Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : الأزمة المالية .. وتوزيع الأعباء

هوامش حرة



الأزمة المالية‏..‏ وتوزيع الأعباء



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة







من الخطأ الجسيم أن تدعي الحكومة أن الأزمة الاقتصادية سوف تكون محدودة الأثر علينا شعبا وحكومة‏..‏ الخطأ الأكبر أن نستسلم لهذه الأزمة وأن نضع رؤوسنا في الرمال ونتصور أننا بعيدون عن الطوفان لأن ما يحدث الآن في العالم محنة كونية بكل المقاييس ولن ينجو منها أحد‏..‏ وأولي درجات المواجهة هي الصدق مع النفس ومواجهة الحقيقة حتي لو كانت قاسية‏..‏ ولاشك أن هناك مجموعة حقائق ينبغي أن نسلم بها ونتعامل معها بكل الوضوح والشفافية‏..‏


*‏ أولي هذه الحقائق أن عددا كبيرا من المصريين باختلاف مواقعهم‏,‏ خاصة الأثرياء ورموز الطبقة الجديدة من رجال الأعمال‏,‏ قد خسروا أموالا كثيرة جدا‏..‏ وأن هذه الخسائر سوف تترك أثارا سلبية للغاية علي حياة المصريين في الفترة القادمة‏..‏ ورغم أن هؤلاء الخاسرين لم يكشفوا حتي الآن عن حجم خسارتهم فإن جميع المؤشرات تقول أننا أمام خسائر بلغت بلايين الجنيهات والدولارات في أسواق مصر وفي الأسواق الخارجية‏..‏ وأخشي أن يحاول هؤلاء تعويض خسائرهم من دماء الفقراء من أبناء هذا الشعب‏..‏



أعرف أن عددا كبيرا من رجال الأعمال المصريين كان يضارب في البورصات العالمية سواء في أسواق أوروبا أو الأسواق الأمريكية وقد خسر هؤلاء أموالا كثيرة جدا أمام انهيار أسعار الأسهم في كبريات الشركات العالمية ويكفي أن نقول إن مئات الأسهم المميزة جدا قد انهارت ووصلت إلي أرقام لم تحدث من قبل‏..‏ وماذا نقول عن أسهم شركات التأمين والبنوك الكبري وشركات التكنوجيا المتقدمة ؟‏..‏ ماذا نقول عن البنوك الكبري مثل بنك سيتي جروب الأمريكي الشهير؟‏..‏ فقد كان سعر السهم في العام الماضي يزيد علي‏50‏ دولارا‏..‏ في الأسابيع الأخيرة وصل سعر السهم إلي أقل من دولار وربع الدولار للسهم‏..‏



وهذا يعني أن الشخص الذي كان يملك‏1000‏ سهم وكان سعرها‏50‏ ألف دولار الآن أصبح سعرها‏1200‏ دولار وما بين‏50‏ ألف دولار هي السعر منذ عام و‏1200‏ دولار هي سعر اليوم يمكن لنا أن نقدر حجم خسائر رجال الأعمال المصريين الذين يضاربون في أسواق المال الخارجية‏..‏ بنك آخر هو بنك أوف أمريكا‏..‏ كان سعر السهم أكثر من‏60‏ دولارا وأصبح الآن ثلاثة دولارات‏..‏ شركات السيارات الكبري مثل فورد وجنرال موتورز وجنرال الكتريك ودويتش بنك ومرسيدس و‏B.M‏ تراجعت أسعار الأسهم فيها إلي أكثر من‏500%,‏ فقد وصل سعر السهم في فورد إلي‏1.5‏ دولار بعد أن كان أكثر من‏12‏ دولارا‏.‏


*‏ في نهاية الصيف الماضي كتبت في هذا المكان محذرا من إعلان اكتسح شاشات التليفزيون المصري بجميع قنواته يدعو المواطنين للاستثمار في البورصة المصرية والغريب أن الإعلان كان مجهول المصدر والهوية وهو يقول‏'‏ سهم في الإيد مكسب أكيد‏'‏ وبعد أسابيع قليلة بدأت موجة الانهيارات في البورصة المصرية‏..‏ وضاعت ثروات كثيرة في البورصة بدأت بمدخرات صغار المواطنين وانتهت بأصحاب الملايين ويكفي أن نقول أن البورصة قد هبطت من‏12‏ ألف نقطة إلي‏3500‏ نقطة أي بخساره تزيد علي‏75%..‏ أي إن المواطن الذي كان يستثمر‏100‏ ألف جنيه في البورصة أصبحت الآن‏25‏ ألفـا فقط‏..‏ ولنا أن نتصور حجم البلايين التي ضاعت في هذه الأزمة الرهيبة‏.‏


*‏ علي جانب آخر فإن سياسة المزادات التي ابتكرتها الحكومة لبيع أراضي الدولة للمواطنين والمضاربات التي شهدتها مناطق مثل الحي الخامس و‏6‏ أكتوبر والساحل الشمالي قد وصلت بأسعار الاراضي إلي أرقام غير معقولة‏,‏ يضاف لذلك ما حدث في أسواق الحديد والأسمنت وكان سببا في الارتفاع الجنوبي للأسعار‏..‏ وهذه الأسعار المبالغ فيها أربكت أسواق العقارات في مصر ولاشك أيضا أن هذا القطاع سوف يتأثر كثيرا بالأزمة المالية من حيث سعر الأراضي أو العقارات ومدي الإقبال عليها‏..‏ ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد لآن هناك مجموعة من الشركات العربية التي دخلت مجالات الاستثمار العقاري في مصر وأصبحت تواجه ظروفـا صعبة في بلادها من حيث التمويل والاستثمار‏,‏ هذه الشركات سوف تحاول حل مشاكلها في السوق العقارية المصرية حتي ولو أجلت بعض مشروعاتها أو قررت إلغاءها تماما‏..‏ وقد يتسبب ذلك في خسائر كبيرة للمواطنين المصريين الذين دفعوا مقدمات مالية كبيرة لشراء وحدات عقارية من هذه الشركات‏..‏ ويصعب الآن تنفيذ هذه الاستثمارات أو استرداد مقدماتها‏.‏


*‏ ما بين خسائر البورصات العالمية‏..‏ وخسائر البورصة المحلية وما حدث في أسواق العقارات سوف ينعكس ذلك علي سوق العمالة‏,‏ خاصة أننا نعلم أن الاستثمارات العقارية من أكثر المجالات التي تستوعب اليد العاملة في كل المجالات‏..‏ وهذا يعني أن كل انكماش في السوق العقارية سوف ينعكس علي حجم العمالة بصورة عامة‏..‏ وقد يترتب علي ذلك أيضا رجوع أفواج كثيرة من العمالة المصرية‏,‏ خاصة من دول الخليج‏,‏ وقد بدأت هذه المؤشرات بالفعل حيث تستغني الآن المؤسسات المختلفة في دول الخليج عن أعداد كبيرة من العاملين فيها وتشير بعض التقديرات إلي أن العام الحالي سوف يشهد عودة‏200‏ ألف مصري يعملون في دول الخليج‏..‏ ولهذا فإن الشيء المؤكد أن نسبة البطالة سوف تزداد في العام الحالي وربما لأعوام قادمة وأن المطلوب من الحكومة الآن أن تضع خططـا لمشروعات مستقبلية يمكن أن تستوعب أعدادا كبيرة من شبابنا العاطلين وهنا أتصور ضرورة العودة للاستثمار الزراعي واستصلاح الأراضي خاصة في سيناء التي يبدو أننا نسيناها تماما‏..‏


*‏ علي جانب آخر فإننا لا نستطيع أن نتجاهل انخفاض حركة مرور السفن في قناة السويس وقد انخفضت بالفعل بنسبة تزيد علي‏20%‏ خلال الشهور الأخيرة وهذا يعني انخفاضا في إيرادات القناة قد يزيد علي مليار دولار سنويا أي ما يقرب من‏6‏ مليارات جنيه وهذا رقم كبير أمام أعباء الأنفاق الحكومي والعجز في ميزانية الدولة‏..‏



يضاف لهذه الأزمات جميعها توقعات بهبوط دخل السياحة أمام ما يحدث في دول العالم من أزمات خانقة‏..‏ ومع الكوارث التي لحقت بالمواطن الأوروبي أو الأمريكي وانهيار أسواق المال والعقارات فإن ذلك سوف يترك أثرا كبيرا علي السياحة في مصر‏..‏ إن دولا كثيرة بدأت تتحدث عن مواسم قحط وتراجع في السياح ومنها إسبانيا وفرنسا واليونان‏.‏ ومع تراجع أسعار البترول والخسائر التي منيت بها أسواق المال العربية فإن السياحة العربية أيضا ستدخل مرحلة من الانكماش والتراجع‏..‏ ولاشك أن انخفاض أسعار البترول سوف يؤثر كثيرا علي عائدات الصادرات المصرية من البترول‏..‏



هذه جميعها احتمالات مطروحة أمام أزمة دولية حادة شملت دول العالم بلا استثناء ولكن ما يطمئن المصريين قليلا أن الجهاز المصرفي المصري لم يتعرض لهزات عنيفة تشبه ما حدث في الخارج ولاشك أن فاروق العقدة كان الطرف الأساسي في هذا الإنجاز رغم أنه عاني كثيرا أمام أموال كثيرة ضاعت مع المتعثرين و الهاربين وأصحاب السبيل‏..‏ ولولا خطة العقدة في الخروج بالبنوك المصرية من محنتها لكان هناك واقع آخر أكثر صعوبة وأشد بطشا‏..‏



إن أمام الحكومة الآن أكثر من طريق حتي تواجه هذه الأزمة‏..‏ وعليها أن تبدأ الآن‏.‏


*‏ يجب أن نتوقف تماما عن مشروعات التوسع في المنشآت الحكومية سواء كانت مباني تخص الوزارات أو المؤسسات أو مكاتب جديدة للوزراء والمسئولين‏.‏


*‏ أمام خسائر رجال الأعمال المصريين وهي كبيرة جدا في أسواق المال محليا وعالميا سوف تحاول الأغلبية منهم تعويض هذه الخسائر في مصر‏..‏ ولاشك أن مصر غير مسئولة عن خسائر وقعت خارج حدودها‏,‏ ويكفي أن بعض هؤلاء قد خالف ضميره وذهب بأموال كسبها في مصر أو اقترضها من بنوكها ليضارب بها في الأسواق الخارجية ويخسرها‏..‏ وسوف يحاول هؤلاء بكل الوسائل تعويض خسائرهم في قطعة أرض يحصل عليها بتاشيرة وزير أو قرض كبير من بنك بلا ضمانات‏..‏ أو صفقة مشبوهة لتوريد سلعة منتهية الصلاحية‏..‏ وهنا يجب أن تكون لنا وقفة حاسمة مع هؤلاء وإلا نكرر أخطاءنا ويكفي الذي ضاع‏.‏


*‏ نأتي إلي نقطة أخيرة هي ضرورة ضغط الأنفاق الحكومي بسفرياته واحتفالاته ومواكبه وسياراته وبدلات سفره وعطاياه‏..‏ لا يعقل أن تطلب الحكومة من الشعب أن يتحمل أعباء الأزمة بينما السادة الوزراء وتوابعهم ينفقون أموال الشعب دون رقابة أو حساب‏.‏


*‏ يجب أن تكون الحكومة هي القدوة في السلوك قبل أن تفرض علي الناس رسوما وضرائب جديدة وكان آخرها الرسوم القضائية‏..‏ ولا أعتقد أن الشعب المصري سوف يربط الحزام أكثر من هذا‏..‏ والمطلوب شيء من الرحمة والكثير من العدل في توزيع أعباء الأزمة‏.‏




ويبقي الشعر



ماذا تـبـقــي من ضياء الصبح

في عين الوطن؟

والشمس تـجمع ضوءها المكسور



والصبح الطريد

رفات قديس يفتش عن كفن

النيل بين خرائب الزمن اللقيط



يسير منكسرا علـي قدمين عاجزتين

ثم يطل في سأم ويسـأل عن سكن

يتسول الأحلام بين الناس



يسألهم وقد ضاقت به الأيام

من منا تغير‏..‏ ؟

وجه هذي الأرض‏..‏ أم وجه الزمن؟



في كل يوم يشطرون النهر

فـالعينـان هاربتان في فزع

وأنف النيل يسقط كالشـظايا



والفـم المسجون أطـلال

وصوت الريح يعصف بالبدن

قدمان خـائرتان‏..‏ بطـن جائع



ويد مكبـلة‏..‏ وسيف أخرس

باعوه يوما في المزاد بلا ثمن

النـيـل يرفع راية العصيان

في وجه الدمامة‏..‏ والتنطـع‏..‏ والعفـن



‏'‏ من قصيدة أغنية للوطن سنة‏1996'‏