Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : بعد أن هدأت العاصفة

هوامش حرة



بعد أن هدأت العاصفة



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة






هدأت العاصفة بين الحكومة والجهاز المركزي للمحاسبات وألقي د‏.‏جودت الملط بيانه في مجلس الشعب دون أن تحدث أشياء تعكر صفو جميع الأطراف‏..‏ ويبدو أن الجميع كان حريصا علي أن تمضي هذه العاصفة وألا تكون مثار إزعاج كما حدث في سنوات سابقة‏..‏ وللمرة الأولي كان رئيس الجهاز حريصا علي أن يذكر للحكومة إيجابياتها وأن ينتقل بعد ذلك إلي مناقشة وطرح السلبيات‏..‏ وقد كان واضحا من البداية أن الحكومة سوف تسعي إلي تمرير تقرير الجهاز بأقل الخسائر الممكنة كما أن رئيس الجهاز كان أكثر حرصا علي عدم تكرار الصدام مع بعض وزراء الحكومة كما حدث في العام الماضي‏..‏ وكان الأكثر وضوحا هو موقف رئيس مجلس الشعب د‏.‏ فتحي سرور الذي حاول أن يوفر كل سبل الحماية للدكتور جودت الملط وهو يواجه العاصفة‏..‏



تابعت مع الكثيرين تقرير الجهاز الذي حاول أن يقترب من قضايا كثيرة في أداء الحكومة خاصة مع كل ما أثير حول اختصاصات الجهاز‏,‏ وهل هو يمثل رقابة مالية فقط أم أنه صاحب حق قانوني في مناقشة أداء الحكومة‏..‏ تحدث التقرير عن إيجابيات الحكومة وذكر في هذا الإطار‏21‏ نقطة إيجابية تحسب لأداء الحكومة ما بين الزيادة في معدلات الدخل القومي والاستثمار الاجنبي والتعليم والصحة والإسكان والمرافق والديون والضرائب والاحتياطي النقدي وميزان المدفوعات‏..‏ وقد حاولت أن ابحث عن بعض الموضوعات التي ذكرها الجهاز وأشار إليها في تقارير سابقة ولم أجد لها مكانـا هذا العام ولا أدري علي أي أساس اختفت هذه القضايا خاصة أنها لم تكن مجرد أزمات أو مشكلات عابرة وبجانب هذا كانت هناك قضايا أخري هامة لم نجد لها مكانـا في تقرير هذا العام‏..‏ وهنا أتوقف عند بعضها‏..‏


*‏ منذ فترة ونحن نتحدث عن أموال التأمينات وهي تمثل مدخرات الموظفين لدي الحكومة‏..‏ كانت في مصر في يوم من الأيام وزارة تسمي وزارة التأمينات يجلس علي رأسها وزير مسئول عن معاشات الموظفين واستثمار مدخراتهم في مجالات مضمونة بعيدا عن المضاربات‏..‏ وفجأة قررت الحكومة دمج وزارة التأمينات مع وزارة المالية وفي تقديري أن هذا القرار كان قرارا متسرعا وترتبت عليه آثار سيئة‏..‏



كان من الخطأ الجسيم أن تلقي الحكومة مدخرات المواطنين ومعاشاتهم في بلاعة الإنفاق العام وميزانية الدولة ومواردها وضرائبها وتجاوزات المسئولين فيها‏..‏ ولكن هذا الدمج بين أموال الناس وأموال الحكومة فتح أبوابا كثيرة للتلاعب‏..‏ في حديث تليفزيوني وفي أكثر من مناسبة لم يحدد د‏.‏ يوسف بطرس غالي وزير المالية مجالات استثمار أموال التأمينات وأكد أنها تبلغ‏270‏ مليار جنيه وقال انها موجودة علي الورق‏..‏ ولم يذكر لنا هل هي موجودة علي ورق عادي أم ورق بنكنوت أم ورق حائط‏..‏ فأين ذهبت هذه المليارات‏,‏ وإذا كان الجهاز المركزي للمحاسبات يراجع حسابات وأداء الحكومة فلماذا لم يذكر شيئـا عن‏270‏ مليار جنيه في ذمة الحكومة للمواطنين‏..‏ وماذا فعلت بها وزارة المالية‏..‏ وما هو حجم الأموال التي استخدمتها‏,‏ وهل هناك ضوابط تضع حدودا وفواصل بين أموال الناس وأموال الحكومة أم أن الأمور تداخلت في بعضها‏..‏ ما الذي يمنع استخدام أموال التأمينات كجزء من ميزانية الدولة مادامت الحكومة تهيمن عليها خاصة أنه لا يوجد من يحاسب الحكومة ويسألها أين ذهبت هذه الأموال وما هو معني أنها أموال علي الورق‏..‏



أن وزير المالية مطالب بأن يوضح مجالات الأنفاق والاستثمار التي توجد فيها أموال التأمينات لأنها ليست حقـا للحكومة ولكنها تديرها فقط لحساب أصحابها وهم الملايين من أصحاب المعاشات‏..‏


*‏ في تقرير العام الماضي ذكر الجهاز المركزي للمحاسبات أن هناك‏37‏ مليار جنيه ضرائب متأخرة للحكومة لدي رجال الأعمال‏..‏ ولم يذكر التقرير شيئـا عنها هذا العام وهل قامت الحكومة بتحصيل شيء منها وما هو حجم المتأخرات في السنوات اللاحقة‏..‏ ان هذه الضرائب المتأخرة تمثل جانبا سلبيا في أداء الحكومة التي تبحث عن قرش هنا وقرش هناك في جيوب المواطنين البسطاء في حين أن لها‏37‏ مليار جنيه لدي القطاع الخاص لا تسأل عنها‏..‏ كان ينبغي أن يستكمل الجهاز المركزي للمحاسبات البحث عن هذه الأموال وماذا حدث فيها ولكنه لم يفعل‏..‏ فهل كان السبب في ذلك أن جزءا كبيرا من هذه المتأخرات لدي رجال الحزب الوطني وهو أكبر من أن يسأله أحد أم أن ما يجوز علي المواطنين دافعي الضرائب لا يجوز علي الكبار من رجال الأعمال وأصحاب الملايين‏..‏


*‏ لم يذكر التقرير شيئـا عن حصيلة مشروعات الخصخصة التي باعتها الدولة وأين تسربت هذه الحصيلة‏..‏ بداية لم يذكر التقرير شيئـا عن حجم هذه الحصيلة‏,‏ ولم يقل لنا أين ذهبت وما هي المجالات التي تم فيها انفاق هذه الحصيلة أو حتي ما هي المشروعات التي تم بيعها‏..‏ لا أحد حتي الآن يعرف حجم الأموال التي دخلت ميزانية الدولة من بيع مشروعات القطاع العام‏.‏ هناك الأراضي المملوكة للدولة وهناك الفنادق والمصانع والمشروعات التجارية‏..‏ فهل تابع الجهاز المركزي للمحاسبات هذه الأموال وأين ذهبت وفي أي بنود الميزانية دخلت‏.‏ ماذا عن الأراضي التي بيعت في المدن الجديدة وعلي شواطيء البحر الأحمر والساحل الشمالي والطرق الصحراوية وأين ذلك كله‏..‏


*‏ في ظل الأزمة العالمية التي تعاني منها دول العالم كان ينبغي أن يقدم لنا تقرير الجهاز ما يطمئن المصريين حول الاحتياطي النقدي الأجنبي وهل يتم استثماره بأقل المخاطر سواء في الأسواق الخارجية أم المحلية‏..‏ لقد بلغ هذا الاحتياطي‏34.6‏ مليار دولار ومن الضروري أن نعرف هل حدثت مخاطر لهذا الاحتياطي في الفترة الماضية أمام انهيار أسواق المال والبورصات العالمية وأسعار العملات أم أنه خرج منها سالما وما هي الضمانات التي وضعتها الدولة لحماية هذا الاحتياطي‏..‏ لا أحد يعرف علي من تقع مسئولية استثمار وتدوير هذا الاحتياطي هل هي الحكومة أم البنك المركزي أم هما معا‏..‏ وماذا حدث لهذه الأموال‏..‏


*‏ لا يوجد جهاز واحد في مصر يقول لنا ماذا ينتج المصريون من السلع الآن إن الغريب في الأمر حقـا أننا نتحدث عن مجموعة مصادر ثابتة للدخل المصري لم تتغير وهي تمثل مواردنا كاملة‏..‏ نتحدث عن قناة السويس‏..‏ عن السياحة‏..‏ عن البترول‏..‏ عن مدخرات المصريين العاملين في الخارج‏,‏ ولكن لا توجد بيانات لدي أي جهة عن إنتاج مصر في الصناعة والزراعة سواء ما تصدره للخارج أو ما يكفي لتوفير احتياجات السوق المحلية‏..‏ ان السلع الوحيدة التي يثور حولها جدل كبير هي الحديد والأسمنت والأسمدة‏..‏ ولكن ماذا عن طعام الناس واحتياجات البشر‏..‏ هذه أرقام غائبة عنا تماما لأن كل شيء في مصر الآن هو الحديد والأسمنت ولهذا نري عشرات السلع المهربة التي لا نعرف من أين جاءت‏..‏


*‏ توقفت كثيرا عند بعض الأرقام في تقرير هذا العام عن فوضي الأسعار يتحدث التقرير عن ارتفاع الأسعار في الخبز والحبوب بنسبة‏30%‏ والزيوت والدهون‏25%‏ والخضراوات‏24%‏ والفاكهة‏29%‏ وخدمات التعليم‏26%‏ وارتفاع حجم الديون الداخلية والخارجية لتصل إلي‏847‏ مليار جنيه‏,‏ يبلغ نصيب كل مواطن منها ما يقرب من‏9000‏ جنيه‏..‏ أي أن كل أسرة تتكون من خمسة أشخاص عليها ديون تبلغ‏45‏ ألف جنيه‏..‏


*‏ ومن أغرب الأرقام التي جاءت في التقرير أن في مصر‏40‏ مليون شخص يحملون الموبايل و‏11.5‏ مليون شخص يستخدمون الانترنت و‏11‏ مليون شخص يستخدمون التليفون الأرضي‏..‏ وهذا يؤكد أن المصريين يقفون في طوابير العيش بالساعات وهم يتحدثون في الموبايل وأن التلاميذ في المدارس لا يجدون دورات المياه ويجلسون علي أجهزة النت وهذا قمة التناقض في فهمنا لمعني الحداثة‏..‏ والأغرب من ذلك أن تقام كل هذه الخطوط التليفونية بينما يتم احلال وتجديد‏836‏ فصلا في‏78‏ مدرسة خلال عام كامل رغم أن في مصر‏25‏ ألف مدرسة معظمها آيل للسقوط‏..‏ فأي الأشياء أولي‏..‏ خطوط محمول جديدة ومكالمات في الهواء ورسائل للمطربين والمطربات أم مدارس تعلم الأطفال وتمحو أمية شعب‏..‏


*‏ من الأشياء الغريبة ألا نجد في التقرير شيئـا علي الإطلاق عن عدد من المشروعات الهامة التي أخذت من الوقت والمال الكثير‏..‏ لم نعد نعرف شيئـا عن مشروع توشكي وكم أنفقت الدولة عليه في السنوات الماضية البعض يقول انها‏6‏ بلايين جنيه‏,‏ وهناك من يقول انها ضعف هذا الرقم فأين الحقيقة الغائبة في ذلك كله وما هو مصير هذا المشروع‏..‏ هناك أيضا مشروع تنمية سيناء وكان من المقدر له أكثر من‏83‏ مليار جنيه قيل أن الدولة أنفقت منها‏30‏ مليارا وقيل أيضا ان معظم بنود المشروع بقيت حبرا علي ورق‏..‏ فأين الحقيقة في ذلك خاصة أن الجميع يطالب بتنمية سيناء‏..‏ هناك أيضا مشروع شرق العوينات ولا أحد يعرف ماذا تم فيه حتي الآن رغم توزيع الأراضي علي رجال الأعمال‏..‏



هذه المشروعات كان ينبغي أن تكون مجالا للبحث والمراجعة من جهاز المحاسبات فقد مضي وقت طويل ولم يعد أحد يذكرها وفي غياب الأرقام الحقيقية تزداد الأقاويل والاجتهادات وتختفي الحقيقة أمام فوضي الأرقام‏.‏


*‏ كنت أتمني لو أن التقرير توقف عند بعض الظواهر السلبية وحاول الاقتراب من أسبابها ووسائل مواجهتها‏..‏ هناك علي سبيل المثال العشوائيات التي انتشرت في كل جزء من المحروسة ولا نعرف لها عددا‏..‏ عشوائيات المساكن‏..‏ وعشوائيات السلوك‏..‏ وعشوائيات الفكر‏..‏ كنت أتمني أن أجد تفاصيل أكثر عن أزمة الإسكان‏..‏ وانحدار الثقافة‏..‏ والملايين التي تسربت في بلاعات المجاري دون أن يعرف أحد شيئـا عنها‏..‏ كنت أتمني أن أجد شيئـا يذكرنا بضحايا الدويقة وغيرها من الكوارث التي تعرض لها التقرير دون أن يقدم لها أسبابا أو حلولا‏..‏



شكرا للدكتور جودت الملط ورجاله علي هذا الجهد الكبير وأتمني أن تتوقف أجهزة الحكومة عند الكثير مما جاء في هذا التقرير وألا يبقي مجرد حبر علي ورق‏,‏ كما أتمني أن يحرص الجهاز علي أن يؤدي دوره بكل الشفافية حتي لو أغضب كل وزراء الحكومة‏..‏








..‏ ويبقي الشعر


ماذا تـبقـي من ضيـاء الصبح

في عين الوطن‏..‏

الآن فوق شـواطيء النـهر العريق



يموت ضوء الشمس

تصمت أغنيات الطير‏.‏

‏.‏ ينـتـحر الشجر



خـنقـوا ضياء الصبح في عين الصغار

ومزقوا وجه القمر‏..‏

باعوا ثياب النـهر في سوق



النـخاسة أسكتوا صوت المطـر‏..‏

في كـل شبر وجه ثعبان بلـون الموت

ينفث سمه بين الحفر‏..‏



في كـل عين وجه جلاد يطل ويختفي

ويعود يزأر كالقـدر‏..‏

صلـبوا علي الطـرقات



أمجاد السنين الخضر

باعوا كـل أوسمة الزمان البـكر

عمرا‏..‏ أو تـرابا‏..‏ أو بشر‏..‏



أتري رأيتم كيف يولد عندنا

طفل وفي فمه حجر

لـم يبق شـيء للطـيور



عـلـي ضفـاف النـيل

غير الحزن يعصف بالجوانح

زمن العصافير الجملية قد مضي



وتحكـمت في النهر أنياب جوارح

زمن القراصنة الكـبار

يطل في حزن العيون‏..‏



وفي انطفاء الحلم‏..‏

في بؤس الملامح‏..‏


'‏ من قصيدة أغنية للوطن سنة‏1996'‏