Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : كلنا‏..‏ مهان

هوامش حرة



كلنا‏..‏ مهان



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




اهتزت مصر كلها وهي تشاهد علي شاشات التليفزيون مواكب الخنازير وهي تلتحم بالأطفال الصغار وتتزاحم حولهم تلال الزبالة وجدران الصفيح‏..‏ كانت الصورة تطرح واقعا شديد البشاعة والشراسة والتوحش‏..‏ إن المسافة قصيرة جدا بين جولف القطامية وفيلاتها الأنيقة وبين مقالب الزبالة والخنازير في منشية ناصر‏,‏ والمسافة بين الدويقة أسفل جبل المقطم وبين حديقة الأزهر قصيرة للغاية‏..‏ ولكن شتان بين المئات الذين قتلوا تحت صخور جبل المقطم والمئات الذين يتنزهون كل يوم بجوار البحيرات الصناعية والمطاعم الفاخرة في حديقة الأزهر‏..‏ المسافة بين حريق عزبة بلال في الشرابية وبين منطقة العمارات والفنادق الفارهة علي ضفاف النيل في نفس المنطقة قصيرة أيضا ولكن النيران أكلت صناديق الأخشاب سكن الغلابة ولم تستطع الوصول إلي العمارات الفارهة‏..‏



عندما كنت أشاهد آلاف الخنازير وهي تتسكع وسط أكوام الزبالة ووجوه الأطفال الصغار شاحبة ومريضة وحزينة دارت في رأسي هذه الأسئلة‏..‏ كيف سمح هذا المجتمع المتوحش بهذه الحياة لهؤلاء البشر ؟‏!..‏ وعلي من تقع مسئولية ذلك‏:‏ هل الحكومات المتعاقبة التي أنفقت البلايين علي التليفون المحمول وفضائيات العري ومواكب النفاق ونهب المال العام وتركت هؤلاء الناس يعيشون بهذه الصورة المخيفة ؟‏!..‏ هل الشعب الذي فرط في حقوقه ورضي أن يعيش وسط القاذورات وبين الخنازير وهياكل الصفيح‏..‏ هل الطبقة المثقفة المتعلمة التي اختارت النفاق والرياء والفساد وباعت قضاياها ولحقت بالركب لتأخذ الفتات ؟‏!..‏ هل رجال الأعمال الذين أخذوا البلايين ولم يردوا شيئـا لهذه الغالبية المطحونة من أبناء الشعب الفقير؟‏!..‏



إن مسئولية مقالب الزبالة والخنازير تقع علي هؤلاء جميعا إن هذه الصور التي تناقلتها الشاشات العالمية عن خنازير مصر كانت وصمة عار في جبين كل مواطن مصري خاصة هؤلاء الذين يتحدثون عن الدعم والفئات المهمشة‏..‏ ؟‏!‏ ونسبة الفقر والعولمة واقتصاديات السوق‏..‏ لأن هذا الذي رأيناه هو الفقر نفسه‏..‏



كانت الخنازير تخفي أجسادها خجلا وسط أكوام الزبالة وكان الأطفال الصغار الذين كثيرا ما تغني بهم ولأجلهم المجلس القومي للطفولة يأكلون ما بقي من زبالة الخنازير وتاهت ملامح الخنازير في وجوه الأطفال فلم تعد تفرق من منهم الإنسان ومن منهم الحيوان‏..‏



وهنا نطرح هذا السؤال‏:‏

لو لم تظهر إنفلونزا الخنازير في العالم هل كان المصريون سيعرفون أين توجد هذه الكائنات الحيوانية والبشرية وهي تعيش في مكان واحد وتأكل من زبالة واحدة‏..‏


*‏ أين كانت الحكومات المتعاقبة وهؤلاء الناس يعيشون حياة الكهوف مثل السلالات البشرية المنقرضة‏..‏ أين ذهبت البلايين التي إقترضتها الحكومات وأين أنفقتها؟‏!..‏ أن ديون مصر تجاوزت‏850‏ مليار جنيه‏..‏ وفي مقالة أخيرة اعترف د‏.‏عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء السابق بأن مصر حصلت علي مساعدات لا ترد من دول العالم بلغت‏92.6‏ مليار دولار أي‏370‏ مليار جنيه مصري ولم يقل لنا د‏.‏ عبيد أين أنفقت حكومته هذه المليارات ؟‏!..‏ وأين نصيب سكان مقالب الزبالة والخنازير في هذا كله ؟‏!..‏ وإذا كانت الحكومات قادرة علي إنشاء جولف القطامية وجولف السليمانية وجولف المقطم وجولف الطريق الصحراوي وجولف التجمع الخامس والقاهرة الجديدة فأين هي من جولف الخنازير؟‏!..‏ و إذا كانت الحكومات قد انفقت ملايين الجنيهات لتقيم المنتجعات الأنيقة والقصور الفارهة‏..‏ فلما لم تخصص ملاليم قليلة من هذه البلايين لتطهير مقالب الزبالة وسكانها من البشر والخنازير؟‏..‏

وسط مئات الفنادق ومئات الشواطيء التي أقمناها للسياح الوافدين لماذا لم نخصص قروشا حتي لا يسكن البشر بيوت الخنازير والقمامة‏..‏ وكم يحتاج ذلك كله؟‏!..‏ مائة مليون جنيه‏..‏ خمسمائة مليون جنيه‏..‏ مليار جنيه ؟‏!..‏ هذه المبالغ جميعها ينفقها السادة الوزراء في إقامة مهرجانات أو أسفار لوفود لا تفعل شيئـا‏..‏ كان من الممكن أن تخصص مساحة من الأراضي التي حصل عليها الأكابر بلا مقابل وكسبوا منها البلايين لتكون مسكنـا لهؤلاء الذين سكنوا مقالب الزبالة‏..‏


*‏ أين رجال الأعمال المصريون الذين يتحدثون كثيرا عن العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي وحقوق الفقراء والمسئولية الإنسانية‏..‏ إن المئات منهم لم يكونوا يملكون شيئـا منذ سنوات قليلة وأقاموا المصانع ونهبوا البنوك وهرب منهم من هرب وبقي منهم من بقي‏..‏ في خطة إصلاح الجهاز المصرفي خسرت البنوك المصرية في عمليات التسويات والديون المعدومة وقروض الهاربين‏60‏ مليار جنيه‏..‏ من كان الأحق بها‏:‏ سكان الدويقة وإسطبل عنتر وأرض اللواء ومنشية ناصر أم بهوات القطامية ولصوص المال العام ومواكب الفساد؟‏!..‏



كيف وقف رجال الأعمال وشاهدوا بأنفسهم مواكب الخنازير السوداء وهي تتقلب مع الأطفال الصغار في صناديق الزبالة في ارض الحضارات والأديان‏..‏



وكيف نام هؤلاء في قصورهم وهم يعلمون أن الأموال التي ينامون عليها مال حرام لأنه حق مشروع لأصحاب الزبالة ؟‏!..‏



كيف يقبل رجال الأعمال هذه الصورة المهينة للمواطن المصري وهو يتقلب بين الخنازير في أماكن ملوثة‏..‏ حيث لا ماء‏..‏ ولا دورات مياه‏..‏ ولا مدرسة‏..‏ ولا مستوصف ولا طريق ولا جدران تحمي الأجسام المتهالكة من برد الشتاء؟‏!..‏ أين رجال الاعمال الذين يتحدثون عن صفقات الأراضي والسمسرة‏..‏ وتصدير الغاز والكويز ومزادات الاراضي ومزارع الكانتلوب والخيار وموائد الكافيار‏..‏ أين حق هؤلاء الناس الذين يعيشون في بيوت الخنازير من دخل قناة السويس‏..‏ وصادرات البترول ودخل السياحة والشواطيء الفيروزية التي وزعتها الحكومات المتعاقبة علي الأكابر ؟‏!..‏



أين حق هؤلاء في مزادات الأراضي التي باعتها الحكومة ؟‏!..‏



عندما أنشأت الحكومة التجمع الخامس‏..‏ ومنتجعات القطامية والسليمانية والمقطم وشرم الشيخ والغردقة لماذا لم تحاول إخراج هذه الفئران البشرية من جحورها لتسكن شيئـا يشبه البيوت علي هذه الأرض‏..‏


*‏ أين النخبة التي باعت قضايا الإنسان المصري مقابل منصب أو صفقة أو سفرية أو عضوية في حزب أو نقابة أو ناد ؟‏!..‏ أين النخبة صاحبة الدور والرسالة؟‏!..‏ هذه النخبة التي باعت كل شيء في سبيل مكاسب هزيلة حصلت عليها من هنا أو هناك من سفارة أو جمعية أو سلطة في صفقة مشبوهة‏..‏



أين مواكب اليسار المصري الذي تغني زمنـا بحقوق الجائعين والمطحونين؟‏!..‏ أين فرسان الاشتراكية‏..‏ وتجار الشعارات وأين الأحزاب الورقية؟‏..‏ أين كوادر الحزب الوطني الذي يدعي انه يعرف كل شيء ويري كل شيء؟‏..‏ ألا توجد دراسة في كواليس حزب الأغلبية عن سكان أكوام الزبالة من الخنازير البشرية؟‏..‏ ألا توجد أبحاث عن عشوائيات القاهرة ومن يسكن فيها؟‏..‏



إن الحكومة تتحدث كل يوم عن الدعم والعولمة واقتصاديات السوق فأين هذا الدعم الذي وصل إلي هذه الأكوام البشرية التي خرجت علينا في ليلة سوداء مثل لون الخنازير تماما؟‏..‏ أين أعضاء الحزب الوطني في هذه المناطق ؟‏..‏ وأين أعضاء مجلسي الشعب والشوري الذين أقاموا مقالب الزبالة وزرعوا فيها الخنازير ؟‏..‏ إنني أطالب النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود بتحويل جميع أعضاء مجلسي الشعب والشوري في هذه المناطق المنكوبة التي شاهدناها علي شاشات التليفزيون إلي محاكمات سريعة وعاجلة ورفع الحصانة عنهم بل يجب فصلهم من مجلسي الشعب والشوري‏..‏ هؤلاء الأعضاء لا يستحقون أبدا شرف تمثيل هذا الشعب لأنهم شاهدوا كل هذه الجرائم وسكتوا عليها بل وتاجروا في هموم هؤلاء الناس‏..‏



إن صورة الخنازير السوداء ووجوه الأطفال الملوثة بالطين وسط أكوام الزبالة وأجسامهم العارية وعيونهم الزائغه وثيقة إدانة لنا جميعا شعبا ونخبة وحكومة ورجال مال وأعمال ومثقفين‏..‏



أن أسوأ ما في هذه الصورة أنها جريمة يتوافر فيها سبق الإصرار والترصد‏..‏ لأن الذي أقام ببراعة منتجعات القطامية للأكابر والذي أقام شبكات الانترنت والمحمول والقرية الذكية كان يستطيع أن يخرج بهؤلاء الناس من جحور الزبالة‏..‏ والذي زرع آلاف الأفدنة من الجولف كان يستطيع أن يطهر هذه المقالب التي تتجمع فيها زبالة الكبار‏..‏ كان من الممكن إقامة مصانع لتحويل الزبالة إلي سماد عضوي والاستفادة منها‏..‏ كان من الممكن إنشاء مساكن متواضعة بدلا من جدران الصفيح‏..‏ وكان من الممكن إنشاء مصانع للحوم حتي لا نقتل كل هذه الخنازير مرة واحدة‏..‏



كان من الممكن أن يكون لكل طفل من هؤلاء الأطفال مدرسة ودواء وجدران تحميه‏..‏ ولكن حين يفتقد المجتمع مشاعر العدل والرحمة والمسئولية ينام الأطفال في أحضان الخنازير ويسكن البشر صناديق الزبالة‏..‏



لابد أن نعترف إن الجميع مدان في هذه الجريمة‏..‏ أعضاء مجلس الشعب في هذه المناطق‏..‏ الإعلام‏..‏ الذي شغل نفسه بزواج الفنانات وطلاق الفنانين‏..‏ الصحافة‏..‏ التي لم تكشف هذه العورات وهي تتحدث عن إرضاع الكبير وزواج المسيار‏..‏ والحزب الوطني الذي يدعي أنه يعرف كل شيء‏..‏ ابتداء بقوانين العولمة واستراتيجية زراعة الموز والكانتلوب‏..‏ وأعضاء الروتاري والليونز ومجالس الطفولة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وأحزاب الغفلة وزعاماتها الكاذبة‏..‏



ما شاهدناه في مقالب الزبالة من البشر والخنازير كابوس أسود ثقيل لا أدري متي يفيق المصريون منه قبل ان تخرج عليهم وتحاصرهم مواكب الخنازير‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر





مازلت أسكن في عيونك مثل حبات النهار‏..‏

أطياف عطرك بين أنفاسي رحيل‏..‏ وانتظار

مازلت أشعر أننا عمر نهايته‏..‏ انتحار

والحب مثل الموت يجمعنا‏..‏ يفرقـنا



وليس لنا اختيار

هل تنـجب النيران

وسط الريح شيئـا غير نار

مازلت أحيا كل ما عشناه يوما



رغم أن العمر‏..‏ أيام قصار

والحب في الأعماق بركان يدمرنـا

وبين يديك ما أحلي الدمار

والشوق رغم البعد أحلام تطاردنـا



ومازلنا نكابر كالصغار

فالهجر في عينك هجر مكابر

هل تهرب الشطآن من عشق البحار

إن جاء يوم واسترحت من المني



فلتخبريني‏..‏ كيف أسدلت الستار

فإلي متي سنظل في أوهامنا

ونظن أن الشمس ضاقت‏..‏ بالنهار

أدمنت حبك مثلما



أدمنت في البحر‏..‏ الدوار

فلقاؤنا قدر

وهل يجدي مع القدر الفرار؟‏!‏





من قصيدة وليس لنا اختيار سنة‏1982‏