Loading

الخميس، 11 فبراير، 2010

هوامش حرة : ماذا بقي من رمضان ؟

هوامش حرة



ماذا بقي من رمضان ؟



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




بقيت أيام ويرحل الشهر الكريم‏..‏ وأغرب ما في شهر رمضان أننا ننتظره عاما كاملا ليجيء في صمت ويرحل في سكون‏..‏ وربما لا تذكر الأجيال الجديدة شهر رمضان الذي عشناه وعرفناه وأحببناه‏..‏ عندما كانت الأسرة تلتف حول موائد الإفطار بلا بذخ أو سفه أو ادعاء‏..‏ وعندما كانت البيوت تمد ذراعيها تصافح بعضها فالطعام للجميع وليست هناك حدود تفصل بين من لديه شيء ومن ليس عنده أي شيء‏..‏



كان رمضان صلاة الفجر والتراويح والموشحات والأدعية وحلقات الذكر والصوفية وكان الاخوة المسيحيون يشاركوننا كعك العيد بل انهم كانوا يصنعون الكعك في أعيادنا ونصنع الكعك في أعيادهم‏,‏ وكان رمضان شهر كل المصريين ولم تتجاوز حدود التسلية في الشهر الكريم إلا ألف ليلة وليلة ومسلسل إذاعي واحد كانت تلتف حوله مصر كلها‏..‏ كان الغني جوادا وكان الفقير قانعا وكانت كسرة الخبز تكفي البيت كله‏..‏ لأن رمضان لم يكن شهر بطون وطعام وولائم بل كان شهر عبادة وتواصل ومحبة‏..‏



وفي الأيام الأخيرة كنت أتساءل مع نفسي لماذا تغيرت الأحوال ليس في مصر فقط ولكن لماذا تغيرت أحوال المسلمين كل المسلمين ما أكثر الحديث عن الإسلام وما أقل الأفعال التي دعا لها الإسلام‏..‏ ما أكثر مشايخنا وما أسوأ سلوكياتنا ما أكثر أحاديثنا عن التقوي وما أبعدنا عن الأخلاق‏..‏ ما أطول اللحي علي الوجوه وما أقل اليقين‏..‏ ان جوهر الإسلام في السلوك قبل الشعائر وفي الحياة قبل عذاب القبر وفي السماحة وليس في الشطط‏..‏ والإسلام نموذج رفيع في العمل والإنتاج والإبداع والسلوك‏..‏



فلماذا تحول في زماننا إلي صخب وضجيج وشعارات رنانة وصراخ عقيم‏..‏ لو أننا نظرنا إلي رمضان هذا العام كنموذج يحكم ويفسر أحوال المسلمين لاتضحت أمامنا صورة غريبة‏..‏ أن رمضان العبادة والصلاة والزكاة والتراحم والتواصل بين الناس تحول إلي مجموعة من الصور المشوهة‏:‏


*‏ علي شاشات التليفزيون‏64‏ مسلسلا بلغت تكاليفها أكثر من‏600‏ مليون جنيه وإذا حاولت أن تبحث عن شيء أضافته هذه المسلسلات إلي عقول الناس فلن تجد غير الفراغ‏..‏ الا قلة قليلة من الاعمال الجادة‏.‏


*‏ في العالم العربي الآن‏400‏ قناة فضائية يقولون انها تتكلف‏6‏ مليارات دولار سنويا ماذا قدمت للعقل والوجدان العربي‏..‏ مئات الدعاة الذين انتشروا يتحدثون في شئون الدين ويخطئون في تلاوة القرآن وقواعد اللغة العربية ولا يظهر علي الكثيرين منهم وقار الدين وسماحته‏..‏ انهم جميعا يتحدثون عن نار جهنم وليس بينهم من يبشر برحمة الله‏..‏ وجميعهم يعيشون عصورا لا مكان لها وينسون أن الإسلام دين تطور وحضارة وبناء ويدعون الناس إلي كراهية كل شيء رغم أن الإسلام دعوة صفاء ونقاء ومحبة‏..‏ لقد تحولت الفضائيات العربية إلي سوق رائجه لكل من أراد أن يكون داعيا أو واعظـا سواء كان ذلك بعلم أو بدون علم‏..‏ ووسط هذا الصخب أصبح من الصعب أن يجد الداعية الحقيقي مكانـا بل ان علماءنا الأجلاء ينأون بأنفسهم من الاقتراب من هذا الضجيج الصاخب وهذه التجارة الرخيصة باسم الدين‏..‏


*‏ أليس غريبا أن يتحول شهر العبادة إلي خيمات للغناء والرقص والابتزال والترخص في كل أشكاله‏..‏ والأسوأ من الغناء تلك العادات الغريبة التي اخترقت حياتنا تهدد أجيالنا الشابة وهي مجالس‏'‏ الشيشة‏'‏ كنت أتمني لو أن السادة المحافظين وضعوا من الضوابط ما يمنع انتشار هذه العادة السيئة ولكن خيمات رمضان كانت أرضا خصبة للغناء الهابط والعادات السيئة وفي مقدمتها‏'‏ الشيشة‏'‏ هذا الشبح المخيف الذي انتشر في مصر بصورة رهيبة في السنوات الأخيرة بين الفتيات والشباب ويمثل تهديدا في الصحة والأخلاق والسلوك‏..‏


*‏ في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع المصري ظروفـا صعبة في ارتفاع الأسعار ومعاناة الطبقات الفقيرة تنطلق مواكب العمرة وقد تحولت في السنوات الأخيرة إلي مظهر من مظاهر البذخ بين الأغنياء والفقراء في وقت واحد وتسمع من يتفاخر بأنه يؤدي العمرة للمرة العشرين‏..‏ وظهرت في مصر طبقة جديدة جعلت من أداء العمرة مظهرا من مظاهر الإيمان رغم التناقض الشديد بين الشكل والمضمون‏..‏ أنني لا ألوم شخصا قادرا يؤدي العمرة مرة أو مرتين في حياته أما أن تذهب الأسرة كلها كل عام لأداء العمرة سنوات وسنوات فهناك مجالات للخير أحق بأن تتجه إليها أموال الأغنياء القادرين‏..‏



ان سكان الدويقة وأسطبل عنتر وفقراء مدينة السلام والعشوائيات أحق بهذه النفقات التي يدفعها القادرون‏..‏ ان نفقات الحج والعمرة التي يدفعها المصريون سنويا تتجاوز أربعة مليارات دولار في بعض التقديرات وهذا الرقم يبني مئات المدارس ويقيم عشرات العمارات ويحمي مئات الألاف من المواطنين من الموت تحت أنقاض العشوائيات‏..‏ ان مواكب رجال الأعمال والأثرياء وأصحاب الطائرات الذين يسافرون للعمرة أكثر من مرة علي مدار السنة يمكن أن تكون أموالهم عونـا لألاف المرضي في المستشفيات الذين لا يجدون ما ينقذ حياتهم‏..‏



بقيت أيام ونودع الشهر الكريم وأنا من جيل مازال يعيش عبق وحلاوة وصفاء رمضان القديم‏..‏ مازال في اذني صوت الشيخ محمد رفعت والشيخ النقشبندي والحصري وعبد الباسط عبد الصمد وألف ليلة وليلة ومازال عبق الأسرة المصرية التي كانت تلتف حول موائد الطعام وكان كل شيء يحمل روح الشهر الكريم حيث القناعة والرضا وسخاء الغني وترفع الفقير‏..‏ وكانت مصر تكفينا جميعا بخيرها ولم نكن نعرف شكل هذه الجرائم الكريهة التي تسربت إلي حياتنا وسلوكياتنا‏..‏ حتي في رمضان‏..‏



والآن يجمع الشهر الكريم أيامه ويرحل وهو يتساءل‏..‏ هل كل ما بقي مني بعض المسلسلات وخيمات التسالي وشيوخ الفضائيات وسحابات الشيشة السوداء‏..‏ وليتنا ندرك ما قاله الإمام محمد عبده منذ سنوات أني أري أمامي ملايين المسلمين ولكنني لا أري الإسلام‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر





‏مضيت أسائل نفسي كثيرا

تـري أين وجهي‏..‏ ؟‏!‏

وأحضرت لونـا وفرشاة رسم ولحن قديم



وعدت أدندن مثل الصغار

تذكرت خطا تذكرت عينـا تذكرت أنفـا

تذكرت فيه البريق الحزين



وظل يداري شحوب الجبين

تجاعيد تزحف خلف السنين

تذكرت وجهي



كل الملامح كل الخطوط

رسمت انحناءات وجهي

شعيرات رأسي علي كل باب



رسمت الملامح فوق المآذن‏..‏

فوق المفارق‏..‏ بين التراب

ولاحت عيوني وسط السحاب



وأصبح وجهي علي كل شيء

رسوما‏..‏ رسوم

ومازلت أرسم‏..‏ أرسم‏..‏ أرسم



ولكن وجهي ما عاد وجهي‏..‏

وضاعت ملامح وجهي القديم


(‏ قصيدة وضاعت ملامح وجهي القديم سنة‏1982)‏