Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

بين القمع والصراخ

هوامش حرة

بين القمع والصراخ

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



ليس في لغة الحوار منتصر ولا مهزوم ولكن ذلك يحدث في لغة الشوارع وبين الفتوات‏,‏ ومن يتابع الشارع المصري الآن سوف يكتشف أن لغة الحوار في مصر قد اقتربت كثيرا من صراع الفتوات‏,‏ خاصة أن أباطرة الحزب الوطني لا يسمعون أحدا ولا يريدون‏..‏ ولاشك أن ذلك لا يتناسب مع طبيعة العمل السياسي‏,‏ حيث الفكر والجدل والإقناع‏..‏ إن التلويح بالقوة أو استخدامها بأي صورة من الصور أمر يتنافي مع لغة الحوار‏,‏ خاصة إذا كنا نسعي إلي حوار حقيقي وصيغة سياسية تتناسب مع تجارب راسخة عاشتها مصر في العمل السياسي‏..‏ أقول ذلك وقد تابعت مع الملايين إجراءات تغيير بعض مواد الدستور المصري ولن أتوقف عند هذه المعركة فقد انتهي كل شيء ولكن الذي ينبغي أن نتوقف عنده هو تلك الحالة التي وصلت إليها لغة الحوار فيما بيننا‏:‏ حكومة ومعارضة‏..‏ لقد هبط مستوي الحوار إلي أسفل درجاته وتم استخدام أساليب متعددة لا تتناسب أبدا مع بديهيات العمل السياسي‏..‏ والغريب في الأمر أن حالة الاحتقان والصراخ والشتائم التي شهدتها الساحة السياسية لا تتناسب أبدا مع حجم التأثير الذي تركته في الشارع المصري‏..‏ إنها لم تتجاوز حدود العاصمة‏..‏ بل إنها لم تكن أكثر من مساجلات كلامية بين الحزب الحاكم والجبهات المعارضة من خلال الصحافة والتليفزيون وشاشات الفضائيات وهذا يؤكد أن الجميع يتعامل مع الهوامش وأن جوهر القضايا والعمق البشري والسكاني مازال بعيدا عن المعترك السياسي والأدلة علي ذلك كثيرة‏:‏


*‏ باستثناء زيارتين قام بهما الرئيس مبارك لسيناء وأسيوط لا يوجد نشاط للحزب الوطني علي المستوي الجماهيري وقد قام الرئيس بهاتين الزيارتين في الساعات الأخيرة التي سبقت الاستفتاء ولا يوجد مؤتمر جماهيري واحد لفت الأنظار بعد ذلك سواء في صفوف الحزب الوطني أو أحزاب المعارضة‏..‏

لقد اقتصرت حركة الأحزاب علي مجموعات صغيرة خرجت في مظاهرات احتجاج في ميدان التحرير أو أمام مجلس الشعب واكتفي الحزب الوطني بما قام به الرئيس مبارك وهذا يتنافي تماما مع ما يروجه الحزب بأنه حزب الأغلبية‏..‏


*‏ دارت المعارك كلها من خلال الصحف القومية والحزبية والمستقلة ومن خلال شاشات التليفزيون‏,‏ حيث وزعت الكوادر الحزبية أدوارها‏..‏ وفي يوم الاستفتاء شاهدت معظم المسئولين في الحزب الوطني وهم يحتكرون شاشات التليفزيون ويعيدون الكلام نفسه في اليوم الواحد مائة مرة‏..‏ علي الجانب الآخر رأيت رموز المعارضة وهم يتحدثون الكلام‏..‏ نفسه‏..‏ وتساءلت‏:‏ أين المواطن المصري أمام ذلك كله؟‏..‏ ولم أجد له أثرا‏..‏



ولاشك أن أحاديث التليفزيون والصحافة هي أسهل وأبسط وسائل العمل السياسي وهي تتمتع بتأثير سريع طائر‏..‏ إن الثقافة الطائرة والإقناع الهوائي يمكن أن يكون مبهرا بعض الوقت ولكنه ليس مؤثرا طوال الوقت‏..‏ وهذا ما توصلت إليه من خلال عشرات الحوارات التي تابعتها في الصحف وعلي الشاشات وكلها كلام معاد ومكرر وتنقصه المصداقية والعمق في آن واحد‏..‏



وكان من نتيجة ذلك هذا الكم الرهيب من الهجوم الذي تنقلت بينه الصحف القومية والحزبية والمستقلة وهذا الطابور الطويل من زملائنا في بلاط صاحبة الجلالة الذين وجدوها فرصة للظهور والتلميع وجني الثمار والتسلق حتي ولو كان ذلك علي حساب الحقيقة والقيم والأخلاق والضمائر‏..‏



وفي تقديري أن الناس لم تقرأ ما كتب هؤلاء ولم تسمع ما قالوا لأن المصداقية غائبة ولأن لغة المصالح تبدو في كل شيء بروائحها الكريهة‏..‏ لقد أضاع علينا المشاركون في هذا السجال فرصة ذهبية لمعركة سياسية راقية بين الحكومة والمعارضة نسمع فيها جميع الأطراف‏,‏ فلا الحكومة بحزبها الوطني سعت إلي ذلك ولا المعارضة بكل المحاذير المفروضة عليها استطاعت أن تصل إلي هذه الصيغة وكانت النتيجة هذه المعركة الساذجة التي اتسمت بالسطحية وسوء التقدير‏..‏


*‏ إننا أحوج ما نكون إلي حوار سياسي حقيقي بعيدا عن مظاهر استخدام القوة أو العنف إذا كنا بالفعل جادين في توفير مناخ سياسي جاد وخلاق‏..‏



إن الحزب الوطني يلوح دائما باستخدام أدواته وأجهزته القمعية وهذا موقف يتنافي تماما مع العمل الحزبي‏..‏ إن دور الحزب الحقيقي أن يحشد جماهيره لا أن يحشد مدرعاته وأن يرفع صوته لا أن يفرض سطوته وأن يحاور بفكره لا بسلطاته‏..‏ ولا شك أن الحزب الوطني قد خسر الكثير في هذه المعركة حتي وأن فرض علي الجميع ما أراد أن الحزب الوطني يتصرف كما لو كان مالكـا للدولة وهذا سلوك خاطيء ومغلوط لمفهوم العمل السياسي‏..‏


*‏ أن المعارضة لا تستطيع أن تعيش في خنادقها في القاهرة حتي وإن كان ذلك أمرا مفروضا عليها‏..‏ لقد أضاعت المعارضه فرصا كثيرة للتلاحم الحقيقي مع الجماهير‏.‏ حدث ذلك في الانتخابات الرئاسية‏..‏ وفي الانتخابات البرلمانية‏..‏ وتكرر أخيرا في التعديلات الدستورية وهذا يؤكد أن هناك خللا ما في جوانب التواصل بين هذه الأحزاب والجماهير ولا أدري ما هي جوانب هذا الخلل هل يرجع ذلك إلي قيادات شاخت وجاء الوقت لكي تترك مواقعها لشباب أكثر قدرة وأكثر أقناعا أم أنها استسلمت تماما لإجراءات قمعية من جانب السلطة حدت من حركتها وأرهقتها وعزلتها عن الجماهير‏..‏ إن هناك تيارات أخري وصلت للجماهير رغم أنها تعاني الظروف نفسها وتعيش في المناخ نفسها وتعاني الإجراءات بصورة أعنف وأقصد بذلك جماعة الإخوان المسلمين التي حققت نتائج غير مسبوقة في الانتخابات البرلمانية وهي المحظورة أمام أحزاب شرعية لها كل الحقوق‏..‏


*‏ لقد تحولت المعركة بين الحزب الوطني والأحزاب الأخري إلي قضية تصفيات ومن يصفي الآخر وتجاهلت في ذلك تماما قضايا المواطن المصري‏..‏ لقد أسفرت معركة التعديلات الدستورية عن وجه واحد دار حوله الصراع من يهزم الآخر ومن يضيع علي الآخر الفرصة‏..‏ الحزب الوطني يريد التمرير ونجاح الاستفتاء‏,‏ والمعارضة تريد الفشل وإحجام الناس عن المشاركة‏..‏ حدث هذا رغم أن هناك مناطق كثيرة كان يمكن الاتفاق حولها بعيدا عن الأبيض والأسود والرفض والقبول ومبدأ مع الحكومة أو المعارضة‏..‏ كان ينبغي أن يقوم الحوار علي جوانب تقرب الأطراف المتحاورة لا تبعد بينها‏..‏ ولاشك أن الحزب الوطني يتحمل مسئولية تعميق الخلاف وظهوره بهذه الصورة القبيحة مع أو ضد فقد استخدم أساليب في الرفض والقمع والمصادرة لا تتناسب أبدا مع موقف تاريخي بهذا الحجم تتغير فيه مصائر شعب ومستقبل أمة‏..‏ لم يكن الحزب الوطني علي مستوي اللحظة ولم تستطع الأحزاب المعارضة أن تفعل شيئـا غير الصراخ‏..‏ وما بين القمع والصراخ خسرت مصر فرصة تاريخية نادرة كان من الممكن أن تحملنا إلي مستقبل آخر غير ما خرجت به نتائج هذه التعديلات الدستورية‏..‏



وبقي الصراع بين الحزب الوطني والمعارضة في القاهرة يؤكد حقيقة مهمة أن الشعب غائب في كل الأحوال وأن حوار الطرشان لن يصل بنا إلي شيء إلا المزيد من الصخب والضجيج وغياب الحكمة‏..‏ لقد خسر الجميع في هذه المعركة لأنها افتقدت أصول العمل السياسي الصحيح‏..‏ ولا عزاء للشعب‏.‏


..‏ ويبقي الشعر



يا أيها النــهر الجـليل

أنا من بلاطك مستقيل‏..‏

أنا لن أغنـي في سجون القــهر

واللــيل الطويل



أنا لن أكون البلبل المسجون

في قــفص ذليل

أنا لن أكون الفارس المهزوم



يجري خلف حـلم مستحيل‏..‏

ما زال دمع النيل في عيني

دماء لا تجف‏..‏ ولا تسيل



الآن أعلن‏..‏ أن أزمنة التنطــع

أخرست صوتي

وأن الخيـل ماتت

عندما اخـــتنق الصهيل



ياأيــها النهر الجـليل

إن جئت يوما شامخا‏..‏

ستـعود في عيني‏..‏ نيل‏..‏