Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : ولا عـــزاء للصائمـــين

هوامش حرة



ولا عـــزاء للصائمـــين



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏



لا أحد يعرف عدد الفضائيات العربية الآن ولكن المؤكد أنها أكبر قوة هوائية ضاربة في شهر رمضان المبارك‏..‏ ولا أحد يعرف كم أنفق العرب علي موائد الإفطار من أموال‏..‏ ولكن المؤكد أن ما ألقي في صناديق القمامة من الأطعمة في بيوت الأغنياء كان يكفي لإطعام فقراء هذه الأمة بقية العام‏..‏ ولا أحد يعرف كم أنفق المصريون علي إنتاج مسلسلات هذا العام ويقال إن الرقم أكثر من‏500‏ مليون جنيه‏..‏ والمؤكد أن هذا الرقم كان يكفي لإلغاء عدد كبير من العشوائيات حول القاهرة‏..‏ وكان يكفي لاستيراد كميات كبيرة من اللقاح الذي ينتظر أن يعرض في الأسواق في نوفمبر القادم لمقاومة إنفلونزا الخنازير بدلا من أن نجلس علي كف الرحمن لأن ما عندنا من الجرعات لا يمثل عامل أمان كاف ونحن علي أبواب فصل الشتاء‏..‏



لابد أن أعترف أنني وقعت في حيرة شديدة وأنا أجلس أمام شاشات التليفزيون هذا العام‏..‏ قنوات أرضية‏..‏ ومئات الفضائيات‏..‏ وعشرات المسلسلات والبرامج‏..‏ ولكن أغرب ما حملته الشاشات هذا الصراع الرهيب بين صور عارية‏..‏ وصور أخري تحمل عذاب القبر وسوء الآخرة‏..‏ وبمعني آخر وجدت حربا بين الدنيا في المسلسلات والبرامج‏..‏ والآخرة في القنوات الدينية‏..‏ ولأننا في الشهر الكريم‏..‏ ولأنني عاشق قديم من عشاق هذا الشهر علي صوت الشيخ محمد رفعت وتواشيح النقشبندي وتلاوة مصطفي إسماعيل والحصري والشعشاعي وعبد العظيم زاهر ومحمد علي البنا لم أعد أجد ما يجعلني أجلس مستمتعـا أمام شاشات التليفزيون‏..‏


*‏ الوجه الأول علي الشاشات‏..‏ وجه الدنيا أكثر من مائة مسلسل تتزاحم وتتشابك أمام المشاهدين ولا يستطيع المشاهد أن يتوقف أمام مسلسل منها‏..‏ إنها وجبة كبيرة جدا ومتنوعة جدا ولكن ينقصها شيء واحد هو التخطيط السليم وأسلوب العرض والتوقيت وقبل هذا كله الهدف والغاية‏..‏



إذا كان الهدف من عرض هذا الكم من المسلسلات هدفـا ثقافيا فقد فشلت في تحقيق هذا الهدف لأنها نصوص تسطحت بدرجة لا تسمح لأي ضوء من الفكر أن يتسلل إلي مشاهدها أن هذا الكم الرهيب من المسلسلات أدي بالضرورة إلي قبول نصوص تافهة رغم كل ما أنفق عليها من أموال‏..‏



إذا كان الهدف هو الترفيه فإن زحام الأعمال وتداخل المشاهد والوجوه أفقد المشاهدين متعة المتابعة وبدلا من أن يشاهدوا كل الأعمال كما تصور المسئولون عن التليفزيون فإنهم لم يشاهدوا شيئـا علي الإطلاق‏..‏ وإذا كان الهدف هو تضييع الوقت فلاشك أن هذا الهدف قد تحقق‏..‏ وربما أراد المسئولون عن هذه المسلسلات أن يتوقف المواطنون عن صلاة التراويح وزحام المساجد مما يوفر فرصة كبيرة لإنفلونزا الخنازير‏..‏ ولهذا لم يشاهد المواطنون المسلسلات ولم يؤدوا صلاة التراويح‏..‏



إن ما عرضه التليفزيون المصري من المسلسلات هذا العام لا يكفيه‏24‏ ساعة وكان يحتاج إلي صك تقويم جديد للمصريين يجعل اليوم‏48‏ أو‏72‏ ساعة‏..‏ أن الشيء الوحيد الذي نجحت فيه هذه الخطة أنها أحرقت نجوم الدراما المصرية في ضربة واحدة وأجهضت جهود عام كامل خلال هذا الشهر الكريم‏..‏ ولا أدري هل هي بركة الشهر العظيم أم أنها بركة آل البيت رضوان الله عليهم الذين ألغت الحكومة الاحتفال بهم هذا العام لا أدري علي أي أساس قدم التليفزيون نجوم مصر بهذه الصورة العشوائية فقد خرجوا جميعا خاسرين ولم يبق في عقل المشاهد شيئـا يذكر مما حملته هذه المسلسلات من أفكار ورؤي لقد ضاعت في هذا الصخب مسلسلات جادة وتاهت برامج جيدة‏..‏ وكان السبب في ذلك كله هذا التكدس الذي جمع الصالح مع الطالح‏..‏



لم يكتف التليفزيون بحرق نجوم الدراما المصرية ولكنه أحرق معهم جيلا كاملا من المذيعين المخضرمين ودفع بفرق جديدة لا أدري من أين جاء بها‏..‏ ووجدنا تاريخ القلعة العريقة متناثرا في حواري وأزقة ماسبيرو‏..‏ لقد شطب التليفزيون مرة واحدة كل الأسماء التي أضاءت شاشاته سنوات طويلة ووجدنا أنفسنا أمام فريق من الهواة يشبه كرة القدم حيث لا فن ولا خبرة ولا هندسة كما يقولون‏..‏ برامج غريبة ومسابقات بلا هدف أو مضمون أو فكر‏..‏ وألوان من المذيعين والمذيعات من كل اللغات إلا اللغة العربية‏..‏



ونشرات أخبار تذكرنا ببرامج الأطفال في أول عهدنا بالتليفزيون وحرص التليفزيون علي أن يفتح كل أبوابه بما في ذلك استيراد مذيعين من الخارج أسوة بمدربي كرة القدم والاستعانة بعدد كبير من الفنانين والفنانات والصحفيين ولاعبي كرة القدم ولا أدري من أين دفع التليفزيون نفقات هؤلاء بالين أم الليرة والدولار ومن أين جاء بكل هذه الأموال والدولة تشكو سوء الأحوال الاقتصادية والأزمة المالية وارتفاع الأسعار كما أن ديون التليفزيون تقترب الآن من‏10‏ مليارات جنيه فلماذا كل هذا الإسراف وكل هذا البذخ‏..‏



افتقدت طوال الأيام الماضية وجوه التليفزيون المصري الحقيقي ولا أدري لماذا فرط التليفزيون في أبنائه بهذه القسوة ولماذا تعامل معهم بكل هذا الجحود ليقدم وجوها عارية ممسوخة وسطحية‏..‏ هل هذا هو رد الجميل لأجيال قدمت عمرها وشبابها‏..‏ هل هذا هو الوجه الثقافي والحضاري والانساني للتلفزيون المصري العريق‏..‏ إن مذبحة أبناء التليفزيون المصري هذا العام لا تقل ضراوة عن مذبحة القضاة في الستينيات من القرن الماضي‏..‏ كيف فرط التليفزيون في أبناءه ليفتح الأبواب لحوارات فجة وفضائح لا تليق‏..‏



في هذه الأيام المباركة في رمضان خسر التليفزيون أبناءه‏..‏ وخسر نجوم الدراما المصرية‏..‏ وخسر قبل ذلك كله جمهورا عريضا لم يقتنع بكل هذه اللعب الفسفورية وهذه المهرجانات الصاخبة حيث لا فكر ولا ثقافة ولا فن جميل‏..‏



إذا كان الهدف من ذلك كله مواجهة المد الديني فلن يكون العري أبدا سلاحا ضد التعصب‏..‏ ولكن الفكر يحتاج إلي فكر والدين المتطرف يحتاج إلي دين وسطي والفضائيات تحتاج إلي دعاة حقيقيين‏..‏



والغريب في الأمر كل هذه الفضائح التي حملتها مجموعة كبيرة من البرامج وكأننا لم نكتف بخسارتنا في نجوم المسلسلات ولكن الخسارة شملت نجوم السينما المصرية في عصرها الذهبي وأساءت لفنانين وفنانات كبار يعيشون بعيدا عن الأضواء في خريف العمر ولكننا لم نتركهم في حالهم وجعلنا حكاياتهم حديث الناس فهذه تزوجت وهذه طلقت وهذه باعت نفسها للشيطان ما جدوي كل هذا العبث‏..‏ ولماذا كل هذه التفاهات والروائح الكريهة والأسئلة الساذجة‏..‏ ولماذا هذا العدوان الهمجي علي ذكريات وتاريخ فنانين أضاءوا حياتنا واسعدوا قلوبنا يوما من الأيام‏..‏ كنا نلوم الشاشات العربية التي تقدم هذه الفضائح عن الفنانين المصريين ولكننا قررنا وفي رمضان أن نصنع فضائحنا بأيدينا‏..‏


*‏ علي الجانب الآخر كان حديث الآخرة‏..‏ وللأسف الشديد أن حديث الآخرة تحول إلي صور في الشوارع لشباب الدعاة وهم ينافسون في ملامحهم ووقفاتهم وحركاتهم نجوم السينما والمسلسلات‏..‏ الصور تتزاحم علي الطرق السريعة وصفحات الجرائد وجدران البيوت والعمارات‏..‏ عشرات الدعاة يتسابقون إلي الإعلانات وكأننا أمام مباراة بين الأهلي والزمالك ولسنا في شهر مبارك كريم‏..‏ كان شيئـا يدعو للحزن والدهشة‏..‏ أن مكان الدعاة هو بيوت الله وليس أعمدة النور واللوحات الفسفورية‏..‏ وملامح الدعاة لها إشعاع خاص يتسلل إلي قلوب الناس ويشع في عيونهم رهبة وإجلالا‏..‏ إنهم يعرفون طريقهم إلي الناس بالإيمان واليقين والهداية وليس بزحام الصور علي الشاشات والحركات البهلوانية‏..‏ إن هذه المنافسة بين نجوم الدنيا ونجوم الآخرة تركت أثرا سيئـا بين الناس‏..‏ فلا هم شاهدوا نجوم المسلسلات ولا هم اقتنعوا بصور ولافتات الذين يتحدثون باسم الدين والآخرة وعذاب القبور‏..‏



أن صورة الدعاة في عقولنا وضمائرنا ارتبطت دائما بالتواضع والزهد والبساطة وليس الاقتداء بنجوم السينما والمسلسلات ولاعبي كرة القدم‏..‏



والأخطر من ذلك كله أخطاء في اللغة العربية وفي الأحاديث النبوية بل والآيات القرآنية‏..‏ وخلف ذلك كله اختفي علماؤنا الأجلاء حيث تعرض أحاديثهم في أوقات غريبة بحيث لا يشاهدهم أحد‏..‏ حدث ذلك مع أحاديث فضيلة الإمام الأكبر الشيخ طنطاوي وفضيلة المفتي د‏.‏علي جمعة وقبل هذا كله تاهت وسط هذا الصخب أحاديث الإمام الراحل الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه‏.‏



كانت الخسارة في كل الحالات خسارة الدنيا والآخرة‏..‏ فلا المشاهد استمتع بمسلسل راق جميل أسعده في دنياه ولا هو سمع حديثا دينيا ممتعا قربه إلي الله‏..‏ لقد ضاع الهدف وانحرفت الغاية‏..‏ أراد التليفزيون أن يشغل الناس عن صيامهم بالمسلسلات فلم ينجح‏..‏ وأراد الدعاة أن يشغلوا الناس بالشهر الكريم فضاعت رسالتهم أمام الاف الصور والحملات الإعلانية التي تناثرت في كل مكان وأفسدت الإعلانات الصورة بكل جوانبها دينا ودنيا‏..‏ ولم يجد المشاهد دقائق قليلة يمتعه فيها فن جميل‏..‏ أو حديث مضيء مع الله‏..‏ أين أحاديث علماؤنا الأجلاء د‏.‏القرضاوي ود‏.‏ أحمد الطيب ود‏.‏محمد سليم العوا والشيخ خالد الجندي والشيخ قطب والشيخ عاشور وهذه الكوكبة من العلماء‏..‏



لقد أفسدت الإعلانات وحملاتها المجنونة مسلسلات رمضان وشوهت أحاديث الدعاة فهل كان من العدل أن تترك مصر نجومها الكبار وعلماءها الأجلاء وشعبها الغلبان فريسة لشركات الإعلانات وتجار السلع وقطع الغيار حيث الاتجار بالدين والاتجار بالفن والاتجار بسمعة الناس‏..‏



كانت المنافسة بين عشرات المسلسلات هي أول مراحل السقوط وكانت المنافسة بين نجوم الفن ونجوم الدعوة معركة خسرنا فيها الاثنين معا‏..‏ فلا الفن حافظ علي رسالته‏..‏ ولا الدعاة حافظوا علي وقارهم وكان الضحية في كل الحالات شهر رمضان المبارك ولا عزاء للصائمين‏..‏





..‏ ويبقي الشعر



ودعت يوما

كـل من أحببت قـبـلك

أبغـض الأشياء في الدنـيا الوداع



نـجم يحلـق في السماء فلا يري

في الأفـق شيئـا

غير أشباح الضياع



نـهر يسـير علي التـلال

يشق آلاف الدروب

يصـير كـالحلـم المشاع



والآن لا أدري لماذا

ضقـت ذرعا بالوداع

هل آخر المشوار



جرح‏..‏ أو حنين‏..‏ أو خداع

أم أن في قـلـبي يقينـا

أن شـاطيء رحـلـتي‏..‏



سيكـون بين يديك‏..‏

إن غرق الشراع

‏'‏ قصيدة وداع سنه‏2003'‏