Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : وطـن‏..‏ بلا جنـاحـين

هوامش حرة



وطـن‏..‏ بلا جنـاحـين



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




إذا وقفت أمام خريطة مصر فسوف تبدو أمامك في صورة طائر رأسه وجسده الدلتا وجناحاه سيناء والساحل الشمالي‏..‏ تظهر آخر نقطة في الجناح الشرقي علي حدود غزة والعريش‏,‏ بينما الجناح الغربي يمتد إلي مطروح والسلوم‏..‏ وإذا تعاملنا مع هذا الطرح الجغرافي فنحن أمام رأس يمتد علي مساحة‏340‏ كيلومترا علي البحر المتوسط وتتجسد فيه دلتا وادي النيل ويجتمع فيها أكثر من خمسين مليون مواطن‏..‏ وبعد ذلك سوف نجد جناحان كسيران معطلان ما بين التراخي والإهمال في سيناء‏..‏ وملايين الألغام التي حولت‏600‏ ألف فدان في الساحل الشمالي إلي خرائب وحقول للموت‏..‏



لا أعتقد أن هذه الصورة يمكن أن توجد في أي مكان علي الأرض إلا في مصرنا الغالية‏..‏ وإليك الصورة كما أراها الآن علي هذه الخريطة‏..‏


*‏ منذ سنوات وأنا أصرخ في البرية‏,‏ وأناشد الحكومة باسم الله والأرض والوطن أن تفتح ملف سيناء فقد مضي عليه الآن سبعة وعشرون عاما أي أكثر من ربع قرن من الزمان‏..‏ وهذه السنوات الطويلة شهدت في كل بلاد الدنيا حروبا ومعارك وهزائم وانكسارات‏..‏ وبقدر ما شهدت من مآس بقدر ما شهدت من انجازات‏..‏ في ماليزيا قامت دولة عصرية حديثة بكل المقاييس في عشرين عاما فقط‏..‏ وفي الخليج العربي قامت مشروعات ضخمة ومنشآت رهيبة‏..‏ وفي العراق تهدم كل شيء‏..‏ وفي إيران مشروع نووي يهدد العالم كله‏..‏ وحتي في أمريكا كانت هناك كوارث ضخمة ابتداء بأحداث‏11‏ سبتمبر وانتهاء بالإعصار الاقتصادي الذي تشهده الآن‏..‏



في ظل هذا كله ورغم الدماء التي سالت من شهدائنا الأبرار علي ترابها المقدس بقيت سيناء تنتظر مواكب الأعمار والبناء والتطور من هذا الرأس القابع في دلتا النيل في حالة استرخاء غريبة‏..‏ عشرات الخطط التي أعلنتها الحكومات المتعاقبة حكومة بعد أخري‏..‏ مشروع قومي رائع وجميل‏,‏ لكنه لم يتجاوز حدود الورق‏..‏ ترعة حملت اسم السلام كان هدفها استصلاح وزراعة‏500‏ ألف فدان توقفت عند‏30‏ ألف فدان علي حافة قناة السويس‏..‏ وتحولت مياه النيل إلي ترعة السلام لتربية الأسماك‏..‏ وأخيرا بدأت الحكومة تفكر في تأجير الترعة لرجال الأعمال في سابقة لم تحدث من قبل فلا توجد دولة في العالم تؤجر الترع والأنهار وأخشي أن نبيع مياه الأمطار قبل أن تلقيها السماء علي رؤوسنا قريبا‏..‏



أختار بعض رجال الأعمال الشاطيء الفيروزي في سيناء وأقاموا عددا من المشروعات السياحية في شرم الشيخ والغردقة وبقي كل شيء في سيناء علي حاله‏..‏ لم تتجاوز هذه المشروعات وهي بلاشك مشروعات ناحجة حدود هذه المدن الصغيرة وبقيت سيناء‏61‏ ألف كيلومتر مربع تنتظر يدا تنقذها من الخراب‏..‏ لا أريد الحديث عن الإمكانيات الطبيعية في سيناء والأراضي الصالحة للزراعة ومناطق التعدين والسياحة والبترول‏..‏ ولا أريد الحديث عن الامتداد العمراني الذي رسمته الدولة في بداية الثمانينات لهذا الجزء العزيز من أرض مصر‏..‏ ولا أريد أن أتحدث عن‏450‏ ألف مواطن هم جميع سكان سيناء الآن رغم أن الخطة والمشروع القومي وكل هذه الشعارات البراقة كانت تتحدث عن ثلاثة ملايين مصري ينتقلون من الوادي إلي قلب سيناء قبل عام‏..2017‏ لقد تحدثنا كثيرا جدا عن الأمن القومي المصري وضرورة حماية سيناء‏..‏ أننا فقط نولول كل يوم من زيادة السكان وارتفاع نسبة المواليد وتحديد الأسرة بالقانون والدين‏..‏ ونشكو من الدعم رغم أننا نملك كل شيء‏..‏ فالأموال بالبلايين في البنوك وهي مدخرات المواطنين الذين ينتظرون كل شهر قروشها الضئيلة‏..‏ والشباب يتنطع علي المقاهي والشوارع بلا عمل أو يموت علي سواحل إيطاليا واليونان‏..‏ والأرض بملايين الأفدنة ولكنها خاوية علي عروشها‏..‏ والمياه نربي فيها السمك ولا نزرع الصحراء‏..‏ ماذا ينقصنا بعد ذلك كله حتي نعمر سيناء ونخرج من هذا الجحر الذي نعيش فيه علي امتداد الوادي هل هي مؤامرة‏..‏ أم هو الإهمال‏..‏ أم أن هناك من لا يريد لهذا البلد أن يتقدم خطوة للأمام‏..‏ هذا هو جناح الطائر المكسور علي امتداد سيناء بشواطئها وخيراتها ورمالها النقية وشعبها الطيب‏..‏ ماذا تنتظر حكومتنا الرشيدة بعد ذلك وماذا بعد الاحتفالات السنوية ومصر اليوم في عيد رغم أن العيد الحقيقي أن يفيق المسئولون عندنا ويدركوا حجم التراخي والإهمال في التعامل مع ملف سيناء وماذا ينتظر أصحاب القرار في بلادنا بعد ذلك كله‏..‏


*‏ الجناح الثاني المعطل أو المكسور في هذا البلد هو الساحل الشمالي‏..‏ منذ خمسة وستين عاما ترقد في أراضينا ملايين الألغام التي غرستها القوات الأجنبية في الحرب العالمية الثانية لا أحد يعرف عدد هذه الألغام ولا أحد يعرف خرائطها ومواقعها‏,‏ ولكنها مساحات من الأراضي الخصبة التي كانت يوما مزرعة الغذاء للرومان‏..‏ علي مساحة‏600‏ ألف فدان اقتطعتها الألغام من قلب مصر وأصبحت جناحها الثاني المكسور والمهشم تنام نصف ثروات هذا البلد‏..‏ وللأسف الشديد إننا لم نتعامل مع هذا الملف كما ينبغي‏..‏ وبإستثناء ما تقوم به قواتنا المسلحة من جهود في تطهير بعض المناطق من الألغام هناك وزيرة جادة ومخلصة هي السيدة فوزية أبو النجا وزيرة التعاون الدولي بذلت جهودا كبيرة ولكن المأساة أكبر منها ومن وزارتها أنها تحتاج إلي ضغوط دولية تستخدم فيها مصر كل إمكاناتها الدبلوماسية وكل ثقلها السياسي ولا يعقل أن تكون مصر هي أكبر دولة في العالم تسكنها حدائق الموت من هذه الألغام‏..‏ لقد قدمت ألمانيا بضع دولارات‏..‏ كذلك إيطاليا أما انجلترا فهي تتعامل مع هذا الملف باستخفاف شديد‏..‏



في العام الماضي فرض العقيد القذافي علي إيطاليا اعتذارا رسميا عن سنوات احتلالها للجماهيرية الليبية وحصل علي هذا الاعتذار من رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني علي الأرض الليبية‏..‏ ومع الاعتذار حصلت ليبيا علي خمسة بلايين دولار تعويضا رمزيا‏..‏ لم تكن ليبيا في حاجة إلي هذا المبلغ ولكنه رد اعتبار‏..‏ الغريب أن السفير الانجليزي في القاهرة اعتذر أخيرا في كلمات قصيرة للغاية عن احتلال انجلترا لمصر لمدة سبعين عاما‏..‏ وهنا كان ينبغي أن يكون الاعتذار شاملا كاملا وأن تدخل فيه تعويضات مناسبة‏,‏ وأن تلتزم انجلترا وحلفاؤها في إيطاليا وألمانيا بإزالة ألغام الساحل الشمالي ونزع قاذوراتهم ونفاياتهم من بلادنا‏..‏



هذه قضية لا ينبغي السكوت عليها ولنا أن نتصور لو كانت هذه الألغام مزروعة في إيطاليا أو ألمانيا أو انجلترا أو حتي إسرائيل كل هذه السنوات‏..‏ لا أعتقد أن هناك حكومة تقبل أن تظل حدائق الموت في أراضيها‏..‏ إننا نقيم المؤتمرات من أجل مساعدة هذا ودعم ذاك ونجمع رؤساء الدول فمن كان أولي أن يجتمع بسببه هؤلاء جميعا‏..‏ أن أوروبا ملزمة بأن تنتزع من أراضينا ألغامها ويجب أن نستخدم كل الوسائل في ذلك‏..‏ إما ان نطهر قطعة هنا أو قطعة هناك فهذا لا يتناسب مع‏600‏ ألف فدان تصلح للزراعة غدا‏,‏ ونحن أحوج ما نكون لها لقد دفع الغرب بلايين الدولارات تعويضات لليهود بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية‏..‏



أن آخر ما جادت به قرائح المسئولين عندنا هو توزيع هذه الأراضي بألغامها علي رجال الأعمال بأسعار زهيدة‏..‏ وهي مائة جنيه للفدان‏..‏ وهذه الفكرة تكشف لنا جوانب القصور والسذاجة في التفكير لدي بعض المسئولين في مصر‏..‏ مائة جنية للفدان هل هناك هزل أكثر من ذلك‏..‏



لقد كانت خطة المهندس حسب الله الكفراوي وهو يضع اللمسات الأولي لمشروع تنمية الساحل الشمالي أن يكون مشروعا سياحيا زراعيا إنتاجيا متكاملا وليس بضعة شهور يقضيها القادرون علي رماله الصفراء



أن ألغام الساحل الشمالي تحرم مصر من مساحة من الأراضي تكفي لتغطية احتياجاتها كاملة من القمح‏,‏ خاصة أن التاريخ الزراعي لهذه المنطقة مازال بين أيدينا والشواهد كلها تؤكد ذلك‏..‏ لن أتحدث هنا عن البلايين التي ألقيناها جذافـا في صحراء توشكي‏,‏ ولن أتحدث عن المعارك التي تدور بين رجال الأعمال حول بضع فدادين علي الطريق الصحراوي أو الصالحية أو غرب التفريعة وكلها عمليات سمسرة وتسقيع وتجارة‏,‏ ولكنني أتحدث عن مساحات من الأراضي تكفي مصر لأجيال قادمة‏..‏ وبدلا من البكاء علي الزيادة السكانية‏..‏ ومعدلات الفقر والشباب العاطل والزحام السكاني الرهيب‏..‏ نحن أمام جناحين هما الطريق الوحيد لانطلاق الحياة في مصر من أجل مستقبل أفضل‏..‏

لايعقل أن تنحصر كل مشروعات التنمية في مصر في عدد من الاشخاص هم رجال الاعمال‏,‏ وعدد من الافدنة حول الحزام السكاني في الدلتا‏,‏وعدد من قوانين الضرائب والجباية التعسفية‏,‏ بينما نصف مساحة مصر في سيناء والساحل الشمالي يسكنها مليون مواطن‏.‏

علينا أن نستعيد أجنحتنا المكسورة والتي تمتد علي شواطيء البحر من العريش إلي السلوم في منظومة كونية شديدة الغني والثراء‏..‏ حينما يتحرك جناحا مصر في سيناء‏61‏ ألف كيلومتر‏,‏ والساحل الشمالي‏600‏ ألف فدان صالحة للزراعة‏..‏ سيكون هناك ميلاد جديد‏,‏ وسوف يحلق هذا الوطن في آفاق أخري لنبني حياة ومستقبلا يليق بنا‏..‏ ونليق به‏..‏







..‏ ويبقي الشعر


سيموت الخوف وتجمعنا كل الأشياء

ذراتـك تعبر أوطانـا

وتدور‏..‏ وتبحث عن قلـبي في كل مكان



ويعود رمادك‏..‏ لرمادي

يشتعل حريقـا يحملـنـا خلف الأزمان

وأدور‏..‏ أدور وراء الأفق



كأنـي نار في بركان

ألقي أيامي بين يديك هموم الرحـلة والأحزان

نلتئم خلايا‏..‏ وخلايا



نتلاقـي نبضـا‏..‏ وحنـايا

تتجمع كـل الذرات

تصبح أشجارا‏..‏ ونخيلا وزمان نقاء يجمعنا



وسيصرخ صمت الأموات

تـنـبت في الأرض خمائل ضوء‏..‏ أنهارا

وحقول أمان‏..‏ في الطـرقات



نتوحد في الكون ظلالا‏..‏

نتوحد هديا‏..‏ وضلالا‏..‏

نتوحد قبحا‏..‏ وجمالا



نتوحد حسا‏..‏ وخيالا

نتوحد في كل الأشياء

ويموت العالم كي نبقـي‏..‏ نحن الأحياء


'‏من قصيدة سيجيء زمان الأحياء سنة‏1986'‏