Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : شيء من العدالة

هوامش حرة



شيء من العدالة



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏







من يشاهد إعلانات التليفزيون يقول إننا دولة في غاية الثراء والغني‏..‏ ومن يري قرارات الحكومة يشعر بالكآبة وسوء الأحوال‏..‏ فما هي أسباب هذا التناقض الغريب‏..‏ لا أحد يعرف كم دفعت الحكومة في إعلانات شهر رمضان المبارك هذا العام‏..‏ هذه المظاهرة الصاخبة التي استهلكت مئات الساعات علي شاشات التليفزيون ما بين الفضائيات العربية وقنوات التليفزيون المصري‏..‏ ولا أحد يلوم التلفزيون علي ذلك حتي وإن أفسدت الإعلانات المسلسلات والبرامج‏..‏ ولكن لو أننا جمعنا تكاليف المسلسلات التي أنتجها تليفزيون الحكومة مضافـا إليها قيمة الإعلانات التي دفعتها الوزارات المختلفة لاكتشفنا أننا أمام رقم مخيف قد يتجاوز المليار جنيه طارت في الهواء في شهر واحد‏..‏ فمن أين جاءت الحكومة بهذه الأموال وهي تشكو كل يوم سوء الأحوال وزيادة النفقات والأزمة الاقتصادية ومشاكل الدعم وعدم القدرة علي مواجهة تلال الزبالة في الشوارع وقبل هذا كله محنة أزمة الخنازير وتوابعها؟‏.‏



المعروف في دنيا الإعلام والإعلان أن للإعلان أهدافـا وبرامج مدروسة وليس مجرد دقائق يشتريها المعلن علي شاشة تليفزيون أو مساحة مكتوبة علي صفحات جريدة‏..‏ الإعلان يهدف إلي ترويج سلعة من السلع أو التمهيد لفكرة ما أو السعي لنشر سلوكيات معينة‏..‏ وعلي هذا الأساس يتم وضع البرامج والخطط والأهداف وبعد ذلك يتم البحث عن وسيلة لتحقيق هذه الأهداف‏..‏ ومن الصعب أن تجد إعلانـا لوزارة من الوزارات في دولة أجنبية‏..‏ أن الإعلانات عادة تحمل اسم شركات أو مؤسسات تنتج سلعـا أو تقدم خدمات‏..‏



ولكن الذي يحدث في مصر شيء أخر‏..‏ لقد شهد شهر رمضان المبارك هذا العام سلسلة من الإعلانات الحكومية الغريبة‏..‏


*‏ تصدرت وزارة المالية هذه السلسلة بإعلاناتها الشهيرة التي تقدمها باسم مصلحة الضرائب‏..‏ وهي إعلانات تهديد للمواطنين حتي لا يتقاعسوا عن سداد ما عليهم من ضرائب‏..‏ ولأن الضرائب ليست سلعة من السلع‏..‏ ولأنها ليست مؤسسة خدمات ولكنها مؤسسة جباية‏..‏ فإن الإلحاح المستمر بهذه الإعلانات لا مبرر له‏..‏ في اليوم الواحد وعلي جميع القنوات المصرية وغير المصرية هذا الإعلان المستفز للشيخ عبد القوي‏..‏



كان يكفي أن يذاع هذا الإعلان مرة أو خمسا أو عشر مرات ولكن أن يذاع مائة مرة في اليوم علي جميع القنوات فهذا إسراف يتجاوز حدود البذخ خاصة أن مثل هذا الإعلان موجه إلي شرائح معروفة وهناك عشرات الملايين الذين لا يعنيهم هذا الإعلان لأنهم لا يكسبون قوت يومهم حتي تطالبهم الحكومة بسداد الضرائب وبجانب إعلانات الضرائب العادية هناك إعلانات الضريبة العقارية التي لم تبدأ بعد ونرجو من الله ألا تبدأ علي الإطلاق لأنها جاءت خارج السياق قولا وفعلا‏....‏


*‏ في مسلسل الإعلانات الحكومية أيضا أطلت علينا إعلانات من وزارة البترول وليس شركات البترول‏..‏ ولا أعتقد أن لوزارة البترول أنشطة جماهيرية أكثر من توصيل الغاز أو أسعار البنزين وهذه أشياء لا تحتاج إلي إعلانات ودعاية‏..‏ أما الغريب حقـا أن تكون هناك إعلانات تخص وزارة البترول‏..‏ وما حدث مع وزارة البترول حدث لأول مرة مع وزارة المواصلات خاصة هيئة السكة الحديد‏..‏ والإعلانات هنا تحذر المواطنين من التهرب من دفع ثمن تذاكر القطارات‏..‏ وهؤلاء الهاربون في القطارات يحتاجون إلي متابعة ورقابة أمنية وليس إعلانات تليفزيونية وقد تكون هذه هي المرة الأولي التي نشاهد فيها إعلانـا لهيئة السكة الحديد وهي تطارد الهاربين في القطارات‏..‏ وكان هناك سيل آخر من إعلانات البنوك وقد يكون ذلك أمرا طبيعيا وإن كان الأفضل هو مطاردة الهاربين بأموال البنوك في الدول الأجنبية الذين يطلون علينا الآن في الفضائيات والصحف وكأنهم أبطال من الزمن القديم‏..‏



كانت إعلانات وزارة الاتصالات هي الأكثر إلحاحا من خلال شركات المحمول التي وصلت بالمواطن المصري إلي درجة من درجات الجنون وهو يواجه حالة من حالات الصراع ما بين المحمول وشركات المياه الغازية‏..‏


*‏ لم تخل الساحة أيضا من إعلانات وزارات أخري مثل السياحة والاستثمار والإسكان والداخلية والزراعة والصناعة والصحة وإن كانت بنسب أقل وإن كنت أعتقد أن الذي كان أحق بهذه الإعلانات جميعها هو الحملة القومية لمواجهة إنفلونزا الخنازير‏..‏ كان من المفروض أن تكون أكثر كثافة وإلحاحا وتواجدا طوال شهر رمضان وما بعد الشهر الكريم لكشف أخطارها وتقديم الإرشادات الكافية للمواطنين‏..‏ وكانت إنفلونزا الخنازير أحق بالأموال التي أنفقتها الوزارات الأخري في حملاتها الإعلانية التي طاردت بها الأسرة المصرية طوال الشهر الكريم من تحذيرات للمتهربين من الضرائب أو قطارات السكة الحديد‏..‏



وفي تقديري أن الحكومة كانت أحوج لهذه الأموال من الحملات الإعلانية المكثفة التي لا أجد مبررا لها في ظل أزمة اقتصادية خانقة تركت آثارها السلبية علي كل أوجه الحياة‏..‏


*‏ أن مئات الملايين التي تحملتها الحكومة في صورة إعلانات طوال الشهر المبارك كانت تكفي لتأجيل الضريبة العقارية التي لا يعرف المصريون حتي الآن الهدف منها‏..‏ هل هي مجرد سبوبة لجمع بعض الأموال من المواطنين وكم تبلغ هذه الأموال وهل ستزيد كثيرا عن الملايين التي دفعتها الوزارات المختلفة في صورة إعلانات تليفزيونية‏..‏ إن المواطن المصري لم يعرف حتي الآن ما هي الجريمة التي ارتكبها حتي يدفع ضريبة عن مسكن يعيش فيه أيا كانت قيمته‏..‏ نتصور مثلا أن يدفع الإنسان هذه الضريبة إذا باع هذا المسكن لشخص آخر أو قام بتأجيره أو أصبح يدر عليه دخلا بأي صورة من الصور‏..‏ وتكون الضريبة هنا علي الدخل فقط وليس علي رأس المال ممثلا في قيمة المسكن‏..‏ ما هي الحصيلة التي يمكن أن يحققها وزير المالية د‏.‏ يوسف بطرس غالي من هذا القرار العبقري‏..‏ وهل يزيد كثيرا عن كل ما دفعته الوزارة وما تحملته من نفقات في الحملات الإعلانية التي روجتها طوال شهر رمضان‏..‏ لقد قرأت اقتراحا جميلا لأحد قراء بريد الأهرام حول الضريبة العقارية‏..‏ لقد اقترح القارئ أن تبدي الحكومة استعدادها لشراء الشقق والمساكن التي يعجز أصحابها عن سداد الضريبة العقارية عليها أو يبدون رغبتهم في ذلك بأن تدفع لصاحب المسكن قيمته بسعر اليوم‏..‏ وبمعني آخر إذا كنت أمتلك شقة اشتريتها منذ ثلاثين عاما بسعر‏50‏ ألف جنيه وأصبح سعرها الآن مليوني جنيه فأنا علي استعداد أن أبيعها للحكومة بمبلغ مليون جنيه فقط وتأخذ هي باقي السعر‏.‏



في أحيان كثيرة تتضارب قرارات السلطة وتتأرجح ما بين إسراف هنا وتقطير هناك‏..‏ ما بين الملايين التي تطير في الهواء في صورة إعلان لن يقدم ولن يؤخر وقرارات جباية تعسفية تهدد أمن المجتمع واستقراره وتنغص علي الناس حياتهم‏..‏



وإذا كانت الحكومة قد دفعت مليار جنيه تكاليف الإعلانات والمسلسلات في شهر واحد فهل يمكن أن تحصل علي هذا الرقم من الضريبة العقارية التي أصبحت تمثل هاجسا كئيبا لكل مواطن‏..‏ ولماذا تحرص الحكومة علي أن تبدو أمام الناس دائما بهذا الوجه الكئيب إنني أتعجب كثيرا وأنا أسمع وزير المالية د‏.‏ يوسف بطرس غالي وهو يتفاخر دائما بأن وزراء المالية دائما لا يحبهم الناس‏..‏ ونحن لا نريد الحب من الحكومة ونعرف أنها لا تريد الحب منا ولا تسعي إليه ولكننا نريد فقط شيئا من العدل وقليل من الرحمة‏..‏ وأنا لا أري في نفقات الإعلانات التي دفعتها الوزارات المختلفة أي عدل‏..‏ ولا أري في قوانين وزير المالية أية رحمة‏..‏ أرجو من د‏.‏يوسف بطرس غالي أن يمسك ورقة وقلما وأن يجمع الإعلانات الحكومية والمسلسلات والبرامج التي تحملتها ميزانية الدولة المصرية بوزاراتها المختلفة في شهر رمضان وأن يضع هذه الأرقام أمام إيرادات الضريبة العقارية‏..‏ ليكشف بنفسه أنها قرارات جباية تعسفية‏..‏



لقد وجدت نفسي حائرا بين صورتين في غاية التناقض‏..‏ حكومة تتحدث عن أزمة اقتصادية خانقة‏..‏ وإعلانات تسد عين الشمس وتستفز مشاعر المواطنين‏..‏ وضريبة عقارية تعسفية علي كل من يملك مسكنـا‏..‏



إن الرئيس مبارك يطلب من الحكومة دائما أن تسعي لتوفير مسكن لكل مواطن‏..‏ ولكن حكومتنا الرشيدة تسعي لتقديم مصيبة لكل مواطن‏..‏



مازال عندي أمل في مواجهة حكيمة للضريبة العقارية فهي في تقدير الكثيرين لن تحقق الموارد المالية التي يتصورها وزير المالية‏..‏ وفي نفس الوقت فهي ضريبة لا مثيل لها في دول العالم المتقدم أو المتأخر وقبل هذا كله فإن هناك آلاف المساكن التي حصل عليها أصحابها بالتقسيط فهل يدفع هؤلاء الأقساط السنوية للبنوك وشركات الإسكان أم يدفعون الضريبة العقارية ومازال عندي أمل أخير أن يتخذ الحزب الوطني في مؤتمرة السنوي موقفا حاسما من هذه الضريبة‏..‏



كانت الإعلانات الحكومية علي شاشات التليفزيون شهادة بأننا أمام حكومة غاية في الثراء‏..‏ بينما الضريبة العقارية تؤكد أننا أمام حكومة ينقصها الكثير من الرحمة والعدالة‏..‏


*‏ بقي سؤال يردده بعض الخبثاء‏..‏ هل صحيح أن جميع إعلانات الحكومة كانت من حظ شركة إعلانية واحدة؟‏!.‏




..‏ ويبقي الشعر





وأخذت أشـيائي الصغيرة

كـل ما أهديـتـه يوما

من الصور الجميلة‏..‏

والأغـاني‏..‏ والـعطـور



وقفت أمامي كالأماني الضائعات

شريط أحلام يدور

فـهدمت كـل مدينة الحب الجميـل

وما بنـيـت من الحدائق‏..‏



والجداول‏..‏ والقـصور

أحرقـت كل قصائد العمر الجميل

وما رسمت من الشـواطيء‏..‏ واللآلئ‏..‏ والـبحور

عطـر جميل كان عشـقـي



مات في عمر الزهور

وقصيدة هربت من الأعماق حائرة

وتاهت بين أحزان السطـور

وشريط أغـنـية



تـراقـص في خيالي ذات يوم

طاف بي كـل الـعصور

أنـا ما حزنـت

علي الأغـاني‏..‏ والأماني‏..‏ والـعطـور



أنـا ما بكيت

علي نزيف جنـاحنـا المكـسور

لكن قلـبي ذاب في نـار الألـم

وأنـا أعيد لك القلم



قصيدة أشياء صغيرة سنة‏2003‏