Loading

الخميس، 11 فبراير، 2010

هوامش حرة : الفراغ السياسي يحاصر الشباب

هوامش حرة

الفراغ السياسي يحاصر الشباب

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة







في شبابنا انطلقت المظاهرات في جامعة القاهرة عام‏68‏ ضد النكسة‏,‏ وضد كل من شاركوا في ارتكاب هذه الجريمة‏..‏ واهتزت مصر يومها أمام شبابها الذي تمرد علي الهزيمة‏..‏ وكانت هذه المظاهرات أول ثورة من شباب مصر علي الثورة نفسها‏..‏ كانت هناك تجارب سياسية في الجامعات‏,‏ حاولت أن تستقطب الأجيال الجديدة وكان في مقدمتها منظمة الشباب والتنظيم الطليعي‏,‏ وكلها كانت محاولات تسعي لملء الفراغ السياسي عند الشباب وبرغم كل السلبيات التي حاول البعض رصدها في هذه المحاولات فإنها استطاعت أن تترك أثارا إيجابية لا ينكرها أحد‏..‏



ولا أدري لماذا دار في ذهني هذا السؤال وأنا أتابع نتائج الانتخابات الأمريكية وهذا الاكتساح الذي استطاع شاب صغير واعد أن يهز به أركان العالم‏,‏ هذا السؤال إلي متي سيغيب العمل السياسي في الجامعات المصرية؟‏..‏



إن من يتابع مسيرة هذا الشاب الأسود باراك حسين أوباما سوف يكتشف أنه تشكل سياسيا في مرحلتين‏..‏ كانت المرحلة الأولي أثناء دراسته في جامعة كولومبيا في نيويورك وهي واحدة من أكبر الجامعات الأمريكية وأعرقها‏..‏ كانت مرحلته الثانية في تكوينه السياسي عندما أكمل دراسته في القانون في جامعة هارفارد الجامعة الأشهر بين جامعات العالم‏..‏ وإذا بحثنا عن التجربة السياسية لهذا الزعيم الشاب الصاعد فسوف نكتشف أنه تشكل سياسيا داخل أسوار جامعته وعندما تخرج من الجامعتين كان مؤهلا لأن يمارس العمل السياسي من خلال حزب ينتمي إليه وأفكار وقناعات توصل إليها ثم تحولت هذه الأفكار إلي مواقف سياسية واجتماعية وإنسانية واضحة تجسدت في انضمامه لأوسع القطاعات في أمريكا وهم الفقراء‏..‏



أختار اوباما أن يترجم فكره في خط سياسي واضح وصريح لم يغيره حتي وجد نفسه يشق طريقه نحو البيت الأبيض‏..‏ بمقاييس الواقع الاجتماعي لاوباما كل شيء كان يقول إن هذا مستحيل وبمقاييس اللون والأصول كل شيء يؤكد أن مكان هذا الشاب هو أزقة السود في شيكاغو وعشوائيات الفقراء في نيويورك‏..‏ وبمقاييس الأحلام‏..‏ لا يوجد في الحلم حراس ولا سدود ولا موانع‏..‏ لأن الحلم حق للبشر كل البشر‏..‏



وبرغم كل ما يقال عن المعجزة في وصول أوباما إلا أن ما حدث يمثل سمة أساسية في مجتمعات تقدر التميز وتعترف بالكفاءة ولا تبخل بالنجاح علي من يستحقه‏..‏ وهذا النجاح كان شهادة للمجتمع الأمريكي قبل أن يكون إنجازا كبيرا لشاب واعد‏..‏



والسؤال الذي دار في ذهني‏..‏ هل يمكن أن يخرج من صفوف الشباب المصري في يوم من الأيام هذا النموذج السياسي الرفيع‏..‏ وكيف يمكن أن يتحقق ذلك‏..‏



في تقديري أن الأمر لا يدخل في نطاق المستحيل فقد تخرجت في جامعات مصر رموز سياسية وفكرية عظيمة منذ عشرات السنين ومن جامعات مصر من حصل علي جائزة نوبل مثل محفوظ وزويل ولكن علي المستوي السياسي والفكر السياسي لا يمكن أن ننتظر بزوغ نجم مثل أوباما في ظل هذا الحصار الفكري الرهيب الذي تحاصر به الدولة بكل أجهزتها الجامعات المصرية‏..‏



إن تحريم بل تجريم العمل السياسي في الجامعات المصرية خطأ تاريخي فادح بل هو عملية مقصودة لمنع ظهور أو ولادة عقول قادرة علي أن تقود هذا المجتمع وتبني مستقبله‏..‏ لا أتصور جامعة في أي مكان في الدنيا لا تفتح لطلابها أبواب الحوار والجدل بل والمشاكسة والتمرد أحيانـا‏..‏ وإذا لم يتعلم الشاب قيم الحوار والاختلاف في جامعته وبين زملائه وأساتذته فأين يتعلم ذلك هل يتعلم ذلك من فضائيات العري أم فضائيات التكفير هل يتعلم ذلك من أحزاب سياسية هزيلة اكتفت بمقر وجريدة أم يتعلم ذلك من حرق الأحزاب والتنكيل بالمعارضين‏..‏



إن محاصرة الأنشطة السياسية داخل الجامعات مؤامرة قديمة علي المستقبل‏..‏ لقد كنا دائما نتعامل مع طلاب جامعاتنا بأساليب مكشوفة وبالية‏..‏ مع منظمة الشباب كانت أساليب التلقين ورغم إيجابياتها إلا أن الببغاوات فيها كانوا أكثر من أهل الفكر‏..‏ ومع الانقسام السياسي في الشارع المصري انتقلت أمراضه بالوراثة إلي شباب الجامعات فهذا ناصري وهذا ساداتي وهذا أخواني وهذا علي كل لون‏..‏



لقد ورثت الأجيال الجديدة أسوأ ما كان في مكونات الأجيال السابقة طوال خمسين عاما كانت تقارير الأمن هي التي تحكم مسيرة الشاب طوال حياته فهي عقبة في تعيينة وهي سيف مصلت عليه في عمله وهي آخر ما يراه وهو يجد نفسه في زنزانة صغيرة‏..‏ كانت تقارير الأمن في الجامعات هي التي تحدد أسماء المتحدثين في الندوات ومواقع الخريجين والأوائل في التعيينات ثم إبعادهم في الوقت المناسب حدث هذا في عصور أهل الثقة وأهل الخبرة وحدث ذلك في معارك الناصريين مع الأخوان والشيوعيين مع المتدينين‏..‏ واستخدمت أجهزة الدولة كل أساليبها في إشعال الفتن والمعارك بين شباب الجامعات‏..‏



وكانت النتيجة هي منع العمل السياسي داخل الجامعات ومن هنا خرجت أجيال مشوهة لأنها مارست العمل السياسي في الخفاء تحت راية الأخوان المسلمين أو مارسته بسذاجة تحت شعار حورس أو شباب المستقبل أو سخرتها أجهزة الأمن لكتابة التقارير‏..‏ ولو أننا حاولنا النظر إلي نوعية الشباب المصري الذي يتخرج في الجامعات الآن فسوف نكتشف أننا أمام نماذج معوقة فكريا‏..‏ إن أقصي درجات النبوغ والتميز الفكري في شباب جامعاتنا الآن أن يترك الشاب لحيته أو أن يجلس طوال يومه أمام عجائب النت ابتداء بالصور والأغاني وانتهاء بأفلام الشذوذ‏..‏ في ظل هذا غاب الفكر السياسي‏..‏ واختفت لغة الحوار وامتلأ الشارع بأعمال البلطجة والتحرش الجنسي والجريمة بكل أنواعها وألوانها‏..‏ أن غياب النشاط السياسي داخل الجامعات ترك مساحات رهيبة من الفراغ في كل شيء‏..‏ نحن أمام فراغ ديني‏..‏ وفراغ فكري وفراغ سياسي‏..‏ واكتفينا بعمليات تفريخ لأجيال بلا فكر أو رؤي‏..‏



ولا يعقل أن نترك الجامعات تعاني كل هذا الفراغ ونترك شبابنا وهم مستقبل مصر وسط هذه العشوائيات التي تحاصرهم في كل شيء‏..‏ وهذا هو الفرق بين مجتمعات تصنع رموزا ومجتمعات تصنع المجرمين‏..‏ كان من الممكن أن ينضم أوباما إلي طوابير المهمشين من السود في حواري وأزقة شيكاغو وكان من الممكن أن يضيف رقما إلي أعداد المحبطين الحالمين في هذا العالم ولكن أوباما درس وتعلم وناضل ووجد مجتمعا قادرا علي استيعاب أحلامه فكان ما كان‏..‏ من هنا أطالب بعودة النشاط السياسي إلي جامعات مصر ربما ظهر في صفوف شبابنا المهمشين في يوم من الأيام أوباما المصري‏..‏


..‏ ويبقي الشعر

لا تسأليني الآن عن حلم جمـيل

أنا لا ألوم الصبح

إن ولـي‏..‏ وودع أرضنـا

فالصبح لا يرضي هوان العيش

في وطن ذليل



أنا لا ألوم النار إن هدأت

وصارت نخوة عرجاء

في جسد عليل

أنا لا ألـوم النهر

إن جفـت شواطئـه‏..‏

وأجدب زرعه‏..‏



وتكسرت كالضوء في عينيه

أعناق النخيل

مادامت الأشباح تسكر

من دماء النيل

لا تسأليني الآن‏..‏

عن زمن جميل