Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : الضريبة العقارية‏..‏ وباب لكل مواطن

هوامش حرة



الضريبة العقارية‏..‏ وباب لكل مواطن



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏




لن يستطيع‏30‏ مليون مواطن مصري تقديم إقرارات الضريبة العقارية قبل نهاية هذا الشهر‏,‏ ولن يزيد عدد المتقدمين في أفضل الحالات علي‏2‏ أو‏3‏ ملايين مواطن‏..‏ وهذا يعني أن هناك أكثر من‏25‏ مليون مواطن لن يقدموا الإقرارات‏..‏ وهؤلاء سوف يعرضون أنفسهم لغرامة مالية قد تصل إلي‏2000‏ جنيه‏..‏ والواضح أن الحكومة لن تسأل المواطنين الآن عن الضريبة ولكنها سوف تقوم بتحصيل الغرامة‏..‏ وطبقـا للتعليمات الضرائبية فإن الغرامة تتراوح بين‏200‏ و‏2000‏ جنيه‏..‏



وإذا افترضنا أن المتوسط في هذه الغرامة سيكون‏500‏ جنيه فإن علي المواطنين دفع‏12‏ مليار جنيه قبل أن يبدأ تنفيذ قانون الضريبة‏..‏ بمعني أن تحصيل الغرامة سوف يسبق إقرار الضريبة وهذه محاولة من الحكومة لتوريط المواطنين والتحايل عليهم في هذه الكارثة‏,‏ خاصة إذا أعلنت صراحة أما دفع الغرامة أو الحبس وهذا أيضا يعني أن الحكومة ستقوم بحبس‏25‏ مليون مواطن إذا تطلب الأمر ذلك ولهذا أطالب وزارة الداخلية بإضافة مساحات جديدة للسجون الحالية أو إنشاء سجون جديدة تستوعب نصف سكان المحروسة‏..‏



عندما تقرأ تصريحات المسئولين في الحكومة عن الضريبة العقارية تشعر بأنك أمام كوميديا سوداء ساخرة وتنتابك حالة من حالات الضحك الباكي علي ما وصلت إليه أفكار المسئولين عندنا‏..‏



أنهم يقولون لك‏..‏ المهم أن تقدم إقرار الضريبة العقارية‏,‏ لا فرق بين سكان القطامية وملاك عشش الترجمان والدويقة‏..‏ لا فرق بين شقة فاخرة في مصر الجديدة أو الزمالك وحجرة من الصفيح في أعلي بيت قديم في قلعة الكبش‏,‏ كل ماله‏'‏ باب‏'‏ في مصر يعتبر عقارا‏..‏ لا يعني هنا هل وراء هذا الباب كشك سجائر أم غرفة يسكنها عشرة أشخاص أم فيلا بملايين الجنيهات‏..‏ أخيرا كل ما ترجوه الحكومة وما تسعي إليه هو حصر عدد الأبواب في المحروسة وربما انتقلت بعد ذلك إلي حصر عدد الشبابيك‏..‏ ولا أعتقد أن هذا حدث في أي عهد سابق حتي عهود المماليك سواء البيض أم السود‏..‏



وتقول توضيحات المسئولين عن الضريبة العقارية أن صاحب الإقرار غير مطالب بتقديم أية مستندات رسمية أو غير رسمية‏..‏ لا حاجة لعقود شراء أو بيع‏..‏ ولا حاجة لأي وثائق ملكية للعقار‏..‏ كل المطلوب أن تقدم إقرارا ثم بعد ذلك عليك انتظار رحمة المسئولين أو سخطهم حسب ما يشاءون‏..‏ وكل ما علي الأرض يفرض تقديم هذا الإقرار حتي أعمدة الإعلانات وأبراج المحمول والبدرونات والأسطح وما عليها من غرف للبوابين وأتباعهم بما في ذلك غرفة الفنان الراحل أحمد ذكي علي سطح العمارة في فيلمه الشهير‏'‏ البيه البواب‏'..‏ ولا يهم أبدا أن يكون العقار مخالفـا أو أقيم علي أرض مسروقة إو أقيم بدون رخصة أو صدر قرار بإزالته أو آيلا للسقوط‏..‏ كل هذا لا يهم ولا يدخل في عمليات الحصر المهم أن موظفي الضرائب يجدون فرصة لزيادة دخلهم حتي بلا عمل‏..‏



وأقول‏..‏ أن تقدير الضرائب علي المواطنين يخضع لقواعد فنية واجتماعية واقتصادية غاية في الدقة والصرامة من حيث الأرقام والمعلومات والنتائج‏..‏ ويخضع لقواعد إدارية تتطلب أجهزة إدارية قادرة علي تنفيذ مهامها‏..‏ ويتطلب قبل هذا كله قدرا من تحقيق العدالة بين المواطنين لأن الضرائب في المجتمع ميزان من موازين العدل‏..‏ وويل للمجتمع إذا سقطت فيه معايير العدالة أمام عشوائيات القرار وغياب الرؤي وجشع الجباية‏..‏ وقبل هذا فإن الضريبة علي المواطن تقابلها خدمات تقدمها الدولة وإذا عجزت أو تقاعست عن تقديم هذه الخدمات تصبح الضريبة نوعـا من أنواع الظلم البين‏..‏



وفي تقديري أن هذا ما تقوم به مصلحة الضرائب العقارية الآن تنفيذا للتعليمات‏,‏ وهي تؤكد أن العشوائيات التي أحاطت بنا من كل جانب‏..‏ وأن مزارع الخنازير حول المدن الكبري وأن السحابة السوداء وأنفلونزا الخنازير والحمير والطيور التي تحاصرنا كل هذه الظواهر نتائج طبيعية لعشوائية الفكر والرؤي عند كبار المسئولين في المحروسة‏..‏



نحن أمام قرارات متضاربة متعارضة فليس المهم أن يكون لديك عقد ملكية سليم‏..‏ أو أنك تعيش في شقة لها جدران ونوافد أو ان هذه الشقة صالحة للسكن الآدمي‏..‏ إن وراء كل باب ضحية تنتظر مقصلة الجباية الضرائبية لا يهم إن كنت مالكـا حقيقـيا أو مزيفـا‏..‏ ولا يهم إن كنت تملك قصرا في الزمالك أو تملك بابا في الدويقة‏..‏



هل يعقل أن يكون هذا هو فكر وأسلوب الحكومة الذكية بكل ما استوردت من أجهزة الكمبيوتر التي كنا نشاهدها علي شاشات التليفزيون في إعلانات كمبيوتر لكل مواطن‏..‏ هل يمكن أن يكون وجود الباب علي أي مكان مبررا لتسجيله كعقار دون أن نري ما وراء هذا الباب وهل نحن أمام قصر أم خرابة‏..‏ وإذا كان هناك مسئول أندفع في شططه وخياله ورغبته في الجباية ألا يوجد عقلاء يعيدون له شيئـا من العقل والحكمة‏..‏ وهل يمكن أن تفرض الضرائب علي المواطنين بهذه الأساليب العشوائية‏..‏ كيف نقول للناس وبأي حق قدموا الإقرارات دون وجود أي مستندات للملكية وبعد ذلك نتفاهم‏..‏



في الأسبوع الماضي ثار مجلس الشعب علي‏700‏ عمارة تقوم الحكومة بإزالتها في مدينة نصر وحدث ذلك في الشرقية‏..‏ وفي الهرم وفي محافظات أخري‏..‏ فهل تدخل هذه العمارات الضريبة العقارية‏..‏ وإذا قدم أصحابها الإقرارات وهدمتها الحكومة فمن يدفع الضرائب والغرامات‏..‏ بعد ذلك‏..‏ هناك قرارات إزالة وتنكيس وهدم لألاف العقارات في المحروسة فما هو موقف الضريبة العقارية منها‏..‏



وإذا كانت الحكومة قد قررت أن تقف أمام كل باب لتحصيل الضريبة العقارية فماذا ستفعل أمام أبواب‏2‏ مليون مواطن يسكنون في المقابر وهل هؤلاء مطالبون بتقديم إقرارات الضريبة العقارية مع سكان العشوائيات وجحور الأحياء الشعبية وماذا تفعل الحكومة أمام أبواب بيوت الفلاحين في الأرياف وهي من الطين الذي يذوب إذا ارتفعت حدة المطر وتساقطت الجدران‏..‏



لقد كانت أمام الحكومة أبواب كثيرة جدا خلفها ملايين بل بلايين الجنيهات ولم تقترب منها‏..‏ لماذا بحثت الحكومة عن أبواب الغلابة وتركت أبواب القادرين‏..‏


*‏ ماذا أخذت الحكومة من تجار الحديد والأسمنت الذين باعوا طن الحديد بعشرة آلاف جنيه وجمعوا بلايين الجنيهات‏..‏


*‏ ماذا أخذت الحكومة من مقاولي المدن الجديدة وشركات العقارات التي أخذت الأراضي من الحكومة بلا مقابل وباعت الشقق والفيلات بالملايين‏,‏ يوجد في المحروسة مائه مدينة سكنية جديدة علي الأقل لم يدفع أصحابها من رجال الأعمال ضرائب للدولة‏..‏


*‏ ماذا أخذت الحكومة من تجار الأراضي الذين جمعوا البلايين من تقسيمات الأراضي والمضاربين الكبار في التجمع الخامس والقاهرة الجديدة وأكتوبر والطرق الصحراوية وماذا أخذت من‏2‏ مليون فدان من الأراضي الزراعية التي أكلتها المباني والعقارات دون أن يدفع أصحابها مليما واحدا لخزانة الدولة‏..‏



ماذا أخذت الحكومة من عمليات التخصيص التي أهدتها الحكومة لرجال الأعمال وهي حق للشعب كله‏..‏ ماذا دفع سماسرة الأراضي للضرائب العقارية عن منشآت باعوها وأرض قسموها وبلايين جمعوها‏..‏


*‏ ماذا أخذت الحكومة من متأخرات الضرائب علي رجال الاعمال وتتجاوز‏40‏ مليار جنيه أن عشرة اسماء فقط من رجال الاعمال يمكن أن يتحملوا الضريبة العقارية التي تسعي الحكومة للحصول عليها من طوابير الغلابة‏..‏ إنها تستطيع فقط أن تدق بعنف ابواب المشردون في الدويقة وقلعة الكبش وعزبة الهجانة ولكنها لاتستطيع أن تقترب من قصور اباطرة الطبقة الجديدة‏.‏


*‏ ماذا أخذت الحكومة من تجار المصانع الذين اشتروها من الدولة ثم باعوها بالاف الملايين‏..‏ مصانع الأسمنت والحديد والأسمدة والكيماويات والنسيج وصناعة الغزل والمحالج وكيف يشتري رجل أعمال مصنعا من الدولة ويكسب فيه عشرات المليارات ولا يدفع ضرائب عن أرباحه‏..‏


*‏ ماذا أخذت الحكومة من ضرائب علي تجارة المدارس الخاصة والجامعات الخاصة والوجبات السريعة والسياحة والفنادق وهي أيضا بالملايين‏..‏ وقبل ذلك كله ماذا دفع أصحاب شركات المحمول الذين يجمعون سنويا‏35‏ مليار جنيه في المكالمات التليفونية وكلنا نعلم كم دفعوا ثمنـا لها وما هي أسعارها الآن‏..‏ ماذا أخذت الحكومة من أرباح الأسهم والمضاربين الكبار في البورصة وهي تعرفهم أسما اسما وتعرف أرباحهم التي جمعوها بالتحايل والنصب علي خلق الله من صغار المستثمرين‏..‏


*‏ لماذا لم تذهب الحكومة إلي هذه الأبواب المغلقة‏..‏ ولماذا لم تقترب من سكانها وهم يجمعون البلايين من دماء هذا الشعب‏..‏ كل ما استطاعت الحكومة أن تفعله أن تقف أمام أبواب سكان العشوائيات وضحايا الدويقة ومنشية ناصر والبساتين والعياط رغم أن بابا واحدا من أبواب الكبار من أصحاب المزارع والسيراميك والمواني الخاصة والطائرات الخاصة كانت كافية لتغطية عجز الميزانية وسداد الديون‏..‏ ماذا أخذت الحكومة من مليونيرات الحزب الوطني واتباعه ومريديه في كل أرجاء المحروسة‏..‏



حين تخطئ البوصلة في تحديد الاتجاه السليم تكون الكوارث والواضح الآن أن البوصلة لم تخطئ فقط ولكن الواضح أنه لا توجد بوصله علي الإطلاق‏..‏



هناك‏25‏ مليون مواطن مصري لن يقدموا إقرارات الضريبة العقارية لأن الوقت فات وسوف تستعد الحكومة من الآن لفرض الغرامة عليهم ولو أنها طالبت كل مواطن بالحد الأدني للغرامة وهو‏200‏ جنيه فنحن أمام‏5‏ مليارات جنيه وإذا زادت قليلا إلي‏400‏ جنيه فنحن أمام‏10‏ مليار جنيه‏..‏ وإذا قفزت الغرامة إلي‏500‏ جنيه عن كل باب فنحن أمام‏12‏ مليار جنيه‏..‏ وسوف يحصل موظفو مصلحة الضرائب علي نصف هذا المبلغ في صورة مكافآت وحوافز وعمل إضافي أما النصف الثاني فسوف يتجه لشراء سيارات جديدة وإقامة الحفلات والمهرجانات والمناسبات السعيدة للسادة الوزراء مع بداية العام الجديد‏..‏ وعلي كل صاحب باب في المحروسة أن ينتظر دوره مع فريق التعسف الضريبي وأن يبحث عن بابه‏..‏ حتي لو كان باب زويلة‏..‏ وكل باب وأنتم طيبون‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



أصبحت أخـاف من الأشياء

كـل الأشياء

فـأخبيء وجهـي في عيني‏..‏

أتمدد حينـا في جفـني‏..‏



يتضاءل بدني‏..‏

أتثاءب فـوق رموش العين‏..‏

فيوقظـني شبح في العين يطـاردني



ألمح جلادا وسط العين

يغرس في عيني سيف الخوف

فـيفـصل جفـني عن عيني‏..‏



ينـطـفيء الضوء علي العينين

أدمنـت الخوف‏..‏

ففي عيني‏..‏ نـام الجلاد



قصيدة الجلاد سنة‏1989‏