Loading

الأربعاء، 3 فبراير، 2010

ارتبــــاك

هوامش حرة

ارتبــــاك

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



في مصر الآن حالة من حالات الارتباك تقترب أحيانـا من الفوضي والظاهرة الغريبة هي غياب التنسيق بين مؤسسات الدولة بحيث يغلب الآن منطق الجزر والعشوائيات في رسم السياسة أو اتخاذ القرارات‏,‏ وفي تقديري إن هذه الحالة تحتاج إلي دراسة عميقة لمعرفة أسبابها وعلاج مظاهرها‏..‏

هناك قرارات تعلنها مؤسسات الدولة ثم تتراجع فيها‏..‏ وهناك سياسات يعلنها المسئولون ويحدث فيها تضارب واضح وصريح‏..‏ وفي كثير من الأحيان يشهد الشارع المصري أحداثــا ومناسبات لا رابط بينها ولا تنسيق رغم أنها تحمل ميزانية الدولة ملايين الجنيهات‏,‏ ولعل أخطر ما في هذه الصورة أن تشعر أنك أمام أكثر من مسئول واحد وأكثر من مؤسسة‏..‏ وأكثر من جهة لرسم السياسات‏,‏ والخطير في هذا الأمر أمام شيوع القرار هو العجز عن تحديد المسئولية ويترتب علي ذلك غياب المحاسبة‏..‏ وبالتالي تقع الأخطاء ويصبح من الصعب تحديد المسئولين عنها بصورة مباشرة‏..‏

*‏ في كثير من القرارات الهامة يتساءل الناس هل هي قرارات الحكومة أم قرارت الحزب أم مؤسسات أخري وعلي سبيل المثال فقد تضاربت الآراء والأفكار حول قضية إلغاء الدعم وتحويله إلي دعم نقدي‏,‏ وأعلن د‏.‏ أحمد نظيف رئيس الوزراء ذلك في حديثه أمام المؤتمر السنوي التاسع للحزب الوطني‏..‏ وكان المفهوم من ذلك أن ما أعلنه رئيس الحكومة هو سياسة حزب وبرنامج حكومة وسياسة دولة‏..‏ ولكن الآراء بعد ذلك تخبطت ما بين الحزب وحكومته رغم أن المفروض أن كلام رئيس الحكومة لا يأتي من فراغ لأنه المسئول الأول في السلطة التنفيذية وما حدث في قضية الدعم حدث في قضية إنشاء عاصمة جديدة ولم يعرف أحد ما دار حول هذه القضايا في كواليس الحكومة ومجلس الشوري ولجنة السياسات بالحزب الوطني‏..‏

*‏ في بعض الأحيان يبدو الحزب الوطني أقوي من الحكومة وتظهر في الأفق مؤشرات تؤكد ذلك‏,‏ بل إن الأخطر من ذلك أن يبدو أحد رجال الأعمال أقوي من الحزب والحكومة معا‏..‏ وقد ترتب علي ذلك جنوح بعض السادة الوزراء وكأنهم يعملون في جزر منفصلة لا رابط بينها ولا تنسيق‏..‏ وكثيرا ما تصدر قرارات من مسئولين كبار تتسم بالتعارض الكامل وهناك قرارات وزارية هامة وخطيرة لم تجد صداها لأنها تتعلق بأنشطة بعض رجال الأعمال ومنها ما حدث مع احتكارات الحديد والأسمنت وقرارات أصدرها المهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة وبقيت حبرا علي ورق لأنها تمس مصالح رجال الأعمال‏..‏

*‏ في شهر واحد شهدت مصر عدة أحداث ثقافية وإعلامية وفنية وهي عبارة عن مهرجانات متنوعة دون تنسيق بينها من حيث التوقيت والمدة والدول المشاركة‏..‏ وقد ترتب علي ذلك ارتباك شديد في الفنادق وارتباك أشد في حركة المرور‏,‏ والأخطر من ذلك أن كل مناسبة لم تأخذ حقها كما ينبغي إعلاميا وجماهيريا‏..‏

علي المستوي الرياضي جاءت احتفالية كأس أفريقيا بين النادي الأهلي والنجم الساحلي التونسي‏..‏ وبعدها بيومين أو ثلاثة جاءت الدورة الرياضية العربية وشارك فيها آلاف الرياضيين من الدول العربية الشقيقة وفي نفس الوقت كان مهرجان الأغنية العربية في دار الأوبرا والمحافظات وقبله بمدة قصيرة كان مهرجان المسرح التجريبي‏..‏ ثم جاء وفي وقت واحد أيضا مهرجان السينما ومهرجان الإعلام العربي‏,‏ وما بين هذا كله كانت احتفالية شوقي وحافظ بين القاهرة والاسكندرية‏..‏ كل هذه الأحداث تركزت في ثلاثة أسابيع أو شهر رغم أنها بقدر من التنسيق ينبغي أن تشغل ثلاثة أشهر كاملة بحيث تأخذ حقها من المشاركة والدعاية والاهتمام‏,‏ وقد قتلت هذه الأحداث بعضها البعض ما بين الرياضة والثقافة والفنون خاصة أن بينها مهرجانات جاءت علي درجة كبيرة من الاتفان مثل مهرجان الإعلام العربي ودورة الرياضة العربية ومهرجان الأغنية‏..‏ وللإنصاف فإنها جميعا كانت مهرجانات ناجحة ومؤثرة ودفعت بالعلاقات المصرية العربية خطوات للأمام وشهدت حضورا جماهيريا طاغيا ولكن غاب عنها التنسيق والتركيز واستغلال الفرص‏..‏ كان كل مهرجان منها كفيلا بأن يحرك الكثير من المياه الراكدة‏,‏ ولكن الغريب

أن يتم ذلك كله في أيام معدودة وتفقد الكثير من التأثير والنتائج‏..‏ رغم ما تحملته الدولة من أعباء مالية وإدارية لإقامة هذه المهرجانات‏..‏

‏*‏ رغم أن معركة نقابة الصحفيين حسمت وتم تشكيل مجلس جديد ضم كل ألوان الطيف السياسي والمهني برئاسة الأستاذ مكرم محمد أحمد ونخبة من الزملاء الأعزاء إلا أن المعارك بين حملة الأقلام تعكس حالة من الارتباك الشديد خاصة أنها تتسم بالتطاول في لغة الحوار لا تتناسب مع قدسية صاحبة الجلالة‏,‏ وقد بدأت هذه الحالة بهجوم كاسح من بعض الأقلام في الصحف القومية علي الصحف المستقلة ثم اتسعت دائرة المواجهة لتدخل الصحافة القومية في معركة لتصفية بعضها البعض‏..‏ والذي نعرفه منذ سنوات بعيدة أن حملة الأقلام الحقيقيين لا يضيعون وقتهم ووقت القاريء في تصفية حسابات أو جني غنائم أو تسلق هذا علي حساب ذاك‏..‏ إننا مع كل معركة تتناول قضايا المجتمع وهموم الناس‏,‏ ولكن المواقف الشخصية لا ينبغي أن تحكم العمل الصحفي لأننا لا نعمل في صحف ورثناها عن آبائنا وإنما نعمل في صحف هي ملك للناس ومن أجلهم‏..‏ يجب أن يترفع حملة الأقلام عن الدخول في مزايدات أو صفقات لحساب هذا أو ذاك‏,‏ خاصة أن سياسة الجزر في مؤسسات الدولة انعكست بشدة في الفترة الأخيرة علي مواقف وكتابات المسئولين في الصحف القومية وهذا مؤشر خطير لأن استقطاب كبار المسئولين ورجال الأعمال لأقلام الصحفيين وتسخيرها لمصالح أو لتصفية حسابات جناية كبري‏..‏ إذا كانت هناك حسابات متضاربة ومتعارضة في دوائر السلطة ورأس المال فيجب أن تبقي الصحافة بعيدة عن مرمي نيرانها ولا تصبح طرفـا فيها‏..‏ وإذا كانت الصحافة والمسئولون فيها يطالبون بالمزيد من الحرية فإن أبسط قواعد هذه الحرية أن نسمع الرأي الآخر حتي ولو كان فيه نقد للعمل الصحفي من حيث الأداء المهني والأخلاقي‏,‏ ولكن الغريب أن يري البعض أن هذا الرأي من حق الصحفيين فقط وليس من حق أحد حتي ولو كان د‏.‏أحمد نظيف رئيس الحكومة إن أبسط قوانين العمل الصحفي أن نتقبل الرأي الآخر حتي لو كان نقدا للمؤسسات الصحفية ودورها ومسئوليتها ولم يخطئ د‏.‏ نظيف عندما انتقد الصحافة القومية فهي ليست فوق الحساب وبعض العاملين فيها ليسوا فوق الشبهات وإذا كنا نعطي لأنفسنا الحق في أن ننقد الحكومة ومؤسسات الدولة فإن هذا النقد حق مشروع لهذه الأجهزة‏..‏ هذه كلها أشياء غير مفهومة وتعكس حالة من الارتباك الحكومي والصحفي وكلها مؤشرات تدعو للانزعاج الشديد وتتطلب قدرا كبيرا من الحسم والتنسيق والوضوح‏..‏فالحكومة ضاقت بالصحافة والصحافة ضاقت بالحكومة والشعب ضاق بالجميع‏..‏ وماذا بعد‏..‏




ويبقي الشعر

وكانت‏..‏ بيـنـنـا لـيـله

وكان الموج في صمت يبعثرنـا

علي الآفاق شـطآنـا



ووجه الليل‏..‏

فوق الغـيمة البيضاء يحملـنا

فنبني من تلال الضوء أكوانــا



وكانت فرحة الأيام

في عينيك تنثــرني

علي الطرقات ألحانـا



وفوق ضفافك الخضراء نام الدهر نشوانـا

وأقسم بعد طـول الصد

أن يطـوي صحائفنـا وينسانـا



وكان العمر أغنية

ولحنـا رائع النغمات أطربنـا وأشجانـا

جلـست أراقب اللـحظات في صمت تودعنـا



ويجري دمعها المصـلوب فوق العين ألوانـا

وكانت رعشة القنديل في حزن تـراقبـنـا

وتـخفي الدمع أحيانـا



وكانت بينـنـا لـيـلـه

من قصيدة وكانت بيننا ليله سنة‏1995'‏