Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : أوباما‏..‏ في القاهرة

هوامش حرة



أوباما‏..‏ في القاهرة



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




مازال للقاهرة سحرها الخاص ليس فقط بمقاييس السياسة‏,‏ ولكن الدور الحضاري والفكري والديني كان وسيظل من أهم سمات الدور المصري عربيا وإسلاميا‏..‏ ولهذا لم يكن اختيار إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للقاهرة مكانـا لتوجيه كلمته إلي العالم الإسلامي اختيارا غريبا‏..‏ لأن الشيء الغريب حقـا لو وقع الاختيار علي مكان أخر غير القاهرة‏..‏ ورغم كل محاولات التهميش التي حاولت استبعاد مصر عن دورها ومسئولياتها ألا أن حقائق الماضي والحاضر والمستقبل كانت دائما تؤكد أن الدور المصري لا يمكن أبدا أن يكون ضحية ابتزاز أو تهميش أو مساومة‏..‏ فلا يوجد كتاب تاريخ لا يوجد فيه اسم مصر‏..‏ولا يوجد حديث عن الحضارة الإنسانية بلا مصر‏..‏ ولا مكان للتوحيد والأديان والمعتقدات تغيب عنه مصر‏..‏



هذه بعض حقائق الماضي البعيد والقريب معا‏..‏ وفي الحاضر أسباب كثيرة ودلالات مختلفة تعطي مصر مكانة خاصة جدا أمام العالم حتي وأن غيرت السياسة بعض الثوابت وشوهت صورة الحقيقة أمام الأطماع والحسابات الخاطئة‏..‏



أخيرا سوف تهبط طائرة الرئيس أوباما في مطار القاهرة ليوجه كلمة كان قد وعد بها إلي العالم الإسلامي‏,‏ وهناك أسباب كثيرة تفرض القاهرة مكانـا‏..‏ وتفرض الكلمة هدفـا ومخرجا‏..‏ وقبل هذا كله فإن الرئيس الامريكي يسعي لأن يفتح صفحة جديدة مع العالم العربي والإسلامي في ظل غيوم كثيفة سادت العلاقات الأمريكية الإسلامية‏..‏ طوال سنوات حكم الرئيس بوش‏..‏


*‏ لا نستطيع أن نتجاهل أشياء كثيرة وراء اختيار القاهرة منبرا لهذه الرسالة‏..‏ أن الرئيس الأمريكي يدرك عن وعي أن وراء العاصمة المصرية تجربة ليبرالية فريدة ظهرت علي ضفاف النيل طوال القرن الماضي‏,‏ وكانت نموذجا مشاركـا للتجربة الهندية مع الحريات‏..‏ ربما تعثرت التجربة المصرية‏,‏ ولكن سيبقي لها الريادة‏..‏ وبجانب هذا فإن القاهرة الألف مئذنة‏..‏ والأزهر الشريف ورحلة الأسرة المقدسة‏..‏ وجامعة القاهرة والمؤسسات الحضارية العريقة ونخبة الثقافة المصرية‏..‏ هذه كلها عوامل أساسية صاغت الدور الثقافي والديني والفكري للقاهرة‏..‏



وربما اختلفنا حول قضية السلام مع إسرائيل إلا أن إدارة الرئيس أوباما والإدارة الأمريكية بصفة عامة تري أن السلام المصري الإسرائيلي كان ومازال نقطة تحول تاريخية في تاريخ الصراع العربي‏-‏ الإسرائيلي‏,‏ وأن الدور الأمريكي في هذا التحول كان سباقـا ومازال حتي الآن يتحمل مسئولية كبيرة في الوصول إلي سلام حقيقي بين العرب وإسرائيل من خلال إقامة دولة فلسطينية‏..‏



إن هناك علاقات خاصة بين مصر وأمريكا ربما تراجعت درجة الحرارة فيها ووصلت إلي ما يشبه البرودة في أحيان كثيرة‏,‏ ولكن الواقع يقول إن أمريكا مازالت في حاجة للدور المصري وأنه من الصعب أن تفرط في هذا الدور أو تجد له بديلا‏..‏


*‏ إن الإدارة الحالية في البيت الأبيض تدرك عن يقين حجم الخطايا التي ارتكبتها الإدارة السابقة في حكم الرئيس بوش بل إن الشعب الأمريكي يعرف مدي هذه الأخطاء‏..‏ لقد أساءت هذه الإدارة إلي العلاقات التاريخية بين أمريكا ونصف سكان العالم وهم من المسلمين‏..‏ لم يكن هناك ما يبرر أن تعلن أمريكا الحرب علي مليار ونصف مليار مسلم طوال ثماني سنوات لقد بدأ مسلسل العداء بين أمريكا والإسلام من خلال خطب الرئيس بوش وهو يتحدث عن حروب صليبية معاصرة ويفتح صفحات الماضي البغيض ويعيد للذاكرة صور صراع مرير مضت عليه قرون من الزمان‏..‏ ورغم أن هناك عداء تاريخيا بين أسرة بوش والإسلام تجسد في كتاب سييء السمعة كتبه عميد أسرة بوش جورج الجد والذي عاش خلال الفترة من‏'1796-1859'‏ بعنوان محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين‏..‏ يعتبر هذا الكتاب من أسوأ فصول العداء بين الغرب ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام‏..‏ والأمر الغريب حقـا أن ثروة آل بوش جاءت من علاقات مشبوهة في تجارة البترول وأعمال سمسرة‏,‏ وتوكيلات وتجارة مع دول البترول إلا أن هذا لم يغير شيئـا في عداء الرئيس بوش وموقفه من الإسلام والمسلمين‏..‏ وهنا ظهر الخلاف واضحا منذ تولي الرئيس أوباما السلطة فالرجل في أول خطاب له تحدث عن الأديان كل الأديان بتقدير واحترام بل إنه تحدث عن كل معتقدات البشر دون تمييز بما في ذلك مواكب الملحدين في العالم‏..‏ ولعل كلمة الرئيس أوباما للعالم الإسلامي ستكون نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه المسلمين‏..‏


*‏ لقد كان الرئيس بوش واضحا كل الوضوح في عدائه للإسلام حين ربط بين الإسلام العقيدة وظاهرة الإرهاب‏..‏ ورغم أن الإرهاب ظاهرة عالمية لا دين لها ولا وطن إلا أن السياسة الأمريكية طوال سنوات حكم الرئيس بوش وضعت الإسلام هدفـا لها‏..‏ كل الحروب التي خاضها الرئيس بوش وورط فيها أمريكا كانت ضد دول إسلامية ابتداء باحتلال أفغانستان‏..‏ ثم احتلال العراق ثم العقوبات الصارمة علي إيران وسوريا‏..‏ والعداء مع حزب الله وحماس وكل جبهات المقاومة الإسلامية‏..‏ ثم ما حدث في الصومال وجنوب السودان ودارفور وباكستان‏..‏ بعض هذه المعارك كانت له مبررات‏..‏ ولكن معظم هذه المعارك كان بعيدا تماما عن المنطق والقوانين والأعراف الدولية‏..‏ وكان يكفي لإدانة السياسة الأمريكية ما حدث في سجون أبو غريب وجوانتانامو‏,‏ والوحشية في التعامل مع المدنيين في العراق وأفغانستان‏..‏ والصومال‏..‏ لقد خسرت أمريكا رصيدا كبيرا من تاريخها الإنساني والحضاري كنموذج رفيع للتعايش بين البشر حيث لا خلاف في لون أو أصل أو دين أو ثقافة‏..‏ لقد أستخدم الرئيس الأمريكي آلة عسكرية جبارة خرب بها بيوت الآمنين‏,‏ وجرب فيها أحدث ما وصلت إليه ترسانة السلاح الأمريكي المتطور وقضي علي مستقبل شعوب كما حدث في العراق وأفغانستان‏..‏



والآن جاء الرئيس أوباما يحاول أن يلملم الجراح ولا أدري هل سيعتذر الرجل عن جرائم الرئيس بوش وهل يكفي الاعتذار‏..‏ وماذا ستفعل أمريكا مع بلاد تهدمت تماما أمام القوة العسكرية الأمريكية الغاشمة‏..‏ وكيف ستعوض أمريكا هذه الدول‏..‏ كانت هناك دولة عصرية متقدمة في كل شيء اسمها العراق‏..‏ ماذا بقي من العراق الآن‏..‏ وهل يستطيع الرئيس أوباما أن يعيد الوطن كما كان لأصحابه‏..‏ أين الجيش العراقي والجامعات العراقية وأطباء العراق وقوات أمنه‏..‏ وأين بترول العراق ونخيله وثرواته وآثارة وكتبه وثقافته‏..‏


*‏ لاشك أن الرئيس أوباما بحكم ثقافته وتكوينه يعرف الكثير عن قصة الصراع العربي الإسرائيلي‏,‏ والذي بدأ في أربعينيات القرن الماضي بإقامة دولة إسرائيل في قلب العالم العربي تحت مزاعم تاريخية ودينية كاذبة ومضللة لعل الرئيس أوباما يدرك أن هناك شعبا صاحب أرض ووطن ودولة خلعته إسرائيل من أرضه‏..‏ لم يكن العرب مسئولين عن مجازر هتلر ضد اليهود لأن مذابح اليهود قضية غربية لا علاقة للعرب أو المسلمين أو الفلسطينيين بها‏..‏ وكانت جريمة كبري من الغرب أن ينقل أخطاءه وخطاياه إلي قلب العالم ومركز الأديان السماوية في فلسطين‏,‏ والغريب في الامر أن العالم الحر كما يسمي نفسه مازال يساند إسرائيل في جرائمها ضد الشعب الفلسطيني‏..‏ ومازالت المذابح تدور كل يوم في غزة ورام الله وأصبحت القوات الإسرائيلية تمارس القتل اليومي لشعب أعزل‏..‏ ولن يكون هناك حل لهذا الصراع إلا إذا حصل الفلسطينيون علي وطنهم ودولتهم‏..‏ وسوف يمتد هذا الصراع مئات السنين مادامت إسرائيل تؤمن بسياسة العدوان والبطش والتوسع والاستيطان لا حل لهذه القضية ولا سلام في هذه الارض إذا بقيت إسرائيل بسياستها التوسعية تهدد الأمن والاستقرار للشعوب العربية‏..‏



أن الرئيس أوباما يدرك أنه الآن يقف علي أرض لها قدسيتها وجلالها فهي الأرض التي سار علي ترابها أنبياء الله ورسله عليهم السلام منذ مئات السنين هذه الأرض كانت ومازالت مصدر الهداية والتوحيد والإيمان للبشر كل البشر في كل بلاد الدنيا لم يظهر نبي في أوروبا أو أمريكا أو أستراليا أو المكسيك‏,‏ ولكن الأنبياء جميعا ظهروا في بلادنا وكانت عقائدهم جميعا تدعو إلي المحبة والسلام‏,‏ وعلي الإدارة الأمريكية الجديدة أن تدرك أن دعمها للكيان الإسرائيلي بالحق والباطل يمثل تحديا أخلاقيا ودينيا وإنسانيا لكل ما جاءت به الكتب السماوية وعلي أمريكا‏-‏ وهي تستطيع‏-‏ أن تفرض علي الجميع حلا عادلا للقضية الفلسطينية‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏

‏‏





..‏ ويبقي الشعر




يقولون عني كثيرا كثيرا

وأنت الحقيقة لو يعلمون

لأنك عندي زمان قديم



وأفراح عمر وذكري جنون

وسافرت أبحدث في كل وجه

فألقاك ضوءا بكل العيون



يهون مع البعد جرح الأماني

ولكن حبـك لا‏..‏ لا يهون

أحبـك بيتـا تواريت فيه



وقد ضقت يوما بقهر السنين

تناثرت بعدك في كل بيت

خداع الأماني وزيف الحنين



كهوف من الزيف ضمت فؤادي

وآه من الزيف لو تعلمين

لماذا رجعت زمان تواري



وخلف فينا الأسي والعذاب

بقاياي في كل بيت تنادي

قصاصات عمري علي كل باب



فأصبحت أحمل قلبا عجوزا

قليل الأماني كثير العتاب

لماذا رجعت وقد صرت لحنا



يطوف علي الأرض بين السحاب

لماذا رجعت وقد صرت ذكري

ودنيا من النور تؤوي الحياري



وأرض تلاشي عليها المكان

لماذا رجعت وقد صرت لحنا

ونهرا من الطهر ينساب فينا



يطهر فينا خطايا الزمان


'‏من قصيدة وأنت الحقيقة لو تعلمين سنة‏1982'‏