Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : أبناؤنا‏..‏ والجامعات الأجنبية

هوامش حرة



أبناؤنا‏..‏ والجامعات الأجنبية



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏







أنا واحد من جيل يقدر ثقافة الآخرين ويعترف بتعدد منابع الفكر وروافده‏..‏ ويؤمن إلي أبعد الحدود بأن التنوع سمة من سمات الحياة الأساسية ابتداء بفصول الطبيعة وانتهاء بإبداعات ومواهب البشر‏..‏ وفي تقديري أن التعليم هو اللبنة الأولي في بناء المجتمعات وتنمية قدراتها البشرية ومواردها الاقتصادية وأنه يسبق في الأولويات كل شيء‏..‏ ولأن التميز في المعرفة سيبقي دائما أهم مناطق الاختلاف والتفوق بين الشعوب‏..‏ أقول ذلك وأنا أتابع هذا المسلسل الذي شهدته مصر في سنوات قليلة في إنشاء عدد كبير من الجامعات الأجنبية‏,‏ حيث يوجد الآن عدد ضخم من الجامعات يبدأ بأقدم هذه الجامعات وهي الجامعة الأمريكية وينتهي بسلسلة أخري تشبه سلاسل المطاعم العالمية الشهيرة التي اقتحمت شوارع المدن الرئيسية في مصر‏..‏ لقد شهدت السنوات الأخيرة افتتاح الجامعة الالمانية‏..‏ والجامعة الفرنسية‏..‏ والجامعة الروسية‏..‏ والجامعة الكندية‏..‏ والجامعة البريطانية‏..‏ وجامعة سنجور وتحت الإنشاء جامعات أخري مثل الجامعة اليابانية‏..‏ هذا بخلاف الجامعات المصرية الخاصة التي تعمل تحت راية برامج دراسية أجنبية تماما في كل شيء‏..‏


..‏ ومن حيث المبدأ ليس لنا اعتراض علي إنشاء جامعات أجنبية في مصر في ظل رغبة في الانفتاح علي آفاق المعرفة لدي الآخرين ومن حيث الهدف لاشك أن التعليم الأجنبي يمكن في ظل خطة واعية أن يكون عامل بناء حقيقي لأجيال جديدة يمكن أن تشارك في بناء هذا الوطن من خلال قدرات متميزة ومواهب حقيقية ولا نستطيع أن نتجاهل دور التعليم الأجنبي في مصر في المدارس الفكرية بكل مؤثراتها ولدينا تيارات فرانكفونية وانجلوس كونية بل وأمريكية كان لها تأثيرها في عدد كبير من المثقفين المصريين الرواد‏....‏ ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذا الكم من الجامعات الأجنبية الخاصة‏:‏ هل تراقب الدولة ما يجري في هذه الجامعات ؟وأنا هنا لا أتحدث عن رقابة أمنية‏..‏ هل هناك لجان علمية تتابع مناهجها وما يدرسه أبناؤنا فيها؟‏..‏ وعلي أي أساس تحصل هذه الجامعات علي موافقات من وزارة التعليم العالي والمؤسسات العلمية؟‏..‏



وهل تعرض هذه الموافقات علي جهات علمية متخصصة؟‏..‏ والأهم من ذلك كله ماذا عن معادلة شهادات الخريجين من هذه الجامعات؟ أن المئات منهم لا يعملون في تخصصاتهم سواء في الطب أو الصيدلة أمام رفض النقابات المهنية انضمامهم إليها‏..‏ إن أخطر ما في قضية الجامعات الأجنبية هذا الكم الرهيب من الجامعات التي تم إنشاؤها في سنوات قليلة‏..‏ بعض هذه الجامعات توفرت لديه الإمكانات المالية فأقام المنشآت الضخمة والبعض الآخر اكتفي بمنشآت قديمة أقيمت منذ زمان بعيد‏..‏ ولا توجد ضوابط أو قواعد للمنشآت تلتزم بها هذه الجامعات من حيث المدرجات والمكتبات والمعامل ووسائل التعليم الحديثة‏..‏



الجانب الثاني هو المناهج الدراسية‏..‏ لا أعتقد أن أحدا في وزارة التعليم العالي ولجانها العلمية يعرف كل شيء عن المناهج التي يدرسها أبناؤنا في هذه الجامعات‏..‏ فلا مكان فيها للغة العربية علي الإطلاق لأن الدراسة تجري باللغة الأجنبية التي تحمل الجامعة اسمها‏..‏ وهنا لنا أن نتصور أجيالنا القادمة وهي لا تعرف شيئـا عن لغتها‏..‏ المشكلة الثانية في المناهج هي غياب مواد أساسية مثل التاريخ‏..‏ هذه الجامعات لا توجد فيها مناهج لتدريس التاريخ المصري والعربي والإسلامي بل إن الطلبة أيضا يدرسون تاريخ الدولة التي أنشأت الجامعة‏..‏ فالجامعة الفرنسية تقوم بتدريس تاريخ فرنسا‏..‏ والجامعة الروسية يدرس فيها الطلاب تاريخ روسيا‏



وهو ما يحدث في جامعات أخري مثل الجامعة البريطانية أو الألمانية‏..‏ والأغرب من ذلك كله أن أبناءنا في هذه الجامعات لا يدرسون شيئـا عن العقائد الدينية وأنا لا أتحدث هنا عن طقوس دينية في الصلاة أو الصيام ولكنني أتحدث عن رموز دينية كان لها دورها الحضاري والإنساني في تاريخ شعوبها‏..‏ وهنا يمكن أن نجد أبناءنا مثلا يدرسون تاريخ العسكرية مجسدا في مونتجمري أو ديجول أو وربما هتلر وديان وموسوليني وليس خالد بن الوليد أو أحمس‏..‏ أو قطز أو عمر المختار أو عبد المنعم رياض‏..‏ وهو ما يحدث أيضا في الرموز الأدبية والفكرية‏,‏ فلا أعتقد أن هذه الجامعات يهمها أن يعرف طلابنا شيئـا عن المتنبي أو المعري أو الأفغاني ومحمد عبده‏..‏ وطه حسين والعقاد ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وشوقي وحافظ ونزار قباني ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور‏..‏



إن كل جامعة من هذه الجامعات سوف تطرح علي أبنائنا رموزها ورغم أهمية وقيمة ودور هذه الرموز في التاريخ الإنساني فإن أبناءنا أحق برموزنا في كل مجالات الحياة‏,‏ سوف يدرس أبناؤنا تاريخ ماركس ودانتي وتشيكوف وشكسبير وملتون وبرناردشو ومايكل انجلوا وسلفادور دالي ونيتشه‏..‏ وجيته‏..‏ ولكن هذه الرموز العظيمة في الفكر والإبداع الإنساني لا ينبغي ان تحرم أبناءنا من دراسة رموز هذه الأمة وما أكثرها‏..‏



جانب آخر من هذه القضية أنني متخوف جدا من هذه الخلطة الاجتماعية التي ستفرزها هذه الجامعات‏..‏ إنها كوكتيل غريب ما بين الفرنسي والانجليزي والروسي والألماني والأمريكي والياباني‏,‏ وهذا الخليط البشري سوف يكون بعيدا تماما عن شيء أسمه الانتماء وقضية اسمها الجذور‏..‏ هذا الخليط سوف يكون بعيدا تماما عن جذوره ومكوناته وثوابته‏..‏ وقد ظهرت هذه الملامح واضحة في سلوكيات الأجيال الجديدة ولغتها وثقافتها وأسلوبها في الحياة‏,‏ خاصة أن هذه الجامعات لا تتردد في أن تدس في عقول أبنائنا أفكارا كثيرة ضد ثوابتنا الأخلاقية والفكرية والدينية والإنسانية‏..‏ نحن أمام ثقافات تختلف في الكثير من ملامحها بل إنها تحمل خلافات حادة فيما بينها‏..‏ فالفرنسي ليس كالانجليزي‏..‏ والألماني ليس كالروسي‏..‏ وهنا سوف نواجه مجتمعا جديدا بعد سنوات قليلة هو خليط من كل هذه الثقافات والأفكار ويومها سوف نبحث عن مصر الثوابت والتاريخ والمكونات ولا نجد من ذلك شيئـا‏..‏



سوف تختفي تماما قضايا الهوية والانتماء وسوف نجد أنفسنا أمام نماذج بشرية متعددة اللغات والطباع والأفكار والسلوكيات‏..‏ ولنا أن نتخيل خمسة من شبابنا ينضمون إلي قواتنا المسلحة درع الوطن ومصدر حمايته وكل واحد منهم يحمل ثقافة مختلفة تماما عن الآخر‏..‏ ما الذي سيجمع الانجليزي مع الروسي مع الألماني مع الفرنسي‏..‏ إنه الانتماء ولكن أين هذا الانتماء ؟‏..‏ أين المناهج التي شكلته وأين الثوابت التي حافظت علي جذوره‏..‏ وأين الولاء لهذه الأرض وهذا الشعب؟‏..‏ سوف نجد أنفسنا أمام مجتمع آخر إفتقد الوحدة والتجانس والشعور بالآخر‏..‏ إن أخطر ما في هذه القضية ان نجد أنفسنا ذات يوم أمام مواكب من الأشباح المشوهة فكرا وسلوكا وثقافة تخترق حياتنا وتخلق واقعا اجتماعيا وثقافيا يتعارض تماما مع كل ما غرسناه في أبنائنا من مشاعر الانتماء لهذا الوطن‏..‏



وهنا يطرح هذا السؤال نفسه‏:‏ وما هو الحل ؟ الحل عندي أن تتشكل لجان علمية من جميع التخصصات‏,‏ خاصة في العلوم الإنسانية لدراسة ما يتسرب في عقول أبنائنا من علوم ومعارف وأن نكون علي وعي بما يجري في هذه الجامعات‏..‏ أنا لا أريد التشكيك في النوايا وإن كان الشك في بعض الأحيان ضرورة ولكنني لا اريد أن أفترض سوء النوايا والاهداف وراء هذه المشروعات العلمية والثقافية‏..‏ علي جانب آخر يجب أن تكون هناك بعض المواد الملزمة لهذه الجامعات في التاريخ والعقائد والرموز الوطنية وقواعد الاخلاق وثوابت الولاء والانتماء‏..‏



وفي تقديري أن الدولة يجب أن توقف الآن فتح جامعات جديدة حتي نقيم هذه التجربة في سلبياتها وإيجابياتها وما لدينا منها يكفي الآن حتي نشاهد حصاد التجربة‏..‏ إن هذه الجامعات التي انتشرت في ربوع مصر يمكن أن تكون نافذة مضيئة في عقول أبنائنا ويمكن أيضا أن تكون أداة هدم وتخريب لأجيال قادمة‏..‏ بل إنها ستكون وسيلة مشروعة لخلق طبقات جديدة ولاؤها من بعيد لثقافات وثوابت تختلف تماما عن طبيعة هذه الأرض ومكوناتها وتاريخها العريق خاصة مع التوسع الكبير في إنشاء هذه الجامعات‏..‏



إن القضية تتطلب قدرا من الوعي والمتابعة‏,‏ خاصة أن قضية التعليم في مصر أصبحت واحدة من أخطر قضايانا لأنها الطريق الوحيد لبناء مستقبل عصري لأجيالنا القادمة‏..‏ ليس لنا اعتراض علي إنشاء الجامعات الأجنبية‏,‏ فهي إضافة حقيقية لمنظومة التعليم الجامعي في مصر ولكن بشرط أن يكون ذلك تحت إشراف كامل من الدولة وإلا تتحول إلي جزر ثقافية وكانتونات اجتماعية‏..‏ وأبواق مشروعة لا تعرف ولاء لوطن‏.‏ أو انتماء لتاريخ أو قدسية لحضارة‏..‏



لابد أن نعرف ما يدرسه أبناؤنا في الجامعات الأجنبية‏,‏ ليس من باب الرقابة ولكن من باب المسئولية‏.‏




..‏ ويبقي الشعر



اعتـدت دوما أن أراك

جـمـيلـة في كـل شيء في شموخك

في صهـيل الـكـبـرياء



في لـون شـعرك في عطـورك

في بريق عيونك السوداء يرقص في حياء

في ملـمس الجلـد الرقيق



وفي نقاء الضحكـة الـعذراء

في النـظـرة السكـري علي عينـيـك

في الـخجل الـبريء‏..‏ بساطة الأشياء



كـنـا نـغـني كـلــما امتـدت بنا الساعات

في صخب الشـوارع كان يشجينـا الـغنـاء

كنـا نري الطـرقـات أجنـحة



من الشـوق المسافر فوق أهداب المساء

كانـت حدائقـنـا بعرض الـكـون

كان الحلـم فينـا يملأ الدنـيـا



ويعصف بالــقـلـوب كـما يشـاء

كانت أنـاملـنـا تـعانق بعضها

نـنـسي زحام النـاس والطـرقات‏..‏ والأسماء



كـانـت عواصفـنـا إذا جنـحت

براكينـا تـحلــق في الـفـضاء

كانت أمانينـا إذا انـطلقت



نـجوما لا تـري سقـف السماء

والآن أسأل أين ما قـد كان

أين الضوء في عينيك



أين جداول النـهر الـجميل

وأين سحر الماء

جفـت منـابعنـا وفي الـعينـين



تخـبو كـالخريف حدائق غـنـاء

الآن أبحث عنــك في عيني‏..‏ وفي وجهـ

وبين النـاس والأشياء



يبدو بأن فـراشـتي الـبيضاء

أسكـرها لهيب النـار

فاحتـرقـت من الأضواء



قصيدة لعبة الأضواء سنة‏2003‏