Loading

الجمعة، 9 أبريل، 2010

هوامش حرة : هواء فاسد‏..‏ بين الشعب والحكومة

هوامش حره 
هواء فاسد‏..‏ بين الشعب والحكومة
يكتبها: فاروق جويدة



أحد القراء من مدينة المنصورة أرسل إلي هذا الأسبوع رسالة غريبة‏..‏ القاري العزيز يريد أن يعرف كيف يدخل موسوعة جينز للأرقام القياسية علي مستوي العالم لأنه يمتلك الآن سبعة أرقام للتليفون المحمول برقم واحد من ثلاث شركات حسب كود كل شركة‏..‏



وأرقام التليفونات التي يريد القاريء أن يدخل بها موسوعة جينز موحدة في جميع أرقامها في التليفونات السبعة والاختلاف الوحيد في أرقام الكود وهي‏01044‏ و‏01144‏ و‏01244‏ و‏01644‏ و‏01744‏ و‏01844‏ و‏01944‏ ولن أنشر أرقام الرجل كاملة حرصا علي سريتها ولكن رسالة القاريء العزيز أثارت عندي شجونـا كثيرة حول عدد من الأرقام في حياة الشعب المصري‏..‏
وعلي سبيل المثال فإن دخل الفرد هو الذي يضع خريطة الفقر ولأن الخلاف بين المسئولين عندنا كان دائما حول مستوي دخل الفرد اختلفت الأرقام وتفاوتت معها مستويات الدخل وتفاوتت أيضا نسبة الفقراء في خريطة المجتمع المصري‏..‏
إن الغريب في الأمر أننا في أحيان كثيرة نقرأ الأرقام ولا نعرف حقائق كثيرة تخفيها هذه الأرقام وربما كان هذا هو السبب الرئيسي في أن المسئولين عندنا يغرقون المواطن المصري في كم رهيب من الأرقام ويتركونه حائرا ضائعا‏..‏
وكثيرا ما تتفاوت درجات الاختلاف في الأرقام التي يعلنها المسئولون بحيث نراها بالبلايين وليس الملايين‏..‏ ولعل هذا هو السبب في أن نسمع أرقاما من وزارة المالية غير أرقام وزارة التخطيط غير أرقام الجهاز المركزي للمحاسبات‏..‏ وعلي سبيل المثال فإن أحد الوزراء قال أمام شاشات التلفزيون أن ديون مصر‏750‏ مليار جنيه بينما أرقام الجهاز المركزي للمحاسبات تؤكد أنها‏941‏ مليار جنيه فهل يمكن أن تختلف حكومة واحدة حول مائتي مليار جنيه‏..‏
حتي الآن لا أحد في مصر يعرف الرقم الحقيقي لأموال التأمينات التي صادرتها وزارة المالية وفرضت الحراسة المالية عليها‏..‏ ولا أحد يعرف الرقم الحقيقي للديون وفوائدها ولا أحد أيضا يعرف السعر الحقيقي لصادرات الغاز والبترول أمام تضارب الأرقام حتي أرقام الدعم التي تتحدث عنها الحكومة يثور حولها جدل كبير‏..‏
‏*‏ حملتني رسالة القاريء العزيز الذي جمع أرقام التليفونات المتشابهة وأصبح لديه سبعة أرقام منها مرة واحدة إلي قضية المحمول في مصر وكيف وصل دخل شركات المحمول إلي‏35‏ مليار جنيه سنويا يدفعها‏55‏ مليون مواطن‏..‏ في تقديري أن الرقم مخيف جدا إذا وضعناه أمام مستوي الدخل للمواطن المصري وأعباء الحياة و‏40%‏ من السكان يعيشون تحت خط الفقر‏..‏ وربما كان هذا من الأسباب التي جعلت مواطنـا بسيطـا في المنصورة يشتري‏7‏ خطوط من شركات التليفون المحمول ويحاول أن يدخل موسوعة جينز‏.‏ إن‏35‏ مليار جنيه تبتلعها شركات المحمول من المصريين سنويا رقم مخيف للغاية‏..‏ وعملية ابتزاز صريحة‏..‏ إننا في النهاية نشتري الهواء وتضيع منا هذه المبالغ الرهيبة في قصص وحكايات من الرغي اليومي التي يمارسها المواطن المصري وهي بكل المقاييس ليست خسارة مادية فقط علي المواطن المصري ولكنها تضييع للوقت وإفساد للعمل‏..‏ واستهلاك للمال والعمر والكهرباء إن التليفون المحمول في مصر الآن أصبح عبئـا ثقيلا علي الأسرة المصرية ووحدات العمل ومؤسسات الدولة رغم البلايين التي تجمعها شركات المحمول‏..‏ حتي التكنولوجيا أسأنا استخدامها‏..‏
‏*‏ رقم آخر توقفت أمامه وهو استهلاك المصريين للسجائر‏..‏ هناك أرقام تقول إن المصريين يدخنون‏80‏ مليار سيجارة سنويا أي ما يعادل‏4‏ مليارات علبة وإذا كان متوسط ثمن علبة السجائر خمسة جنيهات فقط فنحن أمام‏20‏ مليار جنيه وفي رواية أخري أن المصريين يدخنون كميات من السجائر قيمتها‏30‏ مليار جنيه وأن عدد المدخنين في المحروسة يتجاوز‏13‏ مليون مواطن وهذا أيضا رقم مخيف إذا أضفنا له أن هذه السجائر تتسبب في أمراض تحتاج سنويا إلي‏3‏ مليارات جنيه لعلاجها وأعتقد أن الملف الكامل لموضوع السجائر موجود عند كاتبنا الكبير صلاح منتصر وحملته الدائمة ضد التدخين إذا أراد أحد الباحثين في العلوم الاجتماعية أن يسجل رسالة جامعية حول كارثة التدخين في مصر‏..‏
هذه أيضا أرقام مخيفة أن يدفع رب الأسرة هذه الآلاف كل عام لكي يمارس هواية قبيحة مدمرة اسمها التدخين‏.‏
‏*‏ أستطيع أن أضيف إلي هذه الأرقام‏12‏ مليار جنيه يدفعها المصريون في الدروس الخصوصية وهي بكل المقاييس أفسدت منظومة التعليم في مصر وهو أساس البناء السليم للبشر في كل زمان ومكان‏..‏ الصورة أمامي تبدو سيئة للغاية إذا كنا نتحدث عن إصلاح سياسي او اقتصادي أو اجتماعي كيف يمكن أن يحدث ذلك في ظل هذه الأرقام‏..‏
أن‏35‏ مليار جنيه من الرغي في المحمول ضياع للوقت والعمر وتأكيد علي عدم الاحساس بالزمن وذلك كله من أسوأ أعراض التخلف‏..‏
أن‏30‏ مليار جنيه من الدخان المتناثر في البيوت والمكاتب والشركات والأعمال والمؤسسات والشوارع ضياع للصحة واستنزاف للقدرات وإفساد لشباب في عمر الزهور وهم مستقبل هذا البلد‏..‏ وماذا يبقي للأسرة المصرية إذا كانت تدخن بهذا المبلغ الرهيب‏..‏ وتتكلم في التليفون المحمول بهذه الأرقام الخيالية‏..‏
‏*‏ نأتي بعد ذلك إلي أم الكوارث وهي‏22‏ مليار جنيه سنويا يستهلكها المصريون في المخدرات وهي تعادل‏80%‏ من دخل قناة السويس كما جاء في تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء‏..‏ ماذا يعني أن تحصل المخدرات علي هذا الرقم من الدخل القومي المصري‏..‏ وما الذي يترتب علي ذلك كله‏..‏ بعيدا عن النتائج الصحية السيئة‏..‏ وفساد السلوكيات‏..‏ وانتشار الجرائم فإن هذا يعني تغييبا لعقل الملايين من المصريين‏..‏
نحن أمام أربعة أرقام كل رقم فيها يمثل جريمة مشتركة بين شعب وحكومته‏..‏ إذا كان ذلك كله بتشجيع وتأييد ودعم من الحكومة فلابد من الحساب‏..‏ إن الحكومة تحصل علي الضرائب من مكالمات المحمول وهي سعيدة بهذه الأعداد المخيفة التي تستخدم هذا الجهاز‏..‏ وتحصل علي الضرائب من تجار المخدرات‏..‏ وتحصل علي الضرائب من استيراد الدخان والسجائر وبعد ذلك تحصل علي الضرائب من الدروس الخصوصية‏..‏ وهي بذلك شريك ومحرض‏..‏
نحن أمام تراجع خطير في سلوكيات الناس أمام غياب الوعي وانتشار الجرائم وعمليات القتل والعنف في الشارع المصري تحملها كل يوم صفحات الحوادث في الصحف وشاشات التلفزيون‏..‏
نحن أمام منظومة تعليمية أفسدت أجيالا وراء أجيال خاصة إذا أدركنا أن نصف عدد الذين يدخنون ويتعاطون المخدرات تتراوح أعمارهم بين‏15‏ و‏25‏ عاما أي أنهم في مراحل التعليم المختلفة‏..‏ وإذا أضفنا لذلك كارثة الدروس الخصوصية لا تضح لنا ما يحدث للعقل المصري من عمليات تخريب وتدمير كامل‏..‏
ولنا أن نتصور حالة شعب يدفع‏35‏ مليار جنيه في‏'‏ الرغي‏'‏ علي التليفون المحمول و‏30‏ مليار جنيه لدخان السجائر و‏22‏ مليار جنيه لأنفاس المخدرات ثم نطلب منه أن يفكر بعد ذلك أو يطالب بحقوقه أو يسعي لتغيير أوضاعه أو يواجه منظومة الفساد في حياته إنها بلايين تتبخر في الهواء ما بين هواء المحمول وهواء السجائر ودخان المخدرات‏..‏
كيف نتحدث بعد ذلك كله عن إصلاح سياسي يتطلب شعبا علي درجة عالية من الوعي والإدراك‏..‏ أو نتحدث عن إصلاح اجتماعي يواجه التطرف والجريمة في الفكر والسلوك‏..‏ أو نتحدث عن إصلاح اقتصادي يرتفع بمحدودي الدخل وهم غارقون ما بين المحمول والتدخين والمخدرات‏..‏ أو نتحدث عن ميزانية اختلت مقاييسها في كل شيء وهي تحمل سنويا‏100‏ مليار جنيه لأحاديث التليفونات وشراء السجائر والمخدرات والدروس الخصوصية‏..‏
لا أستطيع أمام مثل هذه الأرقام أن أبريء المواطن المصري ابتداء برب البيت الذي ترك الابن ضائعا بين التدخين والمخدرات ولا أستطيع أن أبريء الحكومة التي تركت الحابل بالنابل وهي تري النيران تحيط بنا من كل جانب‏..‏
ولا أستطيع أن أبريء منظومة التعليم والإعلام والثقافة لأنها لم تواجه بحسم هذه الظواهر الخطيرة إذا لم تكن قد ساعدت علي رواجها إن الدروس الخصوصية مسئولية تعليم خاطيء‏..‏ والتدخين والمخدرات مسئولية إعلام يروج لها‏..‏ وغياب العقل المصري كان نتيجة طبيعية لبرامج ثقافية اهتمت بالشكليات والمظاهر وتركت الجهل والتخلف يحاصر عقول الناس‏..‏
أرقام مخيفة توقفت أمامها حائرا‏..‏ مائة مليار جنيه ندخن بها ونتعاطي المخدرات ونرغي في التليفونات ونتعاطي الدروس الخصوصية وبعد ذلك مازلنا نتحدث عن المستقبل والإصلاح والتغيير‏..‏ لنا أن نتصور الجوانب السلبية الأخري التي حملتها هذه الأرقام الأربعة نحن أمام انهيارات خطيرة في صحة المصريين وانهيارات أخطر في الجرائم بسبب التدخين والمخدرات والآثار السيئة لسوء استخدام التليفون المحمول‏..‏
كلها كوارث هوائية‏..‏ إنها هواء فاسد‏..‏ بين الشعب وحكومته‏..‏


..‏ ويبقي الشعر
 
في لـيـلة عشق صيفيه
في لـحظـة حزن وحشية
ما أجمل أن أجد امرأة
في ساعة ضيق
تـشرق كالـفـجر علي الـعينين
فيغمرني شلال بريق
تتقاسم حزني كالأطـفـال فألـقـاها
بيتـا وحنـانـا وأمانـا ووفـاء صديـق
أتقاسم معها أيامي
خبز التـرحال‏..‏ كـؤؤس الفـرح
شموخ الحلـم
وتـؤنسني في كـل طريق
تـصبح بركانـا حين تـثـور
ونهر حنان حين تـفيق
تـنـتـشل يقيني من شكـي
وتخلـص عمري من سأمي
وتـمد يديها خـلـف الموج
وتـحملـني أشلاء غريق
حواء تـحبك سلـطانـا
تـتـهادي بين الحراس
وتـريدك وجها قـنـاصا
تـتـواري منــك الأنـفاس
وتـريدك نـهرا وسحابا
وتـريدك فـرحا وعذابا
وتـريد الملـهي والقـداس
ما أجمل أن تـجـد امرأة
تـمنحك الأمن مع الإحساس
ما أجمل أن تـجد امرأة
تتلاشي فيك وتسكـنها كطـيور النـهر
وتراها تـرقـص فـوق الموج
كأغنـية عانـقها الـبحر
تـخفيك ضياء في الـعينين
وتـسمعها كدعاء الـفجر
وتـخاف عليـك من الدنـيا
ومن الأيام وغدر الدهر
في ليلة حزن وحشية
ما أجمل أن تـجد امرأة
توقظ أفـراحا منـسيه
وتـعيد لـيالي ورديه
في رحلة عمر مكـتـوبه
أجـلس أحيانـا في سأم
أنظر في كأس مسكوبه
قطرات قد بقيت فيها
ما عادت كأسي مرغوبه
أجد الأحلام تـراوغـني
تـبدو أحيانـا مصـلوبه
تبدو أحيانـا مغلوبه
ما أسوأ أن تلقـي زمنـا
بعيون ثكـلـي‏..‏ مثقـوبه
زمن الأشياء المقـلـوبه
زمن بهمومي يتـسلـي
وربيع زهور قد ولـي
في عيني لؤلؤة نـامت
والكون شموع تتدلـي
ما أجمل أن تـجد امرأة
بدرا بسمائك يتـجلـي
في لـيـلة عشق صيفيه
‏'‏من قصيدة في ليلة عشق سنة‏2003'‏

هوامش حرة 9/4/2010