Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : ومازالت الحقيقــة‏..‏ غـــــائبة

هوامش حرة



ومازالت الحقيقــة‏..‏ غـــــائبة



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏







أحمل تقديرا خاصا ومودة عميقة للدكتور إبراهيم بدران قبل أن أعرفه فلما عرفته أزدت له حبا وتقديرا‏..‏ والرجل أكبر من كل التعريفات والمناصب‏,‏ هو عالم جليل من جيل عميق الانتماء أدي دوره ومازال بكل الصدق والولاء‏..‏ كانت مفاجأة لي أن د‏.‏إبراهيم بدران كان واحدا من الفريق الذي وضع برنامج جامعة النيل التي ثار حولها جدل في الأيام الأخيرة‏,‏ولأنني أثق كثيرا في الرجل وفي مواقفه وتاريخه وعلمه جلست معه وقتـا طويلا وتركته يتحدث عن هذا المشروع وكيف بدأ وإلي أين وصل حتي وأن كان د‏.‏بدران قد ترك مسئولية العمل فيه منذ سنوات‏..‏



من خلال طرح واضح وعميق حدد د‏.‏بدران أهداف هذه الجامعة الوليدة وهي تتلخص في مجموعة نقاط أهمها أنها جامعة بحثية تهتم بمستقبل التكنولوجيا في مصر‏,‏ وهي لغة العصر وتشمل أبحاثها مجالات التنمية الاقتصادية مع التركيز علي مقوماتها ومشكلاتها وآثارها‏..‏ ومستقبل التكنولوجيا الذي لا غني عنه في مجتمعنا المعاصر‏,‏ وضرورة تأهيل الكوادر البشرية طبقـا لاحتياجات المجتمع وإعداد كوادر هيئات التدريس للجامعات المصرية وتأهيلها علميا‏,‏ وإعداد قيادات الدولة إداريا ومهنيا‏..‏ ودراسة مشاكل المرافق الرئيسية وتوفير مصادر المعلومات‏..‏ وبعد ذلك كله الاشتراك في صنع القرار في مؤسسات الدولة من أجل مواجهة التحديات والمسكلات‏..‏



هناك جوانب تطبيقية تحدث فيها د‏.‏ إبراهيم بدران تؤكد أن مشروع إنشاء الجامعة‏,‏ من حيث الهدف والرسالة والضرورة‏,‏ كان شيئـا ملحا خاصة بعد أن تراجعت الدولة عن مشروع جامعة أحمد زويل لأسباب كثيرة ليس هذا وقت الحديث عنها‏..‏



كان دور د‏.‏إبراهيم بدران في بداية المشروع هو وضع الإطار الفكري والعلمي للجامعة مع نخبة من العلماء‏,‏ أما النواحي التنفيذية فقد تركها الرجل لمن يقوم بها‏,‏ خاصة أنه علي حد قوله لا يستطيع التعامل في مجالات الإنشاء والمباني والمقاولات‏..‏ وكان آخر عهده بإدارة مجلس أمناء الجامعة في عام‏2006‏ بعد أن ظل رئيسا لمجلس الأمناء ثلاث سنوات كاملة‏..‏ ولا أنكر أن طرح د‏.‏بدران للفكرة وحديثه عنها بهذا الحماس وهو في هذه السن‏-‏ أطال الله عمره‏-‏ كان مقنعـا وواضحا وصريحا‏..‏ ولكن هذا الوجه الجاد والمقنع في قضية الجامعة من حيث الهدف والفكرة والدور كان يقابله وفي نفس اللحظة وبنفس الدرجة وجه آخر يطرح تساؤلات كثيرة مازالت وستبقي محل جدل ونقاش ربما لفترة طويلة قادمة حتي تتكشف كل الحقائق حول المشروع‏..‏



أولا‏:‏ إن جملة التبرعات التي قدمها أعضاء الجمعية الأهلية وهي المؤسسة المصرية لتطوير التعليم التكنولوجي وعددهم‏55‏ عضوا لم تتجاوز‏65‏ مليون جنيه‏,‏ ولا أعتقد أن هذا الرقم يمكن أن يكون أساسا لمشروع بهذه الضخامة‏,‏ وهو إنشاء جامعة بهذا الحجم‏,‏ خاصة أن التقديرات المبدئية لجامعة زويل التي كانت الدولة تتبناها في فترة سابقة كان مليار دولار أي ما يزيد علي‏5‏ مليارات جنيه ويومها طلب المسئولون في مصر أن يتولي د‏.‏ زويل جمع التبرعات لمشروعه‏..‏



والسؤال هنا كيف بدأت الدولة هذا المشروع الضخم برأسمال‏65‏ مليون جنيه هي إجمالي تبرعات الجمعية الأهلية وهل مثل هذا المبلغ يكفي؟‏!..‏



ثانيـا‏:‏ كيف تقدم الحكومة أرضا للجامعة مساحتها‏127‏ فدانـا قيمتها‏1.5‏ مليار جنيه أمام تبرعات قيمتها‏65‏ مليون جنيه‏,‏ أليس هذا شيئـا غريبا أن جملة تبرعات الجمعية الأهلية لا يمكن أن تكون أساسا لإنشاء المشروع ؟وهذا يعني أن ما أقيم من منشآت بمئات الملايين تحملته الحكومة ممثلة في وزارة الاتصالات‏..‏ وهنا يبقي السؤال كم دفعت الوزارة وفي أي بند من البنود دخلت هذه المبالغ؟‏!..‏ وإذا كانت الحكومة هي التي تحملت هذه النفقات فلماذا لم تدخل الجامعة من البداية في إطار سياسة الدولة بعيدا عن الجمعية الأهلية والمبلغ الهزيل الذي دفعته‏..‏



ثالثـا‏:‏ هناك مصادر تمويل خارجية كثيرة قدمت مبالغ طائلة لهذه الجامعة‏,‏ والأمانة تقتضي أن تكشف عنها الجامعة سواء كانت في صورة معدات عينية أو مبالغ نقدية‏,‏ خاصة أن الدولة المصرية تضع قواعد كثيرة لتلقي المعونات والهبات الخارجية للأنشطة الأهلية‏,‏ فهل تلقت هذه الجامعة هذه المعونات بصفتها الحكومية أم بصفتها الأهلية وكيف نفسر هذا التعارض الشديد بين معونات مقدمه للدولة المصرية ومعونات مقدمه لجمعية أهلية لم توضح الجامعة حتي الآن حجم المعونات الخارجية التي تلقتها؟‏!..‏ وفي تقديري أن هذا أمر خطير‏..‏



رابعا‏:‏ لماذا جري كل ذلك في السر‏..‏ أنا هنا لا أشكك‏,‏ ولكنني أتهم الحكومة بالتقصير الإعلامي والفشل في الحديث عن مشروع تعليمي بهذه الضخامة وكل هذه الأهداف‏..‏ لقد كان المشروع يجري تنفيذه بعيدا عن العيون وكأنه ثكنة عسكرية أو محطة نووية‏..‏ فلماذا هذا الأسلوب في التعامل مع الشعب؟‏!..‏ كان ينبغي أن تكون جميع مراحل إنشاء الجامعة أمام الناس وعلي شاشات التليفزيون وفي الصحف بما في ذلك المعونات والمساهمات الخارجية ومصادر الدعم بكل صورها وقيمة المنشآت التي تحملتها وزارة الاتصالات في المنشآت والأجهزة والمعدات‏..‏ إن أخفاء تفاصيل هذا المشروع خطأ فادح‏..‏ إذا كان مقصودا فهو سوء نية‏..‏ وإذا كان تقصيرا فهو سوء تقدير‏..‏ وفي كل الحالات فإن أحاديث الظلام تترك مساحات كثيرة للقيل والقال‏..‏



خامسا‏:‏ لابد أن توضح وزارة الاتصالات الأموال التي أنفقتها حتي الآن علي هذه الجامعة وهل تم ذلك بعيدا عن ميزانية الدولة ورقابة وزارة المالية؟‏..‏ وهل من حق وزارة من الوزارات أن تتصرف في أموال الشعب دون رقابة‏..‏ وهل يعرف وزير المالية د‏.‏ يوسف بطرس غالي شيئـا عن هذه النفقات؟ وهل هذه الأرقام موجودة في أي جهة من الجهات بما فيها الجهاز المركزي للمحاسبات؟‏..‏ وهل أدرجت في ميزانية الدولة التي قدمتها لمجلس الشعب خاصة أننا نتحدث عن مئات الملايين من الجنيهات وليس عن مليون أو نصف مليون جنيه‏..‏ وهل يعلم مجلس الشعب ولجنة الخطة والموازنة واللجنة الاقتصادية شيئـا عن هذه النفقات؟‏..‏ أننا نعلم أن موارد وزارة الاتصالات كبيرة جدا ولكن هي في النهاية أموال الشعب حتي وأن جاءت من‏35‏ مليار جنيه يدفعها المصريون في أحاديث المحمول كل عام‏..‏



سادسا‏:‏ إن حساسية القضية تأتي من أن د‏.‏ أحمد نظيف رئيس الحكومة هو صاحب فكرة هذا المشروع وكان ينبغي أن يكون هذا المشروع وساما علي صدره وصدر حكومته وليس محل شك أو إدانة‏,‏ ولكن صمت الحكومة في البداية وصمتها في النهاية أفقد المشروع الكثير من جوانب الضوء فيه‏,‏ بل إنه تحول إلي نقطة مظلمة تخفي وراءها معلومات وبيانات كثيرة من حق الشعب أن يعرفها‏..‏



نحن نتحدث عن جامعة للمعلومات والبيانات والحقائق‏..‏ ونتحدث عن حكومة تكنولوجية تمثل البيانات أهم مفرداتها وإنجازاتها‏,‏ وحين تعجز مثل هذه الحكومة عن تقديم البيانات الخاصة بمشروع أنفقت عليه مئات الملايين فمن حقنا أن نتساءل‏..‏ وأين الحقيقة؟‏!..‏



سابعا‏:‏ لا أريد أن أقول إن السرية حول مشروع جامعة النيل أنه كان بديلا لجامعة زويل‏,‏ وأن هناك أطرافـا حاولت إفساد مشروع زويل وسعت إلي ذلك سعيا‏..‏ ولكن الذي يؤكد ذلك أن الحكومة وعدت أحمد زويل في العام الماضي بإحياء مشروعه القديم‏,‏ وتعهدت بتقديم مساحة من الأراضي تبلغ‏100‏ فدان في محافظة‏6‏ أكتوبر‏..‏ كما أنها وعدت بتخصيص مبلغ‏200‏ مليون دولار بصفة مبدئية لبداية المشروع ولم تنفذ شيئـا مما وعدت به حتي الآن‏,‏ فإذا كانت الحكومة قادرة علي تمويل مشروع إنشاء جامعة النيل فلماذا تقاعست عن مشروع جامعة زويل إذا كان الهدف واحدا‏..‏



ثامنـا‏:‏ لا أدري لماذا يتعامل المسئولون معنا بهذا الغموض وهذا الصمت المريب‏,‏ وكأننا في مغارة علي بابا لقد قرأت الرد الصادر من وزارتي الاتصالات والتعليم العالي والمؤسسة المصرية لتطوير التعليم التكنولوجي وتم توزيعه علي الصحف وفي تقديري أنه لا يكفي كما تحدث معي حول هذه القضية د‏.‏ مجدي راضي المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء‏..‏ ثم اتصل بي د‏.‏ هاني هلال وزير التعليم العالي محاولا تبسيط القضية وشرحها‏..‏ ولابد أن أعترف بأنني لم أقتنع حتي الآن بكل ما سمعت من تبريرات أو قرأت من ردود أو سمعت من أرقام لأن هناك جزءا خافيا في هذه القضية وهو حجم التمويل الذي أنفقته وزارة الاتصالات علي هذه الجامعة ومدي شرعية ذلك ولا أري مبررا علي الإطلاق لإخفاء ذلك أو اعتباره سرا عسكريا إلا إذا كانت هناك تجاوزات يخشاها البعض‏..‏



لقد قدرت كثيرا جهد وفكر أستاذنا د‏.‏ إبراهيم بدران وحماسه لمشروع إنشاء هذه الجامعة‏..‏ ولكن تبقي هناك جوانب كثيرة خافية من الحقيقة‏,‏ ومن حقنا أن نعرفها‏,‏ ومن واجب د‏.‏ أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء والأب الشرعي لهذه الجامعة أن يشرحها بوضوح وصراحة أمام الرأي العام حتي لا يترك فرصة لسوء الظن أو القيل والقال‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



كـانـت تـقـول بأن لـقـيانـا قدر

وبأنـها ستـموت حزنـا



إن تـواري الحب يوما وانـكـسر

وبأنـنـي كـل الوجود

وكـل ما خـلـق الإله من الـبشر



وبأنني المأوي الـوحيد

وكـل شيء بعد أيامي ضجر

وبأنني‏..‏ وبأنني‏..‏ وبأنني‏..‏


***‏

في ساحة الميدان كـانـت تـنـتـظر

سيارة وقفت‏..‏

وتمثـال من الشمع المحنـط قـد عبر



كـهل عجوز في خريف الـعمر

يهبـط في حذر

في لهفـة عرجاء عانـقـها وألقـت نـفـسها



في صدره شوقـا

وذابت مثـل حبات المطر

دارت بـي الدنـيا‏..‏ سحاب غـائم



بين الضلـوع أنين قـلـب يحتـضر

والنـاس تسأل ما الـخـبر‏..‏ ؟

لـقيا الربيع مع الخريف وهكـذا الدنـيا



وداع‏..‏ أو لقـاء‏..‏ أو سفـر

كـم عاشق قـد نـام مجروحا

وآخـر بـالأحبة قـد غـدر

أما العجوز فبـالوليمة قـد ظـفر



قصيدة اقدار سنة‏2003‏