مكرهين لتفتح هذه الدول أبوابها للشركات الأمريكية والأوروبية الضخمة التي استطاعت أن تحصل علي كل هذه البلايين‏..‏
لقد غابت مصر اقتصاديا عن هذه الدول وأضاعت علي الشعب المصري الملايين من فرص العمل والوظائف والحياة الكريمة واكتفي المسئولون عندنا بتوزيع ما بقي من ثروات هذا الشعب بينهم في الأراضي والمشروعات ما بين خصخصة الأرض وخصخصة المشروعات‏..‏
سمعت هذه الحكاية وهي مؤلمة للغاية من صديق مصري يعيش في الخليج‏..‏
مسئول عربي خليجي قال إن أي مسئول مصري يزورنا الآن يحمل حقيبتين‏..‏ الحقيبة الأولي فيها مشروعاته الخاصة ويبدأ بها وإذا بقي شيء من الوقت يفتح الحقيبة الثانية ويتحدث عن مصالح مصر وما يريده منا‏..‏
هذا هو حالنا وحال المسئولين عندنا الآن‏..‏
لقد غابت مصر ثقافيا بمدرسيها‏..‏ وأساتذتها‏..‏ ومشايخها‏..‏ وفنونها‏..‏ وأفلامها وتركت الفرصة واسعة لقوي أخري استطاعت أن تلعب دورا رهيبا في تغيير ملامح وثقافة ولغة هذه الدول أمام حشود وافدة من كل دول العالم بلغاته وجنسياته ومطامعه‏..‏
لقد غابت مصر إنسانيا وكانت هي الأقرب إلي هذه الدول في العقيدة واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد وانسحبت مصر من مجتمعات كانت الأولي بنا وكنا الأولي بها في كل شيء فهناك روابط كثيرة جمعتنا وهناك تاريخ طويل وحدنا‏..‏ ولكننا تخلينا عن ذلك كله‏..‏
وللأسف الشديد لقد كانت المسئولية مسئولية مشتركة عندما تراجعت الثقافة المصرية‏,‏ لم يعد لدينا هذا الحشد الرائع من المثقفين الكبار ولم يعد لدينا ما نقدمه من الفن الجاد الذي يليق بنا‏..‏ ولم يعد لدينا التعليم المصري الذي يضع المدرس والأستاذ والمنهج في المقدمة ولم يعد لدينا الأغنية الجميلة التي تتجاوز الحدود‏..‏ حين كانت لدينا كل هذه الأشياء تفتحت أمامنا كل الأبواب وحين ساءت أحوالنا أصبحنا لعبة في يد الكويز والشركات الأمريكية والأوروبية متعددة الجنسيات التي تنشر كل يوم فضائح العمولات والرشاوي واستطاعت أن تخلع مصر من محيطها العربي وتسيطر علي كل موارد وإمكانيات المنطقة العربية‏..‏
لحساب من فرطنا في عمقنا البشري والجغرافي والحضاري لقد أغرقتنا القرية الذكية في أشياء كثيرة غير نظيفة وغير ذكية‏..‏
بقدر ما أزعجتني كلمات الأستاذ الأمريكي عن مستقبل الخليج العربي وهل يبقي عربيا بقدر ما دار في رأسي أكثر من سؤال؟‏..‏ هل يمكن أن يترك غياب مصر كل هذ الآثار السلبية علي العالم العربي‏..‏ وهل يمكن أن يكون المستقبل بهذه الصورة القاتمة؟‏..‏ وإذا كان العالم العربي مهددا بهذه الصورة في لغته ودينه وتاريخه وهويته‏..‏ فلن تكون مصر بعيدة عن ذلك كله لأن الهدف واحد‏..‏ والعدو أيضا واحد والمؤامرة تحاصرنا جميعا ولا عاصم اليوم من أمر الله‏..‏
إن الحكمة تقتضي أن نعيد ما بقي من جسور المودة والتواصل الرسمي بين أصحاب القرار والمستوي الشعبي بين تيارات كثيرة مازالت تؤمن بمستقبل يليق بهذه الأمة‏..‏
لم اكن أتصور أن يترك غياب مصر كل هذا الفراغ المخيف ويبدو أننا ندفع الآن الثمن‏..‏

‏..‏ ويبقي الشعر
 
واخترت أن تمضي
وبين يديك مسبحة
وفي عينيك يخبو ضوء قنـديل هزيل
وتوضأت عيناك من عطـر السحاب
وكان ضوء الشمس يبكي
بين أنـات الأصيل‏..‏
ووقفت ترصد خلف دمع الشـمس مئـذنة
توارت في ظلام داكن
وتـكسرت جدارنـها البيضاء كالصبح الـقتيل
واختـرت أن تـمضي علي ضوء السنـابـل
بينـما الأطفـال ينـهمرون كالطـوفـان
في القدس الحزينـة والجليل
في ساحة الأقـصي صلاة تـستـجير
وركـعة ثكـلي تـطـوف بلا دليل
وأصابع الأطفـال في الطـرقات
أشلاء ممزقـة تلوح من بعيد
ترفـض الـعجز الذليل
مازال يصرخ بين أعينهـم جواد جامح
ودماء أحجار تـسيل‏..‏
هذي دموعك لم تـزل تـنـساب
في صخب المزاد‏,‏ وكـل شيء حولنا
يبكي علي الـوطـن الـجميل
هذا زمان يقتل الشعراء
لا أدري لماذا
يقـطـع الـكـهان في أوطـاننـا شجر النـخيل
من قصيدة واخترت أن تمضي وحيدا سنة‏2002‏
 ‏fgoweda@ahram.org.eg

 

الاثنين، 10 مايو، 2010

هوامش حره : أيام‏..‏ في الدوحة

هوامش حره

أيام‏..‏ في الدوحة

بقلم: فاروق جويدة

06/05/2010


ذهبت إلي الدوحة في زيارة قصيرة لم تتجاوز أربعة أيام بدعوة من وزير الثقافة القطري مشاركـا بأمسية شعرية في احتفاليتها كعاصمة للثقافة العربية هذا العام‏..

‏ استقبلتني الدوحة بحرارة بالغة فقد كان آخر عهدي بها زيارة منذ خمسة عشر عاما‏..‏ تجمعت في الأمسية أعداد كبيرة من الأشقاء القطريين كان في مقدمتهم د‏.‏ حمد الكواري وزير الثقافة وأعداد كبيرة من الجالية المصرية كان في مقدمتهم سفير مصر في الدوحة عبد العزيز داود‏,‏ وعدد كبير من كبار المسئولين والسفراء العرب وكانت ليلة من ليالي الشعر الجميلة‏..‏

تغيرت مدينة الدوحة فلم تعد تلك التي رأيتها منذ خمسة عشر عاما‏..‏ صارت أكثر جمالا وأناقة ونظافة وبريقـا‏..‏ البيوت تغيرت وناطحات السحاب انطلقت في السماء تعانق أمواج الخليج‏..‏ والحياة أصبحت أكثر رفاهية‏,‏ والمجتمع كل المجتمع مشغول بالبناء في كل شيء ابتداء بالعمارات والأبراج الشاهقة وانتهاء بالمدارس والجامعات ومراكز الأبحاث العلمية‏,‏ حيث خصصت حكومة قطر للبحث العلمي ميزانية قدرها ثلاثة بلايين دولار‏..‏ تغيرت المدينة في كل شيء‏..‏ قد يراها البعض طفرة نفطية ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أن وراء ذلك كله فكرا وبرامج وطموحا ورغبة في التقدم والتغيير‏..‏

المناسبة اختيار الدوحة عاصمة للثقافة العربية عام‏2010..‏ مناسبة تكررت في عواصم عربية كثيرة بدأت منذ سنوات بالقاهرة العاصمة الأولي لهذا المشروع‏,‏ ثم انتقلت الاحتفالية إلي الرياض والجزائر والقدس وبيروت وتونس ومازالت الاحتفالية تنتقل بين العواصم العربية‏..‏

استعدت الدوحة لعرسها الثقافي ووجهت الدعوات إلي مواكب الثقافة العربية في كل العواصم لكي تشارك في هذه المناسبة القومية‏..‏ جاءت الوفود العربية من كل بقاع العالم العربي منذ بداية العام‏,‏ وكان نصيب مصر في الأسابيع الأخيرة وفدا محدودا للغاية من حيث العدد وليس القيمة فقد كان علي رأسه عدد من كبار المثقفين والإعلاميين ولكن السؤال الذي طرح نفسه لماذا كان الوفد محدودا بهذه الدرجة؟ وهل تركت سحابات السياسة أثرا علي الحضور المصري في هذه الاحتفالية ؟وعلي سبيل المثال فقد ضم الوفد السعودي‏16‏ أستاذا جامعيا في كل التخصصات ولم يكن في الوفد المصري أستاذ جامعي واحد‏..‏

كنا دائما نطالب المسئولين عندنا بأن يفصلوا بين العلاقات السياسية التي تشبة نشرة الأحوال الجوية حيث تتغير كل يوم‏,‏ وبين دور مصر الثقافي في العالم العربي لأنه دور لا يقبل المساومة أو التفريط او التراجع‏..‏ ولكن للأسف الشديد لابد أن نعترف بأن هذا الدور بالفعل لم يعد كما كان وأن الغياب المصري في الساحة العربية ترك فراغـا رهيبا تحاول الآن جبهات كثيرة أن تكون صاحبة دور فيه‏..‏

في تقديري أن مصر هي التي انسحبت من العالم العربي وكل الظواهر تؤكد ذلك فلم يعد الحضور المصري طاغيا مبهرا كما كان ولم تعد المؤسسات الثقافية الرسمية في مصر تعطي أهمية لهذا الدور أمام أفكار وأحلام وطموحات أخري فشلت تماما في تحقيق أهدافها‏..‏

إذا راجعنا قائمة الوفود الثقافية المصرية التي سافرت إلي الدول العربية في السنوات الماضية فسوف نجد أنها محدودة للغاية بجانب تلك التي شدت الرحال إلي باريس وروما وبون وجنيف وطوكيو ومدريد وواشنطن وعواصم العالم المختلفة‏..‏ لم تعد المؤسسة الثقافية في مصر تضع الأولويات القديمة لدورها في العالم العربي‏,‏ لأن المسئولين عنها يعتقدون أن العلاقات مع العالم العربي لم تعد بالأهمية التي ينبغي أن تكون في المقدمة لأن لديهم أولويات أخري‏..‏ أن المسئولين عن الثقافة في مصر لا يؤمنون بالدور المصري في الثقافة العربية ولا يتعاطفون معه علي الإطلاق‏,‏ وهناك من المثقفين في حظيرة الدولة الرسمية من يحاربون هذا الدور ويفضلون عليه مناطق وانتماءات وحسابات بعيدة تماما عن العالم العربي‏,‏ لاشك أن هذه الكتيبة المغرضة نجحت في تهميش دور مصر الثقافي واقتلاع الكثير من جذوره في العالم العربي ولا أدري لحساب من كانت هذه الجريمة‏..‏

أن ما حدث مع مناسبة ثقافية كبري في الدوحة يؤكد هذا الموقف فقد أرسلت وزارة الثقافة القطرية خمس دعوات رسمية لمصر لحضور هذه المناسبة والمشاركة فيها‏,‏ ولم يرد المسئولون في وزارة الثقافة المصرية إلا علي الدعوة السادسة أمام إصرار دولة قطر علي الحضور المصري الذي لاقي ترحيبا كبيرا علي المستويين الرسمي والشعبي ويبدو أن بريد وزارة الثقافة قد توقف منذ سنوات بعيدة‏..‏

ويعتقد البعض أن هناك حساسيات خاصة بين وزير الثقافة المصري فاروق حسني والمسئولين في قطر منذ معركة اليونسكو حيث يعتقد حسني أن قطر لم تتضامن معه في الانتخابات وأنها وقفت ضد حلم انتخابه رئيسا للمنظمة الدولية‏..‏ ولا أدري لماذا لا يفصل المسئولون عندنا بين إدارة شئون دولة وإدارة الشئون الخاصة فينبغي أن تخضع قرارات المسئول أيا كان موقعه للأهواء والرغبات والأحلام الخاصة حتي ولو كان ذلك ضد مصالح الوطن والمسئولية‏..‏

كل المؤشرات تؤكد أن الدور الثقافي المصري في العالم العربي قد تراجع في كل شيء فلم يبق إلا بعض نقاط الضوء التي تتناثر هنا أو هناك حيث مازال هناك عدد من المصريين الذين يعملون في قطر يؤدون رسالتهم علي أكمل وجه‏..‏

أنهم هنا في الدوحة يتحدثون كثيرا عن الثقافة المصرية في عصور ازدهارها والمثقفين المصريين ودورهم بجانب آلاف العاملين في التدريس والتعليم الجامعي يتحدثون عن فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي الذي اختار قطر وطنه الثاني‏..‏ يتحدثون عن د‏.‏محمد إبراهيم كاظم أستاذ التربية الذي أسس جامعة قطر في عام‏1973‏ وبقي مسئولا عنها حتي عام‏86,‏ ومازال د‏.‏عبد العزيز بيومي مستشارا لها‏..‏ ويتحدثون عن العلماء المصريين والكتاب والشعراء والمثقفين الذين عاشوا في قطر وقاموا بدور ثقافي وحضاري كبير وكان في مقدمتهم الزملاء الأعزاء رجاء النقاش وتجربته الرائدة في مجلة الدوحة‏,‏ وصلاح الدين حافظ وتاريخ جميل مع جريدة الراية القطرية‏,‏ وعثمان أبوزيد مؤسس وكالة الأنباء القطرية في السبعينيات والشاعران حسن توفيق وحسن طلب‏..‏ يتحدثون هنا عن قناة الجزيرةالتي قامت علي أيد مصرية ومازالت الخبرات المصرية تتصدر قائمة العاملين فيها مثل الإعلاميين صلاح نجم وأحمد محفوظ وأحمد منصور ومني سلمان وكان معهم حتي وقت قريب حافظ الميرازي ويسري فودة وعشرات الشباب في التصوير والمونتاج والترجمة‏..‏

وفي تجربة فريدة من نوعها استطاعت حكومة قطر أن تقيم جامعة جديدة تضم‏6‏ فروع رئيسية من الجامعات الأمريكية ويرأس هذه الجامعة أستاذ مصري جليل هو د‏.‏ محمد فتحي سعود‏,‏ ومن بين أعضاء مجلس أمناء هذه الجامعة د‏.‏أحمد زويل‏..‏ وفي هذه الجامعة كلية للدراسات الإسلامية يرأسها د‏.‏حاتم القرنشاوي أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية‏,‏ كما تضم الجامعة فروعا لجامعات جورج تاون للعلاقات الدولية‏,‏ ونور ثويسترن للصحافة والإعلام‏,‏ وتكساس للهندسة‏,‏ وكورنيل للطب‏..‏ وكارنيه دي ميلون لتكنولوجيا المعلومات والإدارة‏,‏ وفرجيينا كومنولث للفنون والتصميمات‏,‏ وهذه الفروع من الجامعات تضم طلابا من‏80‏ دولة وتضم نخبة من أكبر الأساتذة في الجامعات الأمريكية هذه الجامعة هي النموذج الذي كان د‏.‏زويل يسعي لتنفيذه في مصر بصورة أوسع وأكبر‏,‏ ولكن البيروقراطية المصرية العريقة وأعداء النجاح وقفوا أمام حلم العالم المصري الكبير‏..‏

لقد اتيح لي أن أشاهد هذه الجامعة وتضم عددا من الدارسين فيها جاءوا من أمريكا وانجلترا والهند وباكستان والدول العربية ومنها مصر ودول أوروبا المختلفة‏..‏ إنها طفرة حضارية وتعليمية تقوم علي أسس من التخطيط الواعي والدراسة المتأنية‏..‏

وزرت أيضا قناة الجزيرة وتبدو من بعيد منشآت عادية وأن كانت قد حركت مياها كثيرة راكدة في العقل العربي منذ إنشائها وحتي الآن‏..‏

ولا تملك أمام هذه النماذج الحضارية الرائعة في التعليم والثقافة والإعلام غير أن تفخر بأن دولة عربية صغيرة الحجم استطاعت تحقيق كل هذه الإنجازات في زمن قصير إن الدوحة التي شاهدتها منذ خمسة عشر عاما شاحبة متواضعة هزيلة ليست الدوحة التي رأيتها في الأسبوع الماضي جميلة أنيقة نظيفة مبهرة‏..‏

مازال المصريون في بعض المواقع العلمية في قطر من أساتذة الجامعات والأطباء المتخصصين وإن كانت أعدادهم تتناقص عاما بعد عام أمام تقلبات المناخ السياسي التي شوهت الصورة بين البلدين في أحيان كثيرة‏..‏

هناك خلافات صامتة بين البلدين مصر وقطر برغم العلاقات الودية الحميمة بين الرئيس مبارك والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر ولكنها تحتاج إلي الحوار والمصارحة‏,‏ وقد شارك الإعلام في البلدين في زيادة حدة الخلافات أمام بعض البرامج التليفزيونية التي أساءت لهذه العلاقات أو بعض المقالات التي تعرضت لأشياء خاصة لا تليق وكانت سببا في ظهور ضباب كثيف في العلاقات السياسية بين البلدين‏..‏

من حق أي دولة صغيرة كانت أم كبيرة أن ترتب حساباتها وان تحافظ علي أهدافها ومصالحها وأن تكون لها طموحاتها خاصة إذا كان البعض قد فرط في هذه الأدوار عن وعي وإدراك‏..‏

في قطر جيل قديم مازال يري في ثقافة مصر القيمة والشموخ والتاريخ ومازال يذكر عهودا أضاءت فيها مواكب الثقافة المصرية كل العواصم العربية وفي مقدمة هؤلاء د‏.‏حمد الكواري وزير الثقافة فهو قطري الجنسية مصري الهوي والفكر والثقافة‏..‏ ولكن الحقيقة أننا نتحمل مسئولية غيابنا عن الساحة العربية ليس في قطر وحدها ولكن في بقية العواصم العربية‏,‏ ومنذ أقامت الدولة حظيرة المثقفين تغير حال الثقافة المصرية‏,‏ لقد كنا نذهب إلي العواصم العربية يسبقنا رصيد حضاري وثقافي وفكري عريق والآن لا نذهب إلا باحثين عن جائزة أو مسابقة أو لجنة تحكيم أو معرض نتبادل فيه المصالح بعد أن كنا نضيء العقول بالقيم والأفكار‏..‏

وسوف يذكر التاريخ أن مصر هي التي فرطت في مسئولياتها تجاه عالمها العربي أمام مسئولين باعوا أنفسهم للشيطان وأهدروا دورا كان الأعظم في مسيرة هذا الوطن واستباحوه بالمهرجانات والزيارات والصفقات المشبوهة‏..‏

برغم أن الزيارة كانت قصيرة وإن كانت مزدحمة إلا أنها تركت عندي سؤالا ملحا‏..‏ ما هو مستقبل العلاقات بين مصر والعالم العربي‏..‏ هناك شواهد كثيرة تؤكد أن دور مصر تراجع علي كل المستويات وأن هناك أطرافـا كثيرة نجحت في ضرب وتهميش هذا الدور وان مصر قد خرجت بالفعل من عالمها العربي أمام أخطاء ومواقف وسياسات لم تكن علي مستوي القرار والمسئولية وهذا حديث آخر‏..‏




..ويبقي الشعر

في ليلة حزن وحشية

امرأة في ليـلة حزن ذكري ميلاد

سفر ورحيل وسهاد‏..‏ وصهيل جواد

أنظر في وجهي أحيانـا

تبدو الجدران وقد صارت أسراب جراد

الشمعة في عيني تخبو ويحدق وجه الجلاد

ينتفض القلب فألقاني أطلال رماد

تصرخ أشواقي خلف الريح

وفاتنتي نار وحريق

وأنا واللـيل وقنديل وسواد طريق

ومضيت وحيدا والأمواج تحاصرني

والبحر عميق

أنظر في وجهي خلف اللـيـل

تثور دموع في العينـيـن

علي وجهي سكرات غريق

وأنا والموج ومجداف حطـمه الريح

وظلام يسقط في عيني والضوء شحيح

وجريح نام بلا فزع في صدر جريح

أجمع أشيائي خلف الصمت

زهور خريف بريه

ودموع تهدر من عيني

كسحابة ليـل شتوية

وطريق خاصم أقـدامي

في لحظة خوف همجيه

ومساء يسأل في ألم

عن ليلة عشق صيفية

عن حلم نام بأيدينـا

طفلا بثياب ورديه

وامرأة سكنت أعماقي

في قصة حب‏..‏ أبديه

‏'‏من قصيدة في ليلة عشق سنة‏2003'‏

‏fgoweda@ahram.org.eg‏