Loading

الجمعة، 30 أبريل، 2010

هوامش حرة :القانون فى أجازة

هوامش حرة

القانون فى أجازة

بقلم: فاروق جويدة

30/04/2010


القانـون فـي إجـازة بقيت بيننا بعض الرموز الحقيقية التي امتد ولاؤها وانتماؤها لقيم هذا الشعب رغم كل ما أحاط بنا من مظاهر التردي والانفلات‏..‏ هذه الرموز التي ظهرت في زمان آخر وعصر مختلف مازالت تدرك قيمة منظومة العدالة والأخلاق والضمير‏..‏

 
عدد قليل بقي من هذه الرموز ولكنه مازال يعطي للحياة معناها وللفكر مصداقيته‏..‏ وللمواقف قيمتها‏..‏ في مقدمة من بقي من هذه الرموز العالم والفقيه الجليل د‏.‏ثروت بدوي أستاذ القانون الشهير وواحد من العلامات البارزة في مسيرة العدالة في مصر‏..‏

تلقيت هذه الرسالة من د‏.‏ بدوي‏..‏

‏...‏ فاروق جويدة‏:‏

أرجو أن تسمحوا لي بأن أبعث إليكم بهذه الرسالة التي أبوح فيها ببعض ما يؤرقني وما يثير أحزاني علي ما يجري في بلدنا العزيز بما يهدد مستقبل أبنائنا‏,‏ ويبدد ثرواتنا‏,‏ وبما ينال من استقلالنا‏..‏

لقد هالني وأفزعني ما لمسته طوال العقود الثلاثة الماضية من إهدار لثروات البلاد ومن حالات التصرف في الأموال العامة دون اتباع الأساليب القانونية السليمة‏,‏ ومن غير المختصين بالتصرف في أملاك الدولة‏,‏ وفي بعض الأحيان عن جهل بأحكام التصرف في تلك الأموال‏..‏

ولقد أثارني أخيرا ما بدأ يتردد من إرهاصات بشأن بيع حديقة الحيوان بالجيزة‏,‏ أو بيع العقارات التي أقيم عليها مسرح البالون بالعجوزة‏,‏ أو ما حدث فعلا من مبيعات لعقارات مملوكة للدولة بواسطة بعض الوزارات‏!!!‏

لقد كان التحول من سياسة الاقتصاد الموجه إلي سياسة الاقتصاد الحر‏,‏ ومنها إلي الاقتصاد المنفلت‏,‏ أحد العوامل الأساسية التي أدت إلي ما نشاهده اليوم من عدم التقيد بأحكام القوانين الاقتصادية‏,‏ والخروج علي الضوابط المحددة للاختصاصات الإدارية‏..‏

ولعل أبرز وأخطر مظاهر الانفلات تكمن في الأمور الآتية‏:‏

‏{{‏ أولا‏:‏ الخلط بين نوعية من الملكية العامة‏:‏ الأموال العامة أو الدومين العام والأموال الخاصة المملوكة للدولة وغيرها من الأشخاص العامة‏,‏ حيث إن الأموال العامة أو الدومين العام لها أحكام مختلفة تماما عن أحكام الأموال الخاصة المملوكة للدولة‏(‏ الدومين الخاص‏)‏ وبالذات من حيث عدم جواز التصرف إطلاقـا في الأموال العامة بينما يجوز التصرف في أموال الدولة الخاصة وفق قواعد وأحكام محددة وتضمن سلامة هذه التصرفات‏.‏ فالأموال العامة أو الدومين العام لا يجوز التصرف فيه بالبيع ولا يجوز الحجز عليه‏,‏ ولا يجوز تملكه بالتقادم أي بوضع اليد مهما طالت مدة وضع اليد‏..‏

كما أن الأموال العامة أو الدومين العام لا تكون ملكـا للأجهزة الإدارية التي تديرها أو التي تكون في حوزتها‏,‏ وإنما تكون ملكـا للشخص الإداري العام‏(‏ الدولة أو الأشخاص الإدارية الإقليمية أو المؤسسات والهيئات العامة‏)‏

وقد تصور الكثير من الوزراء والعديد من رجال الإدارة أن ما تحت أيديهم من أموال ملك لوزاراتهم أو للجهاز الإداري الذي يديرونه‏.‏ وهذا خطأ فادح لأن الأموال العامة في الوزارات ملك للدولة وليست ملكـا للوزارة‏(‏ لأن الوزارة جهاز تابع للدولة ولا تتمتع الوزارة بالشخصية القانونية المستقلة‏)‏ كما أن الأموال العامة التي تديرها كليات ومعاهد الجامعة ليست ملكـا لهذه الكليات أو المعاهد وإنما هي ملك للجامعة صاحبة الشخصية القانونية المستقلة‏..‏ ومن ثم لا يملك الوزير التصرف في الأموال العامة التي تكون تحت يد الوزارة أو التي تديرها الوزارة وإنما يكون حق التصرف للدولة‏(‏ الشخص المعنوي العام الذي تتبعه الوزارة‏)‏ ومن ثم لا يملك وزير الزراعة التصرف في الأموال العامة ومنها حديقة الحيوان أو المتحف الزراعي‏..‏ وكذلك لا يملك وزير الثقافة التصرف في العقارات المقام عليها مسرح البالون أو دار الأوبرا أو دور الثقافة وإنما يكون التصرف في هذه الأموال ممنوعا تماما طالما بقيت محتفظة بطابع المال العام إلي أن يتم تخصيصها من مالكها‏(‏ أي الدولة ومن يمثلها قانونـا البرلمان ورئيس الجمهورية ومجلس الوزراء‏...‏ الخ‏)‏ وهذا يتطلب إجراءات محددة ليس للوزارة دور فيها‏,‏ كما أن الأموال التي تديرها الوزارة ليست ملكـا لها وإنما هي مملوكة للدولة‏..‏

وكما سبق أن بينا أن التصرف في المال العام‏(‏ المملوك للدولة أو للأشخاص الإدارية الأخري الإقليمية منها أو المرفقية أي المؤسسات والهيئات العامة‏)‏ غير جائز إطلاقـا طالما احتفظ المال العام بطبيعته العامة‏..‏ ولا يجوز تغيير هذه الطبيعة وتحويلها من ملكية عامة إلي ملكية خاصة للدولة إلا بواسطة شخص الدولة ووفقـا لإجراءات محددة تتضمن تخصيص هذه الأموال لغرض معين من أغراض الدولة‏(‏ مثل التخصيص للزراعة أو لبناء مساكن مملوكة للدولة‏)‏ ومن ثم فإن وزير الثقافة لا يملك تحويل عقار مسرح البالون من ملكية عامة إلي ملكية خاصة للدولة‏,‏ وإنما يكون ذلك لمن يمثل شخص الدولة‏(‏ رئيس الجمهورية والبرلمان ومجلس الوزراء حسب ما يقرره القانون الذي يبين السلطة التي تملك تحويل الملكية العامة للدولة إلي ملكية خاصة للدولة‏)‏

وهنا يلزم أن نبين أن المال العام هو الذي يخصص للنفع العام‏,‏ بأن يكون مخصصا لاستعمال الجمهور مباشرة أو عن طريق مرفق عام‏,‏ أو بأن يكون بطبيعته أو بإرادة المشرع مخصصا للنفع العام‏.‏

أما أموال الدولة الخاصة أو الدومين الخاص‏,‏ فهي الأموال التي تملكها الدولة أو الأشخاص العامة الأخري بقصد الحصول علي ما تنتجه من موارد مالية‏,‏ أي ما تنتجه من موارد بصفة دورية وليس بالبيع‏..‏

وقد قام بعض الوزراء في مصر بالتصرف في بعض العقارات العامة التي كانت تحت أيديهم والتي كانت مخصصة للنفع العام‏(‏ مثال ذلك الثكنات العسكرية‏,‏ وأراضي السجون العامة‏,‏ وبعض أراضي جامعة القاهرة في المدينة الجامعية‏..‏ الخ‏)‏

ولم يحدث التصرف في تلك الأموال العامة بالمخالفة للدستور والقانون فقط‏..‏ بل إن الأموال التي تحصلت من بيع هذه العقارات لم تدخل الخزانة العامة وإنما أضيفت إلي موارد تلك الوزارات أو المصالح الحكومية التي قامت بالتصرف الخاطيء‏!!!‏

‏{{‏ ثانيا‏:‏ ولم يقف الأمر عند هذا الحد‏,‏ بل تعداه إلي استصدار قوانين أو قرارات بقوانين تضفي طبيعة الأموال الخاصة علي بعض الأموال العامة تمهيدا للتصرف فيها‏,‏ وبالالتفاف حول قاعدة عدم جواز التصرف في الأموال العامة‏,‏ مثال ذلك القانون رقم‏143‏ لسنة‏1981‏ بشأن الأراضي الصحراوية‏,‏ والقانون رقم‏59‏ لسنة‏1991‏ في شأن بعض أملاك الدولة الخاصة وإنشاء هيئة التنمية السياحية‏.‏ كما صدرت بعض القوانين المعدلة لقانون التزامات المرافق العامة‏,‏ كما صدر القانون رقم‏229‏ لسنة‏1996‏ بتعديل بعض أحكام القانون رقم‏84‏ لسنة‏1968‏ بشأن الطرق العامة‏..‏

هذه القوانين العديدة التي صدرت في العقود الثلاثة الأخيرة تهدف إلي جواز منح التزامات المرافق العامة للمستثمرين الأجانب دون التقيد بأحكام القانون رقم‏129‏ لسنة‏1947‏ بالتزامات المرافق العامة والقانون‏61‏ لسنة‏1958‏ في شأن منح الامتيازات المتعلقة باستثمار موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة‏..‏

وللالتفاف حول هذين القانونين الأخيرين لجأت الدولة إلي ابتداع مسميات جديدة لعقد الالتزام بمرفق عام‏,‏ واستخدمت الوزارات المختلفة لفظ أو مصطلح عقد‏BOT‏ أو‏BOOT‏ أو‏BLT‏ وهي جميعا في حقيقتها عقود التزام ويجب أن تخضع لما تخضع له عقود الالتزام في الدستور والقانون من قيود وضمانات لكفالة الجدية والعلانية والمنافسة والمساواة والرقابة الإدارية والإشراف من جانب السلطة الإدارية مانحة العقد‏..‏

ثالثـا‏:‏ صدرت تعديلات متتالية لقوانين المزادات والمناقصات بما يسمح للإدارة بإتباع أسلوب الممارسة أو أسلوب الأمر المباشر بدلا من أسلوب المزادات والمناقصات الذي يكفل الشفافية والعلانية والمنافسة والمساواة والحفاظ علي أموال الدولة‏,‏ وهو الأسلوب الذي كانت تتبعه دائما مصلحة الأملاك عند بيع أملاك الدولة الخاصة‏..‏

هذا هو نص الرسالة ولا شيء يقال بعد كل ما ذكره د‏.‏بدوي وإن بقيت عندي بعض التساؤلات‏:‏

‏*‏ ما هو الموقف القانوني الآن علي ضوء ما جاء في الرسالة حول المشروعات والأراضي التي باعها السادة الوزراء كل في اختصاصه وهي قرارات وزارية لا تستند إلي شرعية‏..‏ ماذا عن الفنادق التي باعتها وزارة السياحة‏..‏ والأراضي التي خصصتها وزارة الزراعة‏..‏ والمؤسسات والشركات التي باعها وزراء المالية والاقتصاد والاستثمار في سنوات مضت‏..‏ أن عددا كبيرا من الوزراء كان يتصرف في ممتلكات الدولة وكأنها ممتلكات خاصة‏..‏ فأين كان مجلس الوزراء‏..‏ ومجلس الشعب وكل هذه الممتلكات تباع دون سند قانوني ؟‏..‏

‏*‏ ما هو الموقف القانوني لعمليات التخصيص التي قام بها الوزراء سواء في الأراضي الزراعية أو الصحراوية أو المدن الجديدة أو الشواطيء خاصة أن د‏.‏بدوي في رسالتة يؤكد أن هذه الإجراءات غير دستورية لأن الشواطيء والصحاري أملاك عامة للدولة لا يجوز التصرف فيها إلا بقرار من مجلس الشعب ومجلس الشوري معا‏..‏

‏*‏ أين الجهات القانونية المسئولة عن إبرام العقود بين الوزارات والجهات التي قامت بشراء هذه الأصول وكيف سمحت بالبيع رغم وجود نصوص في الدستور والقانون تمنع ذلك‏..‏ وماذا عن رفض مجلس الدولة للكثير من التعاقدات التي أبرمتها الوزارات المختلفة لأن فيها مخالفات صريحة لقوانين الدولة‏..‏ والغريب أن يوجد حول كل وزير عشرات المستشارين القانونيين فماذا يفعل هؤلاء؟‏..‏

‏*‏ إن معظم المشروعات التي تم بيعها في برنامج الخصخصة تم تقدير أسعارها علي أساس القيمة الدفترية بما في ذلك المصانع والأراضي وأن مثل هذه الإجراءات تمثل مخالفة صريحة للقانون لأنها لا تمثل القيمة الحقيقية لهذه المشروعات وماذا عن عقود المصانع التي تحولت إلي عقارات وأراضي بناء ومنتجعات لأن في هذه العقود ثغرات كثيرة وأكبر نموذج علي ذلك بيع‏100‏ ألف فدان للأمير السعودي الوليد بن طلال في توشكي حيث يضع الاتفاق‏40‏ شرطـا ملزمـا علي الحكومة المصرية دون أن يضع شرطـا واحدا علي الأمير السعودي‏..‏

‏*‏ ماذا عن عشرات الصفقات التي تمت تحت نظام‏BOT‏ و‏BOOT‏ و‏BLT‏ وهي جميعها عقود التزام ويجب أن تخضع لعقود الالتزام في الدستور والقانون من قيود وضمانات تتوافر فيها الجدية والعلانية والمنافسة والإشراف من السلطة الإدارية‏..‏

‏*‏ ماذا عن استصدار قوانين أو قرارات بقوانين تضفي طبيعة الأموال العامة علي الأموال الخاصة تمهيدا للتصرف فيها‏..‏ حدث ذلك في الأراضي الصحراوية التي وزعتها الوزارات المختلفة وهيئات التنمية الزراعية والسياحية ومنها صفقات تمت مع مستثمرين أجانب في مخالفة صريحة للقوانين‏..‏

ما جاء في رسالة د‏.‏ثروت بدوي يطرح قضية خطيرة لعل أبرز ما فيها أن الوزارات في مصر تتصرف في المال العام دون احترام للقوانين أو حساب لما جاء في الدستور حول الملكية العامة والضوابط التي تحكم التصرف فيها‏..‏ نحن أمام كارثة قانونية كانت سببا في ضياع ممتلكات الشعب‏..‏

‏..‏ ويبقي الشعر

عيدك ميلاد للأشجار

لربيع جاء بلا وعد والعمر قفار

لزمان ما زال بريئـا لم يعرف زيف الأعمار

تنبت في العمر جزيرة ماء خضراء

تتغـني فيها الأطيار

تنطلق طيور بيضاء

تعبر آلاف الاسوار

يهتز الكون فيحملني

لخمائل عطـر في جسدي

وجداول نار

فيصير الحزن بلا معنـي

ويصير الحب طريق دمار

أرصد عينيـك وراء الأفق

يطل بريق كالإعصار

نتسلق أحزان الدنيا

ويصير الكون ربيع نهار

من قصيدة في ليلة عشق سنة‏2003‏

‏fgoweda@ahram.org.eg‏

الاثنين، 26 أبريل، 2010

هوامش حرة : أشياء تثير الغضب

هوامش حره

أشياء تثير الغضب

بقلم: فاروق جويدة

22/04/2010


 
أشيـاء تثيـر الغضـب‏..‏عاد الرئيس حسني مبارك بسلامة الله إلي أرض الوطن منذ أسبوعين تقريبا وقضي الرئيس فترة نقاهة في شرم الشيخ لم تتجاوز هي أيضا أسبوعين ثم عاد لكي يمارس نشاطه باجتماعات وزارية تناقش الميزانية وتتابع أحوال المواطنين وبدأت عجلة العمل تعود في مؤسسات الدولة مع عودة الرئيس إلي ممارسة نشاطه الطبيعي‏..‏


ولابد أن أعترف بأنني شعرت بغضب شديد واستهجان حقيقي من موقف الحكومة المصرية برئيسها ووزرائها في أسلوب العمل وتحمل المسئولية طوال فترة غياب الرئيس أثناء علاجه‏..‏ أمر طبيعي أن يمرض الرئيس وأن يتطلب ذلك قدرا من الراحة‏..‏ كلنا مرضنا وكلنا معرض لأن يطلب هذه الراحة والنقاهة‏..‏ لقد حدث ذلك مع العشرات من رؤساء الدول والأمراء والملوك ولكن ما حدث للحكومة المصرية من توقف كامل عن أداء عملها ومسئولياتها طوال هذه الفترة يدعو للدهشة والتساؤل‏..‏ وعندي من الشواهد الكثير الذي أثار عندي كل هذا الغضب‏..‏

‏*‏ كان أمرا طبيعيا أن يصدر الرئيس قرارا بأن يتولي رئيس الحكومة اختصاصاته أثناء فترة إجراء العملية الجراحية في ألمانيا‏..‏ وذهب رئيس الحكومة إلي مؤتمر القمة في ليبيا ممثلا للرئيس وعاد الرجل دون أن نعرف شيئـا كدولة وكشعب ماذا حدث في هذا المؤتمر وماذا فعلت مصر وماذا قالت كانت كل الدول المشاركة في القمة تتحدث عن وفودها وما فعلت في الصحافة ووسائل الإعلام إلا الوفد المصري ذهب كما عاد ولم نسمع عنه شيئـا‏..‏

كان شيئـا غريبا أن يخبو صوت مصر تماما في القمة العربية الأخيرة وهي الدولة الأكبر والأهم‏..‏ ولم يكن هذا الغياب في القمة العربية هو المؤشر الوحيد لغياب مؤسسات الدولة المصرية التي لم تعمل شهرا كاملا غاب فيه رئيس الدولة‏..‏

‏*‏ حدثت فضيحة قضية الرشاوي التي قدمتها شركة مرسيدس لعدد من كبار المسئولين في دول العالم لترويج سياراتها وأشارت التحقيقات إلي تورط مسئول مصري في هذه القضية حيث حصل علي رشاوي في دفعتين الأولي مليون و‏120‏ ألف مارك الماني‏..‏ والثانية‏320‏ ألف دولار أمريكي وذلك مقابل توريد سيارات من شركة مرسيدس لهيئة حكومية مصرية‏..‏

أذاعت وكالات الأنباء والصحافة العالمية ووسائل الإعلام كل تفاصيل القضية ولم يحاول مسئول في الحكومة المصرية أن يعقب علي هذه المعلومات بالرفض أو القبول‏..‏ كان ينبغي أن يصدر بيان عن مجلس الوزراء بتوضيح الحقيقة إذا كان ذلك تم بالفعل أم انه ادعاء كاذب علي مسئول مصري كبير كما ذكرت أوراق القضية‏..‏ لقد ترك مجلس الوزراء الأخبار القادمة حول هذه القضية تتصاعد وتدور حول أسماء هنا وهناك وربما كانوا جميعا أبرياء ولهذا كان ينبغي أن يعرف الشعب الحقيقة كاملة حرصا علي سمعة مصر بشعبها ومسئوليها وكان التجاهل موقفـا غريبا ومريبا من الحكومة المصرية‏..‏

‏*‏ دار صراع رهيب في مؤتمر وزراء حوض النيل حتي أن آخر اجتماعات المؤتمر تجاوزت مدته‏20‏ ساعة واتسعت في هذا المؤتمر مساحة الخلاف بين دول المصب ودول المنبع وكان اجتماعا فاشلا بكل المقاييس في أوراقه ونتائجه‏..‏ وعاد وزراء الري الأفارقة وقد حققوا انتصارا ساحق في شرم الشيخ علي مصر والسودان دولتي المصب‏..‏ كنت أتصور أن يبقي هذا المؤتمر منعقدا وأن تمارس مؤسسات الدولة المصرية بكل ثقلها السياسي والاقتصادي كل ما تستطيع من الضغوط لتقريب وجهات النظر وألا ينتهي هذا المؤتمر بهذه النتائج المؤسفة علي أرض مصرية‏..‏ كيف تدار شئون دولة بهذا الاستخفاف وكيف نترك مؤتمرا بهذه الأهمية يضيع منا في لحظة بينما يوجد‏8‏ وزراء يمثلون دول المنبع ولا نصل معهم إلي نتائج أفضل رغم أن رئيس الحكومة كان في إثيوبيا منذ شهور قليلة وللأسف الشديد أن أثيوبيا كانت تقود المعركة ضدنا في هذا المؤتمر ولعل ذلك ما جعل الرئيس مبارك يتدخل شخصيا في الأيام الأخيرة لدي رؤساء دول المنبع لمواجهة هذا الموقف الخطير‏..‏

كانت خسارتنا في مؤتمر شرم الشيخ أكبر دليل علي غياب الحكومة بكل مؤسساتها‏..‏

‏*‏ في الوقت الذي تجمع فيه آلاف العمال المطرودين من شركاتهم والباحثين عن حقوقهم أمام مجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشوري لم يحاول مسئول في الحكومة أن يخرج إليهم ويسمع منهم‏..‏ آلاف العمال القادمين من المحافظات ينامون علي الأرصفة أياما طويلة في صورة تهز أركان هذا المجتمع وتشوه صورته أمام العالم كله‏..‏ في حين تتجه سيارات السادة الوزراء وحراساتهم إلي الحفلات والأفراح والليالي الملاح في الفنادق الكبري والمهرجانات السينمائية والليالي الراقصة في أرجاء المحروسة‏..‏ لماذا لم تتوقف سيارة واحدة أمام هؤلاء لتسمع شكاواهم وهم يعانون من الجوع والمعاش المبكر والطرد من أعمالهم‏..‏ ماذا ينتظر السادة الوزراء بعد ذلك‏..‏ ألم يسمع رئيس الحكومة صراخ هؤلاء وهم نائمون علي الأرصفة أمام مكتبه‏..‏ ولماذا لم يخرج إليهم‏..‏ وإذا لم يخرج لهؤلاء فلمن يخرج‏..‏

‏*‏ في مواجهة ساخنة بين د‏.‏ذكريا عزمي عضو مجلس الشعب ود‏.‏يوسف بطرس غالي وزير المالية استنكر د‏.‏عزمي توقيع عقود مع القطاع الخاص لإنشاء مشروعات البنية الأساسية لأن مجلس الشعب لم يقر بعد القانون الخاص بذلك‏..‏ وكان د‏.‏ عزمي علي حق في هذا الموقف ولكن إجابة د‏.‏يوسف بطرس غالي تثير العجب قال الوزير إنه تم بالفعل توقيع عقدين فعلا طبقـا لقانون المزايدات والمناقصات وإن أحد العقدين لإنشاء محطة لمياه الشرب والعقد الآخر لإنشاء محطة للصرف الصحي‏..‏

أن هذه القضية حتي وقت قريب كانت مجرد فكرة مطروحة للنقاش لأنها تتطلب وضع ضمانات كثيرة حتي لا تفتح مجالا للتلاعب والاحتكارات‏..‏ ولكن الواضح أنها بدأت بالفعل علي أساس من التلاعب والتحايل‏..‏ هل وافق مجلس الوزراء علي العقدين اللذين وقعهما وزير المالية‏..‏ وهل من حقه أن يوقع نيابة عن الحكومة وأين موافقة مجلسي الشعب والشوري بل أين ذلك كله من قانون جديد ينظم كل هذه الأنشطة ولم يعرض بعد علي هذا المجلس ولم يوافق عليه بصورة نهائية وما هو مصير العقدين اللذين وقعا بلا قانون ولماذا لم يتم الانتظار حتي إصدار القانون وما هي أسباب السرعة ؟‏..‏ ومن هذان الشخصان اللذان حصلا علي هذين العقدين وما قيمة كل عقد منهما وما هي الضمانات والشروط التي تحكم هذا النشاط وما هي الحكمة من سلق القوانين بهذه الطريقة؟‏..‏

إن قوانين المناقصات والمزايدات تتعلق بشراء صفقة قمح أو توريد أدوات مدرسية وليس إقامة مشروعات خدمية بهذه الأهمية وهذه التكاليف‏..‏ والسؤال الأخطر لماذا كانت السرعة في مثل هذا الإجراء وإذا كانت أمام الحكومة مئات المشروعات المؤجلة فلماذا تمت هذه الصفقة بهذه السرعة المريبة وكيف تم ذلك أمام غياب الحكومة بكل مؤسساتها ؟‏..‏

‏*‏ غابت الحكومة تماما في قضايا مراقبة الأسعار وما يحدث في الشارع المصري وكأنها أعطت الفرصة للتجار والسماسرة والمستوردين من أتباعها في هذه الزحمة لكي ينتهزوا حالة الغياب الحكومي و يفعلوا في المواطنين ما يريدون‏..‏ كان الدليل علي ذلك ما وصلت إليه أسعار اللحوم التي اقتربت من مائة جنيه للكيلو الواحد‏..‏ والغريب أن العشرات من أذون الاستيراد قد صدرت وسمحت باستيراد اللحوم من دول أفريقيا والهند وكل بقاع الدنيا‏..‏ انه الأوكازيون الذي فتحته الحكومة لكل من يريد أن يفعل شيئـا وأن يستغل فرصة نادرة تعيشها مصر بدون حكومة ليحقق الأرباح ويعقد الصفقات‏..‏

غابت كل أجهزة الرقابة في الأسواق‏..‏ وغابت كل أجهزة الرقابة علي السلع المستوردة‏..‏ واختفي المسئولون تماما وظهرت في الشوارع مواكب التجار تعبث بالغلابة وتتاجر في هموم الناس‏..‏

إن السادة الوزراء عادة يغيبون كلما انطلقت شائعات عن تعديل وزاري حيث يجلسون في مكاتبهم لا يفعلون شيئـا ينتظرون قرارا بالبقاء أو قرارا بالرحيل ولكن الغريب أن الوزراء غابوا هذه المرة في لحظة صعبة كانت تتطلب جهدا أكبر وعطاء أصدق وكان ينبغي أن يتحملوا مسئولياتهم كاملة في ظل غياب الرئيس أمام وعكة صحية طارئة‏..‏

كان موقف الحكومة شيئـا مخزيا ولا يليق في هذا الوقت العصيب لأن معادن الناس تظهر في مثل هذه الظروف‏..‏

كل ما حدث في هذه الأيام الصعبة معارك وخناقات في مجلس الشعب وشتائم بين النواب ودعوات شاذة بين أعضاء الحزب الوطني لإطلاق الرصاص علي المتظاهرين المطرودين من أعمالهم لأنهم يهددون أمن الوطن واستقراره‏!!‏ بينما كانت تدور معارك أخري علي شاشات التليفزيون الحكومي حول خلافات شخصية ومجالس فاشلة للصلح وهجوم كاسح من وزير التربية والتعليم د‏.‏أحمد ذكي بدر علي المدرسين وكأن أزمة التعليم في مصر سوف يحلها طرد مدرس أو نقل ناظر أو فصل تلميذ‏..‏

آداء حكومي قاصر‏..‏ ومسئولون لا يقدرون معني اللحظة وما ينبغي أن تكون عليه المسئولية وما هو المطلوب منهم في مثل هذه الأزمات‏..‏ أشياء تثير الغضب‏..‏

‏..‏ ويبقي الشعر

في ليـلة حزن وحشيه

امرأة في ليلة حزن

تعبر في صخب العربات

وأنا واللــيل وقنـديل‏..‏ وطريق مات

ما عاد يحس بأقـدامي

كم كان يطل فيعرفـني

يسمع خطواتي إن عبرت بين الخطـوات

يعرف فرحتـها حين تطير

ولهفتها لحبيب آت

يعرف أنفاسي إن هربت منـها النـبـضات

يبكي أحيانـا من حزني

ويداوي جرحي بالضحكات

وكثيرا ما أنس لوجهي

وتـسـلــي عنـدي بالساعات

والآن أراه بلا قلـب

لا يعرف من عبروا فيه

لا يذكر من عشقـوا فيه

أحياء كانـوا‏..‏ أم أموات

فالدرب الصامت مسجون مثــل الكلمات

في ليـلة عشق صيفيه

امرأة في ليلة حب ذكـري ميلاد

عيدك ميلاد مرصود لشموع الكـون

في أول يوم في التـاريخ

قرأت حروفـا من إسمك

في آخر يوم في التـاريـخ

سيشرق صبح في رسمك

قلبان نـرتـل أغـنية

يتـنـاثـر جسدي في جسدك

يتـلاشي وجهـي في وجهك

نـغـرق في الليـل فلا نـدري

هل نـام الفـجر علي وجهـي

أم نـام الليـل عـلـي شعرك

أتدفــق نارا كالبركـان

فأطفيء نـاري في ثـغـرك

أسقـط أمطارا من عينـيــك

أصب جنـوني في نـهرك

ننشطر سحابا فوق الريح

أنام قتيلا في صدرك

‏'‏ من قصيدة في ليلة عشق سنة‏2003'‏

‏fgoweda@ahram.org.eg‏

الاثنين، 19 أبريل، 2010

هوامش حرة : برامج الهواء‏..‏ والزواج الباطل

هوامش حرة

برامج الهواء‏..‏ والزواج الباطل

بقلم: فاروق جويدة

15/04/2010





تراجعت بصورة واضحة في الفترة الأخيرة برامج الهواء في التلفزيون سواء كانت مصرية أو عربية‏..‏ فضائية أو محلية‏..‏ لم يعد المشاهد حريصا كما كان علي أن يتابع هذه البرامج‏,‏













فهناك مؤشرات كثيرة تؤكد تراجعها من حيث نسبة المشاهدة أو التأثير في المشاهدين‏..‏ وأكاد أجزم أن هذا التراجع ارتبط بما حدث في موقعة الجزائر الإعلامية وما شهدته من انتهاك لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والإعلامية التي عرفها الإعلام العربي منذ بداية ظهوره حتي الآن‏,‏ لقد كشفت هذه الموقعة التاريخية عن جوانب قصور كثيرة في منظومة الإعلام علي مستوي المقدمين ومستوي البرامج ولغة الحوار‏..‏

هناك أسباب كثيرة جعلت هذه النوعية من البرامج تتراجع‏,‏ خاصة أنها وصلت في يوم من الأيام إلي درجة من التأثير تجاوزت كل الحدود‏..‏ وكان الرهان أن هذه البرامج يمكن أن تتحول في يوم من الأيام إلي منابر للحريات تطرح الشعوب من خلالها أحلامها وأفكارها وقضاياها‏..‏ هذه المنابر الإعلامية كان من الممكن أن تتجاوز في دورها وتأثيرها أحزابا سياسية لا تعمل‏,‏ وتنظيمات ثقافية لا تري‏,‏ونخبة تراجع فكرها ودورها وتجمد في أهداف صغيرة وأحلام خاصة للثراء أو الشهرة أو المناصب‏..‏

كان الأمل كبيرا في برامج الهواء‏,‏ خاصة أنها فتحت أفاقـا واسعة للحوار واقتربت من ممنوعات كثيرة في الدين والمعتقدات والفكر والسياسة والثوابت وحركت مياها راكدة وعقولا تبلدت زمنـا طويلا‏..‏

علي المستوي السياسي أثارت هذه البرامج قضايا كثيرة ابتداء بتزوير الانتخابات وانتهاء بحرية الأفكار والعقائد‏..‏ ووجدنا برامج حادة وعنيفة تهز العقل العربي بعنف وتفتح أمامه أفاقـا جديدة من التساؤل والدهشة والرفض أو القبول‏..‏

علي المستوي التاريخي كشفت هذه البرامج خبايا كثيرة من خلال حوارات طويلة مع أصحاب القرار السابقين واللاحقين الذين لعبوا أدوارا تاريخية لم يعرفها أحد من قبل‏,‏ وكشفوا أسرارا كثيرة كانت في حكم المحظورات‏..‏ بل إن هذه الخبايا صدمت المشاهدين في أشخاص رحلوا أو آخرين مازالوا أحياء بيننا‏..‏

علي المستوي الفكري والثقافي فتحت هذه البرامج حوارات كثيرة حول قضايا الفكر وأحوال الثقافة والمثقفين ولعبت دورا كبيرا في إنعاش الذاكرة‏..‏

ولاشك أن هذه البرامج شاركت بجدية في مواجهة مشاكل الناس وأزمات المجتمع في الخدمات والأسعار وهموم الحياة اليومية بصفة عامة‏,‏ ابتداء بالعشوائيات وما يحدث فيها وانتهاء بتلال الزبالة التي تحاصرنا في كل مكان‏..‏

هذه بعض الجوانب الإيجابية التي اتسمت بها هذه البرامج فترة من الزمن‏..‏ ولكن للأسف الشديد تسلل إلي شاشات التليفزيون أشخاص لا علاقة لهم بفن يسمي الإعلام له دراساته ومناهجه وأصوله وثوابته في لغة الحوار والقدرة علي الإقناع ورحابة الصدر وعمق الثقافة‏..‏

ظهرت أمراض كثيرة في برامج الهواء‏..‏

‏*‏ كان من أخطر هذه الأمراض لغة سوقية تسربت إلي هذه البرامج وأفقدتها الوقار والاحترام والمصداقية‏..‏ ووجدنا أنفسنا لا نفرق بين برنامج يتناول قضايا سياسية أو فكرية أو أخلاقية‏,‏ وبرنامج آخر يغطي ردود أفعال الجماهير الغاضبة في مباريات كرة القدم‏..‏ لم نعد نفرق بين برنامج يستضيف أحد رجال الفكر أو القضاء أو رمزا من رموز السياسة‏,‏وفريق من المشجعين في مدرجات الدرجة الثالثة‏..‏ اختلطت الأوراق في هذه البرامج وتسربت إليها أسماء لا علاقة لها بالإعلام أو لغة الحوار أو الثقافة والفكر‏..‏

إن انحطاط لغة الحوار والتجاوزات الفجة في هذه البرامج كان أول مراحل التراجع والسقوط‏..‏

‏*‏ كانت فضيحة الجزائر الإعلامية أكبر الشواهد علي ذلك‏,‏ حيث انطلقت من هذه البرامج أبشع الألفاظ وأسوأ الشتائم تلوث الهواء أمام غياب كامل للثوابت الأخلاقية والمهنية‏..‏ وجدنا أمامنا مجموعة من الأشخاص لا نعلم من أين جاءوا يجلسون علي‏'‏ المصاطب‏'‏ ويهدرون كل موازين السياسة والأخلاق والرياضة والسلوك‏..‏

كشفت موقعة الجزائر الإعلامية عن أخطر جوانب القصور في هذه البرامج وهو الجهل وانعدام الثقافة وفساد الأخلاق والذمم‏..‏

‏*‏ زادت الأزمة تعقيدا بعد أن تحولت بعض هذه البرامج إلي ساحات للأحكام ومنابر للقضايا التي تنظرها الجهات القضائية‏..‏ كانت القضايا تدور في سراديب المحاكم بين القضاة‏,‏ بينما هناك محاكمات أخري تجري أمام الفضائيات‏..‏ كان من الخطأ الجسيم أن تصبح هذه البرامج طرفـا يدافع عن أشخاص يحاكمون أمام العدالة‏..‏ ويلقون التهم هنا أو هناك‏..‏ وكان المحامون يتركون ساحات القضاء والمرافعات ويمارسون معاركهم علي شاشات هذه البرامج‏..‏ هذا التدخل الصارخ في مسئوليات السلطة القضائية وضع علامات استفهام كثيرة أمام مصداقية وشفافية هذه البرامج‏..‏ وباستثناء برامج قليلة جدا حرصت علي الالتزام بالقواعد الأخلاقية والمهنية للعمل الإعلامي فإن برامج كثيرة سقطت في هذا الخطأ الجسيم‏..‏

‏*‏ من أكبر الخطايا التي أساءت لهذه البرامج أيضا تداخل المصالح بين المشرفين عليها ورجال الأعمال‏..‏ في الفترة الأخيرة أصبح ظهور رجال الأعمال في هذه البرامج واجبا يوميا مفروضا علي المشاهدين‏..‏ وللأسف الشديد أن لغة الحوار والقضايا كانت تحاول تبرير أخطاء وتجاوزات لأشخاص خضعوا لمحاكمات قضائية وتدور حولهم شبهات كثيرة‏,‏ وكان ينبغي أن تراجع هذه البرامج مواقفها حتي لا تسقط في هذا الشرك‏,‏ ويبدو أن تداخل المصالح بين الإعلام ورأس المال فتح أبوابا كثيرة لعلاقات غير حميدة‏..‏ لم تكتف كتائب رأس المال بإقتحام السياسة وزواجها الباطل مع السلطة ولكنها عقدت زواجا أخر مع الإعلام في صفقة خاسرة لرسالته وأهدافه‏..‏

وقد اتضح ذلك بصورة فجة في الاحتفاليات التي أقامتها بعض البرامج لرجال الأعمال العائدين لمصر أو المقيمين في الخارج ممن حصلوا علي تعويضات من الدولة وكأنهم خاضوا معارك حربية‏..‏

لقد كنا دائما ننبه إلي خطورة الزواج الباطل بين السلطة ورجال الأعمال‏,‏ فقد ترتبت عليه كوارث كثيرة مازلنا نعاني منها‏..‏ ولكن الكارثة الأكبر هذا الزواج الذي نشهده الآن بين الإعلام ورجال الأعمال وكأن سلطة رجال الأعمال لم تكتف بالسياسة أو الأحزاب ولكنها اجتاحت بقوة دوائر الإعلام لتسخرها لمصالحها وأهدافها لتبرير أخطائها وخطاياها‏..‏

‏*‏ كان من الخطأ أيضا أن تنتقل أمراض صاحبة الجلالة إلي شاشات التليفزيون‏..‏ هناك أجيال جديدة في الصحافة المصرية نشأت بعيدة عن أخلاقيات المهنة وثوابتها‏..‏ بعض هذه الأجيال تأثر كثيرا بالأجواء الأمنية التي عاش ونشأ فيها ومارسها‏..‏ وهذه الأجيال لاتعرف الكثير عن لغة الحوار ورسالة الكلمة وما ينبغي أن تكون عليه‏..‏ كما أن أسلوب الأثارة الذي حرصت عليه الصحافة المستقلة لجذب القاريء انتقل إلي برامج الهواء وتسابقت فيما بينها من يكون أكثر جرأة وأكثر إثارة‏,‏ بل أنها تحولت أحيانـا إلي مصدر من مصادر نشر الشائعات والفضائح دون أن تتأكد من صدق ما يقال‏.‏

وإذا كانت الصحافة قد خسرت أجيالا واعدة تركت العمل الصحفي واتجهت إلي الفضائيات‏,‏ فإن هذه الأجيال حملت أمراضا كثيرة لهذه الفضائيات‏,‏ وهنا اجتمعت سلسلة من الأخطاء منها ما هو مهني ومنها ما هو أخلاقي في مسيرة هذه الأجيال‏..‏

‏*‏ كان من أسوأ الأخطاء التي سقطت فيها برامج الهواء أيضا البرامج الدينية التي جمعت أعدادا رهيبة من الدعاة القدامي والجدد‏..‏ واختلفت الصور بين دعوات صارخة إلي الانفتاح والتسيب ودعوات متشددة لا حديث لها إلا عن عذاب القبر وجحيم الآخرة‏..‏ ما بين دعاة يبيحون السجائر والقبلات في رمضان وآخرين يطالبون الأطفال بالنقاب‏..‏ مساحات كبيرة ملأها سواد العقول والنفوس والمشاعر‏..‏ ووسط هذا تسللت مواكب أخري من الدعاة الشبان الذين يرتدون الملابس المزركشة علي طريقة الفيديو كليب ونجوم الأفلام الهابطة ويجلسون علي مصاطب الفضائيات يفتون ويفسرون وهم يخطئون في أبسط قواعد اللغة العربية‏,‏ ولا يقرأون جملة عربية سليمة‏..‏ وسط هذا الصخب وهذا الضجيج تواري صوت العلماء الحقيقيين من رجال الدين الأجلاء وزاد الطين بلة هذه البرامج التي تخصصت في تفسير الأحلام والأحاديث عن الجن والعفاريت والخزعبلات التي امتلأت بها رؤوس المشاهدين أمام أجواء إعلامية فاسدة‏..‏

لاشك أن هذه البرامج التي انتشرت كثيرا وجمعت الملايين حولها يوما من الأيام تواجه الآن اختبارا صعبا‏,‏ لقد فقدت مصداقيتها حينما ساءت فيها لغة الحوار كما حدث في موقعة الجزائر‏,‏ ولم تستطع أن تفرق بين كلمات لا تقال حتي في السر ثم تصبح حديثـا للملايين علي شاشات التليفزيون وقد حدث ذلك مرة أخري علي شاشات تليفزيون الدولة المصرية في معركة استخدمت فيها كل الأسلحة الهابطة‏.‏

ما الذي يهم الناس في رجال الأعمال العائدين أو الهاربين‏..‏ ومن الذي يفرض علي المشاهد أن يسمع هذا الكم من الشتائم بالأب والأم وهذه التلال من الفضائح بين أشخاص لا يمكن أن يكونوا نموذجا للقدوة أو السلوك القويم‏..‏ هذه البرامج التي توحدت فيها قوة الإعلام وسلطة المال لتصنع خطيئة كبري ضاعت فيها حرمة الكلمة ومصداقية المواقف وأمانة المسئولية وأصبحت سوقـا مفتوحة لمن يشتري ويدفع‏..‏

لقد أفسدت هذه البرامج حياة الناس بهذا الكم من الكآبة أمام قضايا القتل والموت والدمار والفضائح التي تذاع كل يوم ويشاهدها ملايين الأطفال‏..‏ وقبل هذا كله كانت قضايا الاتجار بالدين التي شوهتها هذه البرامج حين فتحت أبوابها لكل من هب ودب ليفتي ويحرم ويدخل الناس الجنة ويلقي بهم في الجحيم‏..‏

أن اخطر ما يواجه الإعلام العربي الآن ليس تسلط حكومات استبدادية فقط‏.‏ ولكن سيطرة رؤوس أموال مشبوهة علي الإعلام لا نعرف من أين جاءت ومن يقف وراءها‏..‏ وبعد أن كان زواج السلطة ورأس المال أبرز مظاهر هذا العصر أصبح زواج الإعلام ورأس المال أكبر وأسوا خطايا هذا العصر‏..‏



‏..‏ ويبقي الشعر

البحر يحبـك أمواجا

وشواطيء ذابت فيها الشمس

والعمر يغرد حين تطل نجوم اليوم

وتنسانا أشباح الأمس

والنـاس تجيئــك أسرابا

تتلهف شوقـا وحنينـا لليالي الأنس

فاترك أحزانـك للأيـام ولا تعبـأ

بخيول ماتت‏..‏ أجهضها‏..‏ طغيان اليأس

فالليـل يعربد في الطـرقات

ويرصدنا بعيون البؤس

أطلق أيامك فوق الريح فما أقـسي‏..‏

أن تبــكي العمر إذا ولـي وانتحر الكأس

في ليـلة حزن وحشيه

أبحث عن صدر يحميني

ويعيد دماء شراييني

فأنا مرتعد كالأطفال

طيور النـوم تـجافيني

أزرع أحلامي يدميها

سيف الجلاد ويدميني

أزرع في عيني بستانـا

يـأتي القنــاص ويرصدني

يحرق في الليـل بساتيني

مهزوم في عشق بلادي

في صرخة سخطي وعنادي‏..‏

حتــي الأحلام تـعاندني

وبكل طريق تـلقيني

ما أجمل أن أجد امرأة

في ساعة موتي‏..‏ تـحيينـي



‏fgoweda@ahram.org.eg‏

الجمعة، 9 أبريل، 2010

هوامش حرة : هواء فاسد‏..‏ بين الشعب والحكومة

هوامش حره 
هواء فاسد‏..‏ بين الشعب والحكومة
يكتبها: فاروق جويدة



أحد القراء من مدينة المنصورة أرسل إلي هذا الأسبوع رسالة غريبة‏..‏ القاري العزيز يريد أن يعرف كيف يدخل موسوعة جينز للأرقام القياسية علي مستوي العالم لأنه يمتلك الآن سبعة أرقام للتليفون المحمول برقم واحد من ثلاث شركات حسب كود كل شركة‏..‏



وأرقام التليفونات التي يريد القاريء أن يدخل بها موسوعة جينز موحدة في جميع أرقامها في التليفونات السبعة والاختلاف الوحيد في أرقام الكود وهي‏01044‏ و‏01144‏ و‏01244‏ و‏01644‏ و‏01744‏ و‏01844‏ و‏01944‏ ولن أنشر أرقام الرجل كاملة حرصا علي سريتها ولكن رسالة القاريء العزيز أثارت عندي شجونـا كثيرة حول عدد من الأرقام في حياة الشعب المصري‏..‏
وعلي سبيل المثال فإن دخل الفرد هو الذي يضع خريطة الفقر ولأن الخلاف بين المسئولين عندنا كان دائما حول مستوي دخل الفرد اختلفت الأرقام وتفاوتت معها مستويات الدخل وتفاوتت أيضا نسبة الفقراء في خريطة المجتمع المصري‏..‏
إن الغريب في الأمر أننا في أحيان كثيرة نقرأ الأرقام ولا نعرف حقائق كثيرة تخفيها هذه الأرقام وربما كان هذا هو السبب الرئيسي في أن المسئولين عندنا يغرقون المواطن المصري في كم رهيب من الأرقام ويتركونه حائرا ضائعا‏..‏
وكثيرا ما تتفاوت درجات الاختلاف في الأرقام التي يعلنها المسئولون بحيث نراها بالبلايين وليس الملايين‏..‏ ولعل هذا هو السبب في أن نسمع أرقاما من وزارة المالية غير أرقام وزارة التخطيط غير أرقام الجهاز المركزي للمحاسبات‏..‏ وعلي سبيل المثال فإن أحد الوزراء قال أمام شاشات التلفزيون أن ديون مصر‏750‏ مليار جنيه بينما أرقام الجهاز المركزي للمحاسبات تؤكد أنها‏941‏ مليار جنيه فهل يمكن أن تختلف حكومة واحدة حول مائتي مليار جنيه‏..‏
حتي الآن لا أحد في مصر يعرف الرقم الحقيقي لأموال التأمينات التي صادرتها وزارة المالية وفرضت الحراسة المالية عليها‏..‏ ولا أحد يعرف الرقم الحقيقي للديون وفوائدها ولا أحد أيضا يعرف السعر الحقيقي لصادرات الغاز والبترول أمام تضارب الأرقام حتي أرقام الدعم التي تتحدث عنها الحكومة يثور حولها جدل كبير‏..‏
‏*‏ حملتني رسالة القاريء العزيز الذي جمع أرقام التليفونات المتشابهة وأصبح لديه سبعة أرقام منها مرة واحدة إلي قضية المحمول في مصر وكيف وصل دخل شركات المحمول إلي‏35‏ مليار جنيه سنويا يدفعها‏55‏ مليون مواطن‏..‏ في تقديري أن الرقم مخيف جدا إذا وضعناه أمام مستوي الدخل للمواطن المصري وأعباء الحياة و‏40%‏ من السكان يعيشون تحت خط الفقر‏..‏ وربما كان هذا من الأسباب التي جعلت مواطنـا بسيطـا في المنصورة يشتري‏7‏ خطوط من شركات التليفون المحمول ويحاول أن يدخل موسوعة جينز‏.‏ إن‏35‏ مليار جنيه تبتلعها شركات المحمول من المصريين سنويا رقم مخيف للغاية‏..‏ وعملية ابتزاز صريحة‏..‏ إننا في النهاية نشتري الهواء وتضيع منا هذه المبالغ الرهيبة في قصص وحكايات من الرغي اليومي التي يمارسها المواطن المصري وهي بكل المقاييس ليست خسارة مادية فقط علي المواطن المصري ولكنها تضييع للوقت وإفساد للعمل‏..‏ واستهلاك للمال والعمر والكهرباء إن التليفون المحمول في مصر الآن أصبح عبئـا ثقيلا علي الأسرة المصرية ووحدات العمل ومؤسسات الدولة رغم البلايين التي تجمعها شركات المحمول‏..‏ حتي التكنولوجيا أسأنا استخدامها‏..‏
‏*‏ رقم آخر توقفت أمامه وهو استهلاك المصريين للسجائر‏..‏ هناك أرقام تقول إن المصريين يدخنون‏80‏ مليار سيجارة سنويا أي ما يعادل‏4‏ مليارات علبة وإذا كان متوسط ثمن علبة السجائر خمسة جنيهات فقط فنحن أمام‏20‏ مليار جنيه وفي رواية أخري أن المصريين يدخنون كميات من السجائر قيمتها‏30‏ مليار جنيه وأن عدد المدخنين في المحروسة يتجاوز‏13‏ مليون مواطن وهذا أيضا رقم مخيف إذا أضفنا له أن هذه السجائر تتسبب في أمراض تحتاج سنويا إلي‏3‏ مليارات جنيه لعلاجها وأعتقد أن الملف الكامل لموضوع السجائر موجود عند كاتبنا الكبير صلاح منتصر وحملته الدائمة ضد التدخين إذا أراد أحد الباحثين في العلوم الاجتماعية أن يسجل رسالة جامعية حول كارثة التدخين في مصر‏..‏
هذه أيضا أرقام مخيفة أن يدفع رب الأسرة هذه الآلاف كل عام لكي يمارس هواية قبيحة مدمرة اسمها التدخين‏.‏
‏*‏ أستطيع أن أضيف إلي هذه الأرقام‏12‏ مليار جنيه يدفعها المصريون في الدروس الخصوصية وهي بكل المقاييس أفسدت منظومة التعليم في مصر وهو أساس البناء السليم للبشر في كل زمان ومكان‏..‏ الصورة أمامي تبدو سيئة للغاية إذا كنا نتحدث عن إصلاح سياسي او اقتصادي أو اجتماعي كيف يمكن أن يحدث ذلك في ظل هذه الأرقام‏..‏
أن‏35‏ مليار جنيه من الرغي في المحمول ضياع للوقت والعمر وتأكيد علي عدم الاحساس بالزمن وذلك كله من أسوأ أعراض التخلف‏..‏
أن‏30‏ مليار جنيه من الدخان المتناثر في البيوت والمكاتب والشركات والأعمال والمؤسسات والشوارع ضياع للصحة واستنزاف للقدرات وإفساد لشباب في عمر الزهور وهم مستقبل هذا البلد‏..‏ وماذا يبقي للأسرة المصرية إذا كانت تدخن بهذا المبلغ الرهيب‏..‏ وتتكلم في التليفون المحمول بهذه الأرقام الخيالية‏..‏
‏*‏ نأتي بعد ذلك إلي أم الكوارث وهي‏22‏ مليار جنيه سنويا يستهلكها المصريون في المخدرات وهي تعادل‏80%‏ من دخل قناة السويس كما جاء في تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء‏..‏ ماذا يعني أن تحصل المخدرات علي هذا الرقم من الدخل القومي المصري‏..‏ وما الذي يترتب علي ذلك كله‏..‏ بعيدا عن النتائج الصحية السيئة‏..‏ وفساد السلوكيات‏..‏ وانتشار الجرائم فإن هذا يعني تغييبا لعقل الملايين من المصريين‏..‏
نحن أمام أربعة أرقام كل رقم فيها يمثل جريمة مشتركة بين شعب وحكومته‏..‏ إذا كان ذلك كله بتشجيع وتأييد ودعم من الحكومة فلابد من الحساب‏..‏ إن الحكومة تحصل علي الضرائب من مكالمات المحمول وهي سعيدة بهذه الأعداد المخيفة التي تستخدم هذا الجهاز‏..‏ وتحصل علي الضرائب من تجار المخدرات‏..‏ وتحصل علي الضرائب من استيراد الدخان والسجائر وبعد ذلك تحصل علي الضرائب من الدروس الخصوصية‏..‏ وهي بذلك شريك ومحرض‏..‏
نحن أمام تراجع خطير في سلوكيات الناس أمام غياب الوعي وانتشار الجرائم وعمليات القتل والعنف في الشارع المصري تحملها كل يوم صفحات الحوادث في الصحف وشاشات التلفزيون‏..‏
نحن أمام منظومة تعليمية أفسدت أجيالا وراء أجيال خاصة إذا أدركنا أن نصف عدد الذين يدخنون ويتعاطون المخدرات تتراوح أعمارهم بين‏15‏ و‏25‏ عاما أي أنهم في مراحل التعليم المختلفة‏..‏ وإذا أضفنا لذلك كارثة الدروس الخصوصية لا تضح لنا ما يحدث للعقل المصري من عمليات تخريب وتدمير كامل‏..‏
ولنا أن نتصور حالة شعب يدفع‏35‏ مليار جنيه في‏'‏ الرغي‏'‏ علي التليفون المحمول و‏30‏ مليار جنيه لدخان السجائر و‏22‏ مليار جنيه لأنفاس المخدرات ثم نطلب منه أن يفكر بعد ذلك أو يطالب بحقوقه أو يسعي لتغيير أوضاعه أو يواجه منظومة الفساد في حياته إنها بلايين تتبخر في الهواء ما بين هواء المحمول وهواء السجائر ودخان المخدرات‏..‏
كيف نتحدث بعد ذلك كله عن إصلاح سياسي يتطلب شعبا علي درجة عالية من الوعي والإدراك‏..‏ أو نتحدث عن إصلاح اجتماعي يواجه التطرف والجريمة في الفكر والسلوك‏..‏ أو نتحدث عن إصلاح اقتصادي يرتفع بمحدودي الدخل وهم غارقون ما بين المحمول والتدخين والمخدرات‏..‏ أو نتحدث عن ميزانية اختلت مقاييسها في كل شيء وهي تحمل سنويا‏100‏ مليار جنيه لأحاديث التليفونات وشراء السجائر والمخدرات والدروس الخصوصية‏..‏
لا أستطيع أمام مثل هذه الأرقام أن أبريء المواطن المصري ابتداء برب البيت الذي ترك الابن ضائعا بين التدخين والمخدرات ولا أستطيع أن أبريء الحكومة التي تركت الحابل بالنابل وهي تري النيران تحيط بنا من كل جانب‏..‏
ولا أستطيع أن أبريء منظومة التعليم والإعلام والثقافة لأنها لم تواجه بحسم هذه الظواهر الخطيرة إذا لم تكن قد ساعدت علي رواجها إن الدروس الخصوصية مسئولية تعليم خاطيء‏..‏ والتدخين والمخدرات مسئولية إعلام يروج لها‏..‏ وغياب العقل المصري كان نتيجة طبيعية لبرامج ثقافية اهتمت بالشكليات والمظاهر وتركت الجهل والتخلف يحاصر عقول الناس‏..‏
أرقام مخيفة توقفت أمامها حائرا‏..‏ مائة مليار جنيه ندخن بها ونتعاطي المخدرات ونرغي في التليفونات ونتعاطي الدروس الخصوصية وبعد ذلك مازلنا نتحدث عن المستقبل والإصلاح والتغيير‏..‏ لنا أن نتصور الجوانب السلبية الأخري التي حملتها هذه الأرقام الأربعة نحن أمام انهيارات خطيرة في صحة المصريين وانهيارات أخطر في الجرائم بسبب التدخين والمخدرات والآثار السيئة لسوء استخدام التليفون المحمول‏..‏
كلها كوارث هوائية‏..‏ إنها هواء فاسد‏..‏ بين الشعب وحكومته‏..‏


..‏ ويبقي الشعر
 
في لـيـلة عشق صيفيه
في لـحظـة حزن وحشية
ما أجمل أن أجد امرأة
في ساعة ضيق
تـشرق كالـفـجر علي الـعينين
فيغمرني شلال بريق
تتقاسم حزني كالأطـفـال فألـقـاها
بيتـا وحنـانـا وأمانـا ووفـاء صديـق
أتقاسم معها أيامي
خبز التـرحال‏..‏ كـؤؤس الفـرح
شموخ الحلـم
وتـؤنسني في كـل طريق
تـصبح بركانـا حين تـثـور
ونهر حنان حين تـفيق
تـنـتـشل يقيني من شكـي
وتخلـص عمري من سأمي
وتـمد يديها خـلـف الموج
وتـحملـني أشلاء غريق
حواء تـحبك سلـطانـا
تـتـهادي بين الحراس
وتـريدك وجها قـنـاصا
تـتـواري منــك الأنـفاس
وتـريدك نـهرا وسحابا
وتـريدك فـرحا وعذابا
وتـريد الملـهي والقـداس
ما أجمل أن تـجـد امرأة
تـمنحك الأمن مع الإحساس
ما أجمل أن تـجد امرأة
تتلاشي فيك وتسكـنها كطـيور النـهر
وتراها تـرقـص فـوق الموج
كأغنـية عانـقها الـبحر
تـخفيك ضياء في الـعينين
وتـسمعها كدعاء الـفجر
وتـخاف عليـك من الدنـيا
ومن الأيام وغدر الدهر
في ليلة حزن وحشية
ما أجمل أن تـجد امرأة
توقظ أفـراحا منـسيه
وتـعيد لـيالي ورديه
في رحلة عمر مكـتـوبه
أجـلس أحيانـا في سأم
أنظر في كأس مسكوبه
قطرات قد بقيت فيها
ما عادت كأسي مرغوبه
أجد الأحلام تـراوغـني
تـبدو أحيانـا مصـلوبه
تبدو أحيانـا مغلوبه
ما أسوأ أن تلقـي زمنـا
بعيون ثكـلـي‏..‏ مثقـوبه
زمن الأشياء المقـلـوبه
زمن بهمومي يتـسلـي
وربيع زهور قد ولـي
في عيني لؤلؤة نـامت
والكون شموع تتدلـي
ما أجمل أن تـجد امرأة
بدرا بسمائك يتـجلـي
في لـيـلة عشق صيفيه
‏'‏من قصيدة في ليلة عشق سنة‏2003'‏

هوامش حرة 9/4/2010 

الجمعة، 2 أبريل، 2010

هوامش حرة : فوضي الأرقام والحقيقة الغائبة‏..‏

هوامش حرة

فوضي الأرقام والحقيقة الغائبة‏..‏

بقلم: فاروق جويدة



ما بين حقائق كثيرة ذكرها تقرير د‏.‏جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أمام مجلس الشعب وردود أفعال المسئولين في الحكومة تبدو هناك تناقضات كثيرة بين ما ذكر الجهاز وما قالت الحكومة‏..

‏ هناك حقائق كثيرة غائبة عنا بل هناك تعارض شديد بين أرقام الحكومة وأرقام الجهاز المركزي للمحاسبات والمطلوب وضع حد لهذا التناقض‏,‏ ليس لأنه يثير الهواجس والشكوك لدي المواطنين ولكن لأنه يتحدث أمام العالم الخارجي بلغتين ويؤكد أن فوضي الأرقام يمكن أن تكون سببا في كوارث كثيرة‏..‏

نقطة البداية عندي أنني توقفت عند بعض التساؤلات التي لم أجد لها إجابة‏:‏

‏*‏ لماذا كان المهندس أحمد عز رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب هو أول المتحدثين والمدافعين عن الحكومة أمام تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات؟ وهل كان يدافع بصفته الحزبية وما هي علاقة الحزب بالرد علي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أمام مجلس الشعب‏..‏ المفروض أن رئيس الجهاز ورئيس لجنة الخطة والموازنة في خندق واحد أمام مساءلة الحكومة‏..‏ وحين يتخذ رئيس اللجنة موقف المدافع عن الحكومة ضد تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات فهذا يتعارض مع موقعه ومسئولياته في مجلس الشعب ويتعارض أكثر مع العلاقة بين الجهاز المركزي للمحاسبات ومجلس الشعب لأن الجهاز هو عين البرلمان علي أداء الحكومة‏..‏ كان تصدي المهندس عز للدفاع عن الحكومة ضد جهاز المحاسبات موقفـا غريبا يحتاج إلي تفسير‏,‏ هل أصبح رؤساء اللجان في مجلس الشعب‏,‏ وجميعهم من رجال الأعمال ومسئولون في الحزب الوطني‏,‏ أعضاء في الحكومة أيضا ونوابا في البرلمان وتجارا في الأسواق تداخل غريب ومريب‏..‏

‏*‏ حين يأتي الحديث عن الدعم والبلايين التي تتحملها ميزانية الدولة في فرق الأسعار يتبادر إلي الذهن موقف الطاقة سواء كانت الغاز أو البنزين أو السولار والكهرباء‏..‏ وهذا البند يحصل علي النسبة الأكبر من ميزانية الدعم ولكن الجزء الأكبر من هذه الطاقة المدعومة يتجه إلي المصانع الكبري والمؤسسات الإنتاجية للقطاع الخاص وهذا يعني أن الحكومة تتحمل مبالغ ضخمة في دعم صناعات الحديد والأسمنت والكيماويات والأدوية فهل مطلوب من الحكومة أن تتحمل ذلك وهل يمكن أن يتساوي دعم سعر الكيروسين لإنارة بيوت الفلاحين الغلابة في الريف مع دعم السولار لمصانع الحديد والأسمنت‏..‏ وهل دعم الكهرباء في الفنادق الكبري مثل دعم الكهرباء في العشوائيات ولماذا تدعم الدولة هذه الصناعات الاحتكارية وهي تحقق أرباحا خيالية وتباع بأسعار تتجاوز الأسعار العالمية‏..‏ لا يعقل أن يكون دعم رغيف الخبز للبسطاء ودعم الطاقة في المصانع بنفس النسبة ونفس القواعد‏..‏ لقد وصلت ميزانية الدعم إلي‏94‏ مليار جنيه كما جاء في تقرير د‏.‏الملط وعلي الحكومة أن تقول لنا كم يصل من هذا المبلغ إلي فقراء مصر وكم يصل إلي المصانع والمؤسسات الكبري التي يمتلكها رجال الأعمال وهل من مسئولية الحكومة أن تقدم الدعم لهؤلاء؟‏..‏

‏*‏ د‏.‏يوسف بطرس غالي وزير المالية قال في نقابة الصحفيين نكتة ظريفة‏..‏ وهو رجل خفيف الظل‏..‏ قال أن سياسة الحكومة استطاعت أن تنقل‏7‏ ملايين مواطن مصري من مستوي الفقر ولكن الأزمة الاقتصادية العالمية أعادت‏6‏ ملايين منهم إلي مستوي الفقر مرة أخري‏..‏ وبقي مليون شخص فوق مستوي الفقر‏..‏ هذه الفزورة كانت تحتاج إلي شرح أكثر ولكن يبدو أن وزير المالية مازال مشغولا بلعب الاتاري ما بين مجلس الشعب ومجلس الوزراء‏..‏ أقترح توفير عدد من أجهزة الاتاري في مجلس الوزراء لتشجيع المواهب‏..‏

ملاحظة أخري‏..‏ لم يكن وزير المالية موفقـا وهو يقول أن المصريين سيأخذون أموال التأمينات ليسكروا بها‏,‏ من أين يسكر‏12‏ مليونا من سكان العشوائيات في الدويقة ومنشية ناصر والبساتين واسطبل عنتر‏..‏ اختيار المسئول للألفاظ والكلمات قضية هامة جدا إلا إذا كان الوزير سيدعو هؤلاء السكاري لحضور افتتاح قصره الجديد في الزمالك‏..‏ يجب أن يكون المسئول دقيقـا في اختيار الكلمات حتي لا نطالب بفرض الرقابة علي أحاديث بعض الوزراء‏..‏

‏*‏ إذا كانت الحكومة تفكر في تشجيع رجال الأعمال للمشاركة في مشروعات البنية الأساسية في المياه والكهرباء والمواصلات فيجب أن تقول لنا بصراحة‏:‏ هل يتم ذلك من خلال إنشاء مشروعات جديدة أم سيتم بيع المشروعات القائمة لرجال الأعمال؟‏..‏ هناك تجارب سابقة تؤكد أن الأرجح هو بيع المشروعات الحالية ومنها محطات المياه والكهرباء والخدمات العامة والمواصلات وقد حدث ذلك في قطاع الاتصالات منذ سنوات حيث بيعت شبكات التليفونات بأسعار زهيدة‏..‏ إن وزير المالية أعلن صراحة في نقابة الصحفيين أن الحكومة تحتاج إلي‏120‏ مليار جنيه سنويا لمدة ثلاث سنوات من أجل استكمال مشروعات البنية الأساسية وهذا يعني ضرورة توفير‏360‏ مليار جنيه لهذا الغرض فهل يستطيع رجال الأعمال توفير هذه الميزانيات الضخمة أم أنهم سيلجأون إلي الاقتراض من البنوك لتمويل هذه المشروعات كما حدث من قبل عشرات المرات؟‏..‏ هناك مشروعات كثيرة باعتها الحكومة لعدد من رجال الأعمال العرب والمصريين الذين اقترضوا من البنوك المصرية بضمان هذه المشروعات ولم يدفعوا شيئـا‏..‏ انتقلت ملكية المشروعات إليهم‏..‏ وسددت البنوك المصرية ثمن المشروعات ثم باعوها أرضا أو عقارات‏..‏ وأخذوا الأرباح ورحلوا‏..‏

‏*‏ منذ‏5‏ سنوات كانت نسبة التضخم‏4%‏ وأصبحت الآن‏16%‏ وفي رواية أخري أنها وصلت إلي‏20%‏ وأمام ارتفاع أسعار السلع والخدمات يمكن لنا أن ندرك الارتفاع الحقيقي في نسبة التضخم‏..‏ إن أسعار الغذاء ارتفعت بنسبة‏20%‏ والفاكهة‏38%‏ والألبان والجبن والبيض‏32%‏ والزيوت والدهون‏23%‏ والخضراوات‏23%‏ والأسماك‏20%‏ واللحوم‏17%‏ والسكر‏13%‏ والخبز‏11%‏

وارتفعت أسعار المستشفيات‏17%‏ والنقل‏14%‏ والكهرباء‏14%‏ والتعليم‏13%‏ حدثت هذه الزيادة في عام واحد‏..‏

وإذا أضفنا لذلك كله أن مصر تحتل مكانه متقدمه جدا في مؤشرات الشفافية لأدركنا حجم المشكلة‏..‏ أن مصر الآن الدولة رقم‏111‏ في مؤشر الشفافية من بين‏188‏ دولة في حين يأتي ترتيب قطر‏22‏ وعمان‏39‏ والإمارات‏30‏ في القائمة حدث هذا رغم أننا نتحدث كثيرا عن الشفافية وهي أكثر الكلمات تداولا بين المسئولين عندنا‏..‏

‏*‏ اتصل بي الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار معقبا علي ما كتبت حول قضية المعاش المبكر والعمال الذين عرفوا طريقهم لمجلس الوزراء ومجلس الشعب‏..‏ واتفق معي وزير الاستثمار أن القضية خطيرة وتحتاج إلي حلول جذرية ووعد باتخاذ إجراءات جادة في قضية تحويل المصانع إلي منشآت عقارية بحيث تحصل الحكومة علي جزء من الأرباح باي صورة من الصور بما في ذلك تعويض العمال الذين يحالون للمعاش المبكر‏..‏ د‏.‏محيي الدين قال في تعقيبه أن عددا من المشروعات التي تحدثت عنها لم يتم بيعه حتي الآن والحقيقة أنني كنت أتحدث عن مشروعات كثيرة كانت توفر سلعا رخيصة للمواطن المصري سواء باعتها الحكومة أو أبقت عليها‏..‏ كنت أتحدث عن سلع اعتاد عليها بسطاء مصر من الألبان والأقمشة والسجائر الشعبية والصابون والزيوت‏..‏ وقبل هذا كله مازلت أعتقد أن المعاش المبكر قضية حساسة جدا وهي لغم خطير أرجو أن يجد اهتماما لدي المسئولين في الحكومة‏..‏ العمال عرفوا طريقهم إلي قلب القاهرة وذهبوا إلي مقر مجلس الوزراء ومجلس الشعب ورغم أن لهم‏50%‏ من المقاعد التي حددها الدستور للعمال والفلاحين إلا أن صرخاتهم لا تصل إلي أسماع المسئولين هنا أو هناك‏..‏ وهذا مؤشر خطير‏..‏

وإن كانت قضية بيع أراضي المصانع ستبقي مشكلة تحتاج إلي حلول فيها قدر من الشفافية‏..‏ الذين اشتروا المصانع وباعوا الآلات والمعدات ثم باعوا الأراضي وتحولت إلي منتجعات‏..‏ هؤلاء يجب أن تكون للحكومة وقفة معهم بحيث تحصل علي جزء من أرباحهم‏..‏ يضاف لهذا رجال الأعمال الذين باعوا المصانع بالمليارات بعد أن باعتها الحكومة لهم بمبالغ زهيدة‏,‏ أليس للشعب حق في هذه الأرباح؟ وأين مصلحة الضرائب التي تطارد الموظفين وأصحاب الدخول الهزيلة ؟لقد وعد د‏.‏محمود محيي الدين بطرح هذه الموضوعات في مجلس الوزراء ودراستها حرصا علي حقوق الشعب وتأمينـا لمستقبل أجيال قادمة‏..‏

أتمني أن تهتم الحكومة بقضايا العمال قبل أن يفلت الزمام‏..‏

‏/////////////////////////////‏

‏..‏ ويبقي الشعر

في الأفق يبدو وجه أمي

كلما انطلق المؤذن بالأذان

كم كنت المحها إذا اجتمعت علي رأسي

حشود الظلم والطغيان

كانت تلم شتات أيامي

إذا التفت علي عنقي حبال اليأس والأحزان

تمتد لي يدها بطول الأرض‏..‏

تنقذني من الطوفان

وتصيح يا الله أنت الحافظ الباقي

وكل الخلق ياربي إلي النسيان

شاخت سنين العمر

والطفل الصغير بداخلي

مازال يسأل‏..‏

عن لوعة الأشواق حين يذوب فينا القلب

عن شبح يطاردني

من المهد الصغير إلي رصاصة قاتلي

عن فـرقة الأحباب حين يشدنا

ركب الرحيل بخطوه المتثاقل

عن آخر الأخبار في أيامنا

الخائنون‏..‏ البائعون‏..‏ الراكعون‏..‏

لكل عرش زائل

عن رحلة سافرت فيها راضيا

ورجعت منها ما عرفت‏..‏

وما اقتنعت‏..‏ وما سلمت‏..‏

وما أجبتك سائلي

عن ليلة شتوية اشتقت فيها

صحبة الأحباب

والجلاد يشرب من دمي

وأنا علي نار المهانة أصطلي

قد تسألين الآن يا أماه عن حالي

وماذا جد في القلب الخلي

الحب سافر من حدائق عمرنا

وتغرب المسكين‏..‏

في الزمن الوضيع الأهطـل

ما عاد طفلك يجمع الأطيار

والعصفور يشرب من يدي

قتلوا العصافير الجميلة

في حديقة منزلي

أخشي عليه من الكلاب السود

والوجه الكئيب الجاهل

أين الذي قد كان‏..‏

أين مواكب الأشعار في عمري

وكل الكون يسمع شدوها

وأنا أغني في الفضاء‏..‏ وأنجـلي

شاخ الزمان وطفلك المجنون‏..‏

مشتاق لأول منزل

مازال يطرب للزمان الأول

شيء سيبقي بيننا‏..‏ وحبيبتي لا ترحلي

في كل يوم سوف أغرس وردة

بيضاء فوق جبينها

ليضيء قلب الأمهات

إن ماتت الدنيا حرام أن نقول

بأن نبع الحب مات

قد علمتني الصبر في سفر النوارس‏..‏

علمتني العشق في دفء المدائن‏..‏

علمتني أن تاج المرء في نبل الصفات

أن الشجاعة أن أقاوم شـح نفسي‏..‏

أن أقاوم خسة الغايات

بالأمس زارتني‏..‏ وفوق وسادتي

تركت شريط الذكريات

كم قلت لي صبرا جميلا

إن ضوء الصبح آت

شاخت سنين العمر يا أمي

وقلبي حائر

مابين حلم لا يجيء‏.‏

وطيف حب‏..‏ مات

وأفقت من نومي

دعوت الله أن يحمي

جميع الأمهات‏..‏

من قصيدة طيف نسميه الحنين سنة‏2008‏

‏fgoweda@ahram.org.eg‏