Loading

الخميس، 11 فبراير، 2010

هوامش حرة : شيء من الحكمة

هوامش حرة



شيء من الحكمة



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة







ما يحدث بين قوات الأمن وأهالي سيناء قضية خطيرة تمس كل عناصر الأمن القومي المصري ومن الخطأ أن نتعامل معها كظاهرة عابرة خاصة أنها تكررت أكثر من مرة وفي أكثر من مكان‏..‏ وإذا كان دور الامن أمرا مطلوبا في جوانب كثيرة من حياتنا فإن ذلك الدور يتطلب قدرا من الحكمة في التعامل مع القضايا ذات الحساسية الخاصة‏..‏ منذ سنوات دفعنا ثمنا غاليا في صعيد مصر عندما اشتعلت المواجهة بين الأمن والإرهاب وللأسف الشديد أن هذه المواجهة تحولت بعد ذلك إلي مواجهات ثأرية استغرقت وقتـا طويلا حتي خمدت نيرانها وللأسف الشديد أننا نكرر الآن ما حدث في صعيد مصر وبنفس الأخطاء‏..‏



لم يكن أهالي سيناء وحدهم الذين خرجوا ثائرين علي سوء أحوالهم ومعيشتهم‏..‏ لقد خرج سكان مدينة البرلس في العام الماضي بجرادلهم يطالبون بمياه نقية وقطعوا مع أطفالهم ونسائهم الطريق الدولي‏..‏ وفي الأسابيع الماضية خرج سكان الدويقة من تحت الأنقاض في مظاهرة صاخبة‏..‏ وقبل ذلك خرج موظفو الضرائب العقارية واعتصموا أسابيع طويلة بجانب مبني مجلس الوزراء في قلب القاهرة حتي استجابت الدولة لمطالبهم ولم يعاقبهم أحد‏..‏ أنا لا أبرر مثل هذه الأعمال ولكن حين لا يجد الإنسان الطعام والماء والمأوي يصبح من الصعب أن نحاسبه علي ردود أفعاله‏..‏



ولا أدري لماذا أصبحت سيناء وبدو سيناء هم الحائط المائل الذي ترفض الحكومة التفاهم معهم حول مشاكلهم ومطالبهم وهي مطالب عادلة‏..‏ ولماذا يكون الرد دائما بقوات الأمن بحيث نلقي عليها فشل وإهمال أجهزة مسئولة في مواقع كثيرة ؟‏..‏ ولماذا لا نرسل لهم وزيرا مسئولا أو أعضاء من مجلسي الشعب والشوري لبحث أحوالهم ؟‏..‏ ولماذا يكون الرد دائما ردا أمنيا بالعصا وأحيانـا بالرصاص في قضايا معيشية وحياتية ومطالب عادلة ؟‏..‏


*‏ إن سكان سيناء يطالبون الدولة ومنذ سنوات بتسجيل أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم وزرعوها بدمائهم‏,‏ لكن جهابذة البيروقراطية المصرية العريقة وسماسرة الأراضي في الحكومة يرفضون ذلك ويطلبون منهم الخروج من أراضيهم لإعادة بيعها لتجار الأراضي‏..‏ وفي أحسن الأحوال فهم يطلبون من الأهالي سداد قيمة هذه الأراضي بأسعار اليوم‏..‏ فأين المنطق والعدل في ذلك كله ؟‏..‏


*‏ أن معظم أهالي سيناء لا يحملون بطاقات شخصية أو عائلية فلم تكن لديهم مكاتب وسجلات للأحوال الشخصية لسنوات عديدة ولا يملكون عقودا لتمليك الأراضي التي زرعوها ولم تكن لديهم مكاتب للشهر العقاري‏,‏ لقد عزلناهم سنوات طويلة عن مصر الوطن والشعب والحكومة والآن نحاسبهم علي أشياء لا يتحملون مسئوليتها‏..‏ مازال سكان سيناء يحصلون علي تأشيرة دخول إلي الوادي حتي الآن رغم أن الإسرائيلين يدخلون كل سيناء بالبطاقات الشخصية‏..‏


*‏ ماذا نقول لسكان سيناء الذين نسميهم البدو عن الشواطيء الجميلة التي احتلها رجال الأعمال والمستثمرون وأصحاب رءوس الأموال دون أن يتركوا فيها شبرا واحدا لأصحاب الأرض الأصليين‏..‏ في شرم الشيخ تجد كل الجنسيات من كل دول العالم ولا مكان فيها لبدو سيناء لأنهم دائما يخضعون للاستجوابات والأسئلة إذا اقتربوا من هذه المناطق بحجة الأمن والإرهاب والمخدرات وعدم الثقة في كل الأحوال‏..‏


*‏ كلنا يعرف التركيبة الخاصة للعائلات والقبائل في سيناء وموقع المرأة فيها والعلاقات الاجتماعية ذات الحساسية الفريدة وهنا تظهر مشاكل بسبب اقتحام قوات الأمن للبيوت دون استئذان أو سؤال للقبض علي شخص أو محاسبة مشتبه فيه‏..‏ مثل هذه السلوكيات تترك مساحة كبيرة من سوء الفهم بين الأمن وسكان سيناء ولهذا ينبغي أن تعالج الأزمات والمشاكل في إطار من المصارحة والوعي واحترام خصوصيات الناس‏..‏


*‏ لماذا يحاول البعض دائما التشكيك في ولاء وانتماء أهالي سيناء لوطنهم إن البعض منا يحمل صكوكـا للوطنية يوزعها هنا وهناك ويحاول دائما وصم أهالي سيناء بأن انتماءهم محدود وهذا خطأ فادح فليس من حق أحد أن يدعي أنه أكثر وطنية من الآخرين فما بالك إذا كان هؤلاء الآخرون قد دافعوا عن هذا الوطن بدمائهم وتحملوا سنوات الاحتلال وكوارث الحروب سنوات طويلة إن التشكيك الدائم في ولاء أهالي سيناء للوطن سواء كان مقصودا أو عن جهل جريمة في حق الوطن نفسه‏..‏


*‏ حتي وقت قريب كان التحاق أبناء سيناء بالكليات العسكرية وكلية الشرطة وبعض المواقع الحساسة أمرا مستحيلا وربما تغيرت الأحوال أخيرا ولكن هذه التفرقة تترك إحساسا شديدا بالمرارة وغياب العدالة أمام مواطنين مصريين ينبغي أن تكون لهم نفس الحقوق‏..‏


*‏ أن أهمية سيناء ليست فقط أنها جزء عزيز من مصر ولكن سيناء تمثل خط الدفاع الأول للأمن القومي المصري وينبغي ألا توجد فيها مثل هذه الأزمات‏,‏ خاصة أن هناك طرفـا يمكن أن يلعب في الخفاء فمازالت إسرائيل تنظر لسيناء ومازالت لها أحلام فيها حتي وإن وقعنا معها مليون اتفاقية سلام‏..‏


*‏ ينبغي أن ندقق في اختيارنا للقيادات التي تعمل في سيناء وتكون علي درجة من الوعي السياسي والإنساني وأن تكون قادرة علي حل المشاكل دون مواجهات أمنية‏..‏ إننا نقدر دور الأمن ولكن يجب أن يكون استخدام الأمن هو آخر الحلول وليس أولها كما أن أجهزة الدولة تلقي علي الأمن مسئولية كل شيء فهل من مسئوليات الأمن تسجيل الأراضي وبيع البيوت وحل مشاكل التعليم والصحة والزراعة‏..‏



ما حدث في سيناء في الأيام الأخيرة يتطلب دراسة واعية لأحوال الناس فيها علي كل المستويات خاصة أن هناك أطراف كثيرة تحاول إشعال الفتنة بين الامن وبدو سيناء‏..‏ والأمن المصري ملك لكل المصريين‏..‏ وبدو سيناء جزء عزيز من شعب مصر ولهذا فإن الأزمات المتلاحقة التي تظهر من وقت لآخر تحتاج إلي حلول سياسية واقتصادية واجتماعية قبل أن تكون مواجهة بين المواطنين والشرطة‏..‏



وإذا كانت أجهزة الدولة بكل مؤسساتها قد فشلت حتي الآن في حل مشكلات أهالي سيناء فمازلت أعتقد أن ملف سيناء بالكامل يجب أن يعود إلي قواتنا المسلحة‏,‏ فهي الأقدر علي التعامل مع هذا الملف الذي يتطلب الكثير من الوعي والحكمة‏..‏




ويبقي الشعر



لكنه قدري بأن أحيا علي الأطـلال

أرسم في سواد الليل قنديلا‏..‏

وفجرا شاحبا



يتوكآن علي بقايا العمر والجسد الهزيل

إني أحبك‏..‏

كلما تاهت خيوط الضوء عن عيني



أري فيك الدليل

إني أحبك‏..‏

لا تكـوني ليلة عذراء



نامت في ضلـوعي‏..‏ ثم شردها الرحيل

إني أحبك‏..‏

لا تكـوني مثل كل النـاس عهدا زائفـا



أو نـجمة ضلــت‏..‏ وتـبحث عن سبيل

داويت أحزان القلوب

غرست في وجه الصحاري ألف بستان ظليل



والآن جئـتـك خائفـا

نفس الوجوه تعود مثل السوس

تنخر في عظـام النيل



نفـس الوجوه‏..‏ تـطل من خلف النـوافذ

تنعق الغربان‏..‏ يرتفـع العويل

نـفس الوجوه تـطل فوق الشاشـة السوداء



تنـشر سمها‏..‏

ودماؤنـا في نشوة الأفـراح

من فـمها تسيل



نفس الوجوه‏..‏ الآن تقتحم العيون‏..‏

كأنها الكابوس في حلم ثقيل

نـفـس الوجوه‏..‏ تعود كالجرذان تـجري خـلفنـا‏..‏

وأمامنـا الجلاد‏..‏ والليل الطويل


'‏ من قصيدة جاء السحاب‏..‏ بلا مطر سنة‏1997'‏