Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : الإعلان والإعلام‏..‏ وتداخل الأدوار

هوامش حرة



الإعلان والإعلام‏..‏ وتداخل الأدوار



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏




اختلط الحابل بالنابل بين الإعلام والإعلان‏..‏ وأصبح من الصعب جدا أن تميز بين فقرة إعلانية مدفوعة الثمن في برنامج تراه علي شاشة التليفزيون وفقرة إعلامية واضحة المعالم حيث الهدف والرسالة والمصداقية وعلي صفحات الصحف وبين سطور أخبارها ومقالاتها أحيانـا تشم روائح كريهة وتسأل نفسك هل ما تراه إعلان أم خبر أم تحقيق أم وجهة نظر‏..‏ وما أكثر المساحات التي تداخلت علي الفضائيات بين المذيعين ومقدمي البرامج والضيوف وما يأتي من اتصالات عبر الهاتف‏..‏ يقف المشاهد الآن حائرا وهو لا يعرف حقيقة ما يري وما يسمع وما يقرأ‏..‏ أن أخطر ما في هذه الظاهرة غير الصحية أنها تحمل قدرا من التضليل وعدم الموضوعية التي تصل أحيانـا لتصبح كذبة كبري يدفع ثمنها القاريء والمشاهد‏..‏



بعيدا عن الكتب وما يدرسة الطلاب والباحثون في كليات الإعلام عن الفرق بين الإعلام والإعلان فإن القضية ليست في حاجة إلي تعريفات أكاديمية أو مصطلحات فنية‏..‏ فنحن أمام الإعلان أمام سلعة مدفوعة الثمن واضحة الهدف‏..‏ أما الإعلام فهو رسالة ودور ومسئولية‏..‏ الإعلان شيء يختلف تماما عن الإعلام‏,‏ ولهذا فإن للإعلان فرسانه وله أيضا أهميته ودوره كمصدر مالي وتسويقي خطير‏..‏ ولكن الإعلام منطقة أخري يجب أن تظل تحافظ علي مقومات وجودها من حيث المصداقية والأمانة المهنية‏..‏



في زمان مضي كانت المسافات واضحة بين الإعلان والإعلام‏,‏ وكانت الصحيفة تحدد بخيوط بارزة وأسلوب صريح الإعلان من الخبر من التحقيق من المقال‏..‏ وكان من الصعب جدا أن تقبل صحيفة من الصحف أن تقدم عملا إعلانيا في صورة تحرير صحفي أو أن يوقع محرر علي إعلان مدفوع أو أن تصدر صفحة إعلانية دون أن توضح الصحيفة ذلك بصورة أو أخري‏..‏



وكان هناك فصل كامل بين إدارات التحرير والإعلانات بحيث لا تجد محررا يتسلل إلي بيت الإعلانات أو أن يتخفي مندوب إعلانات في زي صحفي‏..‏



وكانت إدارات الصحف تضع قواعد باترة لذلك كله‏,‏ وكان من السهل أن تجد تحقيقــا مع أحد الصحفيين لأنه أستخدم قلمه كمندوب إعلانات فيما يكتب‏..‏



كانت مصادر الإعلانات واضحة ومعروفة وهي تتجسد في مؤسسات الدولة من الشركات الحكومية وهي ترتبط مع الصحف الكبري بمحلات إعلانية مدفوعة وميزانيات صريحة وواضحة‏..‏ وكان لكل وزارة مندوب صحفي‏..‏ ومندوب إعلانات ولم يحدث يوما أن تداخل دور هذا مع ذاك إلا في حالات نادرة مرفوضة‏..‏



وللأسف الشديد شهدت السنوات الأخيرة ومع صعود القطاع الخاص وكتيبة رجال الأعمال أن تداخلت هذه المناطق في بعضها البعض وأصبح المحرر هو مندوب الإعلانات وتنافست الصحف في الحصول علي الحملات الإعلانية حتي وأن ضحت بكل القواعد المهنية والأخلاقية التي تفرق بين الإعلان والإعلام‏..‏ وظهرت أجيال من الصحفيين خلطت بين الإعلان والإعلام بحيث أصبح الصحفي مندوب إعلانات ومحررا في الوقت نفسه‏..‏



ولأن الإعلان يوفر دخلا أكبر بصورة مذهلة أصبح سباق المحررين علي الإعلانات وليس علي العمل الصحفي المميز وشجعت المؤسسات الصحفية محرريها في هذا التوجه بل إنها استخدمت نفوذ هؤلاء المحررين لدي المسئولين ورجال الأعمال للحصول علي أكبر مساحة من الإعلانات‏..‏ وأصبح حلم المحرر الناشيء أن يكون مندوب إعلانات حتي وإن بقي صحفيا مجهولا واختلطت منظومة القيم في الوسط الصحفي‏,‏ لأن قواعد اللعبة الإعلانية تختلف تماما عن القواعد المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي‏..‏



وأمام هذا الواقع المريض فقدت الصحافة أجيالا واعدة من الشباب الذين اتجهوا في بداية رحلتهم للعمل الإعلاني الأكثر ربحا ومالا ونفوذا‏..‏ ووجد الصحفي الشاب نفسه أمام راتب ضئيل لا يتجاوز الالف جنيه شهريا‏,‏في حين يحصل زميله علي مائة ألف جنيه في صفقة إعلانية واحدة‏..‏



أصبح من الصعب علي الصحف أن تضع فوارق واضحة بين ما تنشره من مادة تحريرية ومادة إعلانية‏..‏ وظهرت صفحات إعلانية تصدر في صورة تحريرية تخفي حقيقتها وخلفياتها‏..‏



ما حدث في الصحافة حدث أيضا علي شاشات التليفزيون‏,‏ حيث البرامج الإعلانية التي تشتري مساحة زمنية علي الشاشة وتضع فيها مواد تليفزيونية وإن كان مصدر تمويلها هي الإعلانات‏..‏ كان السباق بين الفضائيات علي الإعلانات حربا واسعة النطاق وتدخل الإعلان في تحديد أهداف البرامج وما يقال فيها وما لا يقال أيضا وأصبح المعلن هو الذي يتحكم في قضايا كثيرة تطرحها الفضائيات أو لا تطرحها‏..‏ وقد انعكس ذلك علي دخول العاملين في هذه البرامج‏,‏ حيث يأتي الآن مقدم البرنامج بصفقة كاملة ويشتري وقتـا علي الشاشة ثم يقدم فيه ما يريد‏..‏ وعلي شاشات التلفزيون المصري الآن برامج كثيرة مباعة للمنتجين والمذيعين والمذيعات ولا دخل للتليفزيون بها أنها صفقة إعلانية كاملة الملامح وأن في ظهرت صورة برنامج كامل‏..‏



إن أخطر ما ترتب علي هذه البرامج أنها أصبحت طرفـا أساسيا في طرح قضايا خطيرة‏,‏وقد حدث ذلك بصورة واضحة في بعض القضايا المعروضة علي المحاكم وفي أسعار الأسهم في البورصة وفي المنافسة الضارية بين شركات المقاولات ومنتجات السلع الاستهلاكية وشركات الاتصالات‏..‏ ولنا أن نتصور البلايين التي تحارب الفضائيات من أجلها إذا كان المصريون يدفعون سنويا‏35‏ مليار جنيه في التليفونات فقط لو أن شركات الاتصالات تدفع‏10%‏ فقط في صورة إعلانات فنحن أمام‏3.5‏ مليار جنيه‏,‏ولهذا ترتفع درجة الحروب والمنافسة بين هذه الفضائيات للحصول علي أكبر نسبة من الإعلانات‏..‏



وقد كانت الإعلانات السبب الرئيسي في ظهور هذا الكم الهائل من الفضائيات سواء الدينية أو العارية أو التي تروج سلعا خاصة أن هذه الفضائيات تلجأ إلي وسيلة دخل رهيبة هي المكالمات التليفونية وسماع الأغاني والرنات بما في ذلك القنوات الدينية التي تتاجر بعقول البسطاء‏..‏



ولاشك أن المواطن هو الضحية في كل هذه الحالات‏..‏ هو الذي يدفع مكالمات التليفون‏..‏ وهو الذي يشتري السلعة وهو الذي تضحك عليه هذه البرامج وتضلل عقله ومشاعره‏,‏وقبل هذا هو الذي خسر في البورصة وخسر في تجارة الأراضي وخسر في شقة اشتراها في عملية نصب كبري‏,‏ إن السبب في ذلك كله هو الخلط الذي حدث بين دور الإعلام ودور الإعلان‏..‏ وبين مندوبة إعلانات اشترت مساحة علي إحدي الشاشات ومحرر اختار أن يقدم مادة إعلانية في صورة تحريرية ووجد جريدة تنشر له ذلك كله‏..‏



نحن الآن أمام ظاهرة خطيرة‏,‏ فحين يقع المواطن فريسة إعلان كاذب عن مشروع عقاري فإنه لا يجد من يعيد له حقه‏,‏لقد خسر المصريون مئات الملايين في شركات توظيف الأموال‏,‏ وكانت هناك خلطة مريبة بين الإعلان والإعلام‏,‏ وأخذ المعلنون أموالهم وضاعت أموال المودعين‏..‏



ومازالت هناك عمليات نصب كثيرة وقع فيها ملايين المواطنين أمام مشروعات وهمية وأخبار كاذبة وإنجازات لا أساس لها‏..‏ والأخطر من ذلك كله أن هذه البرامج التي تأخذ شكلا إعلاميا تخفي أهدافـا وأغراضـا أخري في تسويق أفكار وتوجهات مدروسة‏,‏وهذا في تقديري أخطر وأسوأ من كل الإعلانات المباشرة‏..‏ إن الوزير عندنا الآن لا يحتاج خبرا ولا تحقيقـا ولا مؤتمرا صحفيا مادامت الإعلانات المدفوعة تغطي كل أنشطة وزارته‏..‏



إن أزمة الإعلان والإعلام الآن أصبحت ظاهرة عالمية ولكن مع اتساع نطاق السماوات المفتوحة ومئات الفضائيات والصحف المستقلة وظهور رجال الأعمال كقوة سياسية واقتصادية واجتماعية مؤثرة أصبح من الضروري أن تكون هناك قواعد تحدد العلاقة بين الإعلان والإعلام علي أسس أخلاقية ومهنية‏..‏ أن هناك دولا تخصص الآن مئات الملايين من الدولارات لاستخدامها في صورة إعلام مدفوع الثمن بل إنها تقوم بتمويل مشروعات إعلامية وإعلانية كاملة لترويج الأفكار وتغيير هوية الشعوب‏..‏ علي جانب آخر فإن أي مسئول الآن يحاول تبرير تجاوزاته وقراراته يمكن أن يجد أمامه عشرات البرامج والصفحات مادام يدفع الثمن‏..‏



لقد أفسد هذا الزواج الباطل الدور الإعلامي‏,‏وأصبح من الضروري أن تكون لنا وقفة‏,‏لأن زواج الإعلام والإعلان له شروط أخلاقية ومهنية بحيث يحتفظ كل طرف باستقلاليته ودوره ومسئولياته‏..‏ إن الصحافة لا يمكن أن تستغي عن الإعلان‏..‏ والتليفزيون لابد له من موارد‏..‏ ولكن المطلوب أن تكون الفواصل واضحة وألا تتحول الصحف إلي أبواق إعلانية وأن يحافظ صاحب القلم علي نزاهة قلمه ومصداقيته‏..‏ ما أكثر المواطنين الذين خسروا أموالهم في البورصة وأسواق المال والعقارات والسلع المزيفة بسبب إعلانات كاذبة علي الفضائيات وبين سطور المقالات أحيانـا وفي إعلانات مضللة في كثير من الأحيان‏..‏



هذه القضية تحتاج إلي موقف حاسم من الإدارات المسئولة في الصحف والتليفزيون والفضائيات‏,‏ لأن الرسالة الإعلامية أمانة في صدقها ودورها ومسئوليتها وحين يخدم الإعلام الإعلان فإن الرسالة تضيع والمصداقية تسقط ويصبح الزواج الباطل بين الإعلام والإعلان جريمة كبري في حق الناس والمجتمع والأخلاق‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



تمهل قليلا‏..‏ فإنــك يوم

غدا في الزحام ترانا بقـايا

ونـسبح في الكون ذرات ضوء



وينثــرنا الأفق بعض الشـظـايا

نحلــق في الأرض روحا ونبضا

برغم الرحيل‏..‏ وقهر المنـايا



أنـام عبيرا علي راحتـيها

وتجري دماها شـذي في دمايا

وأنساب دفـئـا علـي وجنــتــيها



وتمضي خطـاها صدي في خطـايا

وأشرق كالصبح فـجرا عليها

وأحمل في الليـل بعض الحكـايا



وأملأ عيني منـها ضياء

فتبعث عمري‏..‏ وتـحيـي صبايا

هي البدء عنـدي لخـلـق الحياة



ومهما رحلـنا لها منتــهايا

تمهـل قليلا‏..‏ فإنك يوم

وخـذ بعض عمري وأبقــي لديك



ثــقـيل وداعك لكنـنـا

ومهما ابتـعدنـا فإنا إليك

سنغـدو سحابا يـطوف السماء



ويسـقــط دمعا علي وجنــتــيـك

ويمضي القطار بنـا والسـفـر

وننسي الحياة وننـسي البشـر



ويشطـرنـا البعد بين الدروب

وتعبث فينـا رياح القـدر

ونـبقـيك خلف حدود الزمان

ونـبكـيك يوما بكل العمر



من قصيدة تمهل قليلا فإنك يوم سنة‏1983‏