Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

بين حاضر حي‏..‏ وماض مات

هوامش حرة

بين حاضر حي‏..‏ وماض مات

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




بعد حرب أكتوبر المجيدة أرسل الرئيس الراحل أنور السادات الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء‏,‏ في ذلك الوقت‏,‏ إلي دولة عربية شقيقة علي رأس وفد اقتصادي وسياسي كبير‏..‏ وكنت يومها مرافقـا لهذا الوفد واستقبلنا الأشقاء استقبالا حارا ومضي اليوم الأول من المفاوضات في الترحيب وكرم الضيافة وفي اليوم التالي كان الوفد المصري بكامل هيئته يجمع حقائبه ويتجه إلي المطار عائـدا إلي القاهرة‏..‏ وكان الجو قد تعكر في المفاوضات بسبب كلمة قالها وزير المالية في هذه الدولة‏,‏ حيث طالب بإشراف علي عمليات الأنفاق في الميزانية المصرية وخرج د‏.‏حجازي من الاجتماع غاضبا وتحدث مع الرئيس السادات الذي طلب عودة الوفد المصري في اليوم نفسه‏,‏وقد حدث‏..‏ وكنت شاهدا علي هذه الزيارة التي يتردد أنها كانت السبب الرئيسي في قرار الرئيس السادات بالذهاب إلي القدس وبدء عملية السلام مع إسرائيل‏..‏



تذكرت هذه القصة وأنا أتابع ما يجري من حوارات حول قضية قديمة وجديدة في الوقت نفسه وهي علاقة مصر بعالمها العربي‏..‏ هي تطرح سؤالا غريبا هل نعود إلي القومية المصرية ونتخلي عن هويتنا العربية وكأن هناك فرقا بين المصريين والعرب أو أن هناك ما يسمي القومية المصرية وهي تتعارض مع عروبة مصر؟‏..‏ وقد تابعت معظم ما كتب الأصدقاء والزملاء تعقيبا علي الصديق العزيز أسامة أنور عكاشة‏..‏



وبداية أنا لا أعتقد أن أسامة أنورعكاشة قد تبرأ من عروبته أو تنكر لتاريخ قديم لا يستطيع أحد منا أن يتخلص منه‏..‏ لقد أثار الأستاذ عكاشة من قبل ضجة أخري عندما هاجم في لقاء تليفزيوني عمر بن العاص‏..‏ رضي الله عنه‏..‏ ولا أعتقد أن هجومه كان علي بن العاص العربي القادم من الجزيرة العربية بل كان هجوما علي عمر بن العاص السياسي والحاكم والداهية‏..‏ وأنا هنا لا أبحث عن مبررات للصديق العزيز ولكنني أحاول أن أعود به إلي منطقة من الحوار ينبغي أن نحافظ ونحرص عليها‏..‏



إن قضايا الشعوب ومصائر الأوطان لا ينبغي أن تخضع للحظات انفعالية شاردة أو أحكام عاطفية متسرعة في حياة الإنسان وإذا كان هذا أمر جائز في العلاقات بين البشر فمن الخطأ أن يكون مبررا لقرارات ومواقف تتجاوز بكثير حدود اللحظة وحدود العلاقات البشرية المؤقتة‏..‏



عندما وقع الرئيس السادات اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل ذهب كاتبنا الكبير الراحل د‏.‏حسين فوزي في زيارة إلي إسرائيل وألقي محاضرة في جامعة حيفا قال فيها إن مصر ليست عربية وأن عليها أن تعود إلي جذورها الفرعونية ويومها كتبت مقالا في الأهرام انتقدت فيه كاتبنا الراحل وقلت إن الرئيس السادات لم يستفت الشعب المصري في أن يكون السلام مع إسرائيل بديلا لعروبتها‏..‏ وبعدها بأيام قليلة رد الرئيس السادات في إحدي خطبه وقال إن عروبة مصر قدر لا يستطيع أحد أن يخرجها منه وأن أم العرب‏'‏ هاجر‏'‏ كانت مصرية‏..‏



وأعود إلي القضية التي يتساءل فيها البعض عن عروبة مصر وهل هي فرعونية‏..‏ أم إسلامية أم قبطية أم عربية ؟‏..‏ وأقول إن مصر كل هؤلاء‏..‏ إن مصر الفرعونية جزء عزيز من تاريخ الحضارة الإنسانية وهذا التاريخ مازالت له شواهد وآثار ولكنه تاريخ ميت‏,‏ حيث لا يوجد شيء حي من كل شواهده التاريخية‏..‏ وأمام هذا يصبح من الصعب أن يطالبنا البعض بأن نعود إلي جذورنا الفرعونية لأن هذه الجذور لا وجود لها الآن إلا في المعابد والتماثيل والصور والتوابيت والقبور ورفات الموتي‏..‏ وهذا يعني أن قضية التواصل والتأثير والتأثر في هذا العمق الحضاري البعيد لا وجود لها الآن‏..‏ وإذا جئنا إلي مصر القبطية فمازال أشقاؤنا المسيحيون يحملون عبق هذا التاريخ وهذه العقيدة المقدسة وإن تراجعت اللغة والثقافة والتواصل‏..‏ وهنا يمكن إن نقول أن الجزء الوحيد الحي في حلقات التاريخ المصري هي الثقافة العربية‏..‏ وفي الوقت الذي أندثرت فيه اللغات الفرعونية القديمة وتهمشت فيه اللغة القبطية فإن اللغة العربية هي لغة المصريين جميعا باختلاف دياناتهم وأصولهم وجذورهم الحضارية‏..‏



ولأن لغة المصريين هي العربية فإن الثقافة العربية هي الثقافة الوحيدة التي مازالت تتمتع بالحياة أمام ثقافات ماتت‏..‏ وقد يتساءل البعض‏:‏ هل الثقافات تموت؟‏..‏ وأقول إن الثقافة مثل كل الكائنات الحية تنطبق عليها ظواهر الموت والحياة بل إن الحضارات تموت ويخرج من رحمها حضارات أخري أو لا يخرج شيء علي الإطلاق ولهذا فإن الثقافة العربية رغم كل ما تعانيه من مظاهر الضمور والتراجع مازالت ثقافة حية بمقاييس البقاء والتواصل والتأثير وهنا لا يستطيع أحد أن يدعي أن هناك ثقافة مصرية‏..‏ أو لغة مصرية أو جذورا مصرية لأن الشعب المصري من حيث الاصول من أكثر شعوب العالم تهجينا‏..‏ لقد عبرت هنا أجناس كثيرة من المماليك والأتراك والعرب والاكراد وترك هؤلاء خلفهم خليطـا من البشر‏..‏



ومن هنا لا يستطيع أحد أن ينزع من مصر عروبتها لأنه ينزع منها الحاضر كله والمستقبل وهي لا تستطيع أن تعيش علي ماض مات‏..‏ وهنا ينبغي ألا نخلط الثوابت بالمتغيرات‏,‏ ففي السياسة لا توجد ثوابت وفي مصائر الشعوب وأقدارها يجب أن نحافظ علي الثوابت‏..‏



إن مصر هي التي أقامت جامعة الدول العربية قبل أن يتحدث عبد الناصر عن القومية العربية‏..‏ وكان الأزهر الشريف جامعة عربية وليس فقط جامعة إسلامية قبل أن يعرف الشرق الجامعات‏..‏ وبعد ذلك كانت جامعة القاهرة عقلا مستنيرا أضاء كل ربوع العالم العربي‏..‏ وكان شوقي شاعر العرب‏,‏ كل العرب‏,‏ وعندما غنت أم كلثوم كانت تغني لكل العرب‏..‏ فإذا تخلصنا من جذورنا وهويتنا العربية فهل نخرج من توابيت قدماء المصريين أغنياتهم القديمة‏..‏ أم نبدأ في تدريس اللغة الهيروغلوفية القديمة لأبنائنا في المدارس أم نحاول استلهام روح حتشبسوت ورع وخوفو وأحمس وكل هذه الأساطير القديمة‏..‏ إن الثقافة المصرية شئنـا أم أبينا جزء من الثقافة العربية لغة وفكرا وتراثــا وحياة‏..‏ هذا إذا حاول البعض أن يستبعد من القضية كلها جوانب أخري مثل الجغرافيا وهذه الوحدة الجغرافية التي صنعها الخالق ولم يصنعها الخلق‏..‏ هل يمكن أن نفصل الأوطان عن بعضها أو أن نشطر الأنهار أو نغير ملامح الأرض ؟‏..‏ هل يستطيع أحد أن يغير أحداث تاريخ عبر ربط بين شعوب هذه المنطقة؟‏..‏ هل يستطيع أحد أن ينزع التداخل السكاني والبشري؟‏..‏ هل يستطيع أحد أن يسقط جذورا امتدت في أعماق البشر من الديانات السماوية وقد ظهرت جميعا في هذا الجزء من العالم ؟‏..‏



من هنا يصبح من الصعب جدا أن ننزع من مصر عروبتها لأننا بذلك نهدر الثوابت ونحمل كل ما فيها إلي زوابع السياسة التي تتغير حسب نشرة الأحوال الجوية‏..‏ إننا أمام قضية قديمة وجديدة في الوقت نفسه‏,‏ ولكن أخطر ما في طرحها الآن أننا نعرف الملابسات والظروف التي تحاول إفساد العلاقات بين مصر وعالمها العربي وهناك أطراف دولية وإقليمية تسعي إلي هذه الغاية وينبغي ألا ننساق نحن ونشارك في تحقيق أهداف ومصالح هذي القوي التي تسعي إلي تهميش دور مصر وإثارة الفتن سواء في الداخل أو الخارج‏..‏ ينبغي أن نكون علي وعي كامل بأن خروج مصر من العالم العربي كان بداية الكوارث‏..‏



إن الصديق العزيز أسامة أنور عكاشة يدرك‏,‏ مثلي‏,‏ أننا لسنا في حاجة إلي نعرات تفرق‏..‏ ولكننا أحوج ما نكون إلي كلمة توحد ويكفي ما عانيناه من أزمنة الشتات‏..‏



إن عروبة مصر لا تحكمها سياسات عابرة تتغير كل يوم أو أهواء ومصالح تمارس لعبة الأقنعة‏..‏ أو تصريحات وندوات ولقاءات تفرغ شحنة غضب أو انفعال‏..‏ ولكن مصر عربية بالثقافة والتاريخ والجغرافيا وكل ثوابت الحياة ولا يعقل أبدا أن نبيع الحاضر الحي من أجل ماض مات‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر





ماذا تـبقـي من بلاد الأنبياء ؟

أتـري رأيتم كيف بدلت الخيول صهيلها

في مهرجان العجز‏..‏



واختنقت بنوبات البكاء‏..‏

أتري رأيتـم

كيف تحترف الشعوب الموت

كيف تذوب عشقـا في الفنـاء



أطفالـنا في كل صبح

يرسمون علي جدار العمر

خيلا لا تجـيء



وطيف قنديل تناثر في الفضاء‏..‏

والنـجمة السوداء

ترتع فوق أشلاء الصليب



تغوص في دم المآذن

تسرق الضحكات من عين الصغـار الأبرياء

ماتت فلسطين الحزينة



فاجمعوا الأبناء حول رفاتها

وابكوا كما تبـكي النـساء

خلـعوا ثياب القـدس



ألقوا سرها المكـنـون في قلب العراء

قاموا عـليها كالقطيع‏..‏

ترنـح الجسد الهزيل



تلوثت بالدم أرض الجنـة العذراء‏..‏

كانت تحدق في الموائد والسكاري حولها

يتمايلون بنشوة ويقبــلون النجمة السوداء



نشروا علي الشـاشات نعيا داميا

وعلي الرفات تعانق الأبناء والأعداء



وتقبلـوا فيها العزاء‏..‏

وأمامها اختلفت وجوه النـاس

صاروا في ملامحهم سواء



ماتت بأيدي العابثين مدينة الشـهداء

‏'‏من قصيدة ماذا تبقي من بلاد الأنبياء سنه‏2000'‏