Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : الحكومة بين قطار العياط‏..‏ وقطار باريس

هوامش حرة



الحكومة بين قطار العياط‏..‏ وقطار باريس



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏






في الأسبوع الماضي تناولت قضية التعويضات التي دفعتها الحكومة المصرية لرجل الأعمال وجيه سياج وتبلغ‏74‏ مليون دولار أي أكثر من‏400‏ مليون جنيه كتسوية نهائية عن حكم صدر لصالحه من المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بالبنك الدولي‏..‏ كان سياج قد حصل علي حكم نهائي بتعويض يبلغ‏134‏ مليون دولار‏'750‏ مليون جنيه‏'‏ وبعد مفاوضات مع الحكومة المصرية توصل الطرفان إلي هذه التسوية التي تم توقيعها في باريس‏..‏



الجديد في القضية الآن أنها دخلت مرحلة جديدة للتحقيق فيها أمام النائب العام المستشار عبد المجيد محمود بعد شكوي تقدم بها الكاتب الصحفي مصطفي بكري عضو مجلس الشعب ضد كل من د‏.‏عاطف عبيد رئيس الوزراء السابق والسيد فؤاد سلطان وزير السياحة الأسبق علي أساس أنهما مسئولان عن تخصيص هذه المساحة من الأراضي وتبلغ‏650‏ ألف متر علي حدود إسرائيل وفي منطقة طابا بسعر المتر جنيه ونصف وأن كل ما دفعه سياج كان‏975‏ ألف جنيه مصري وأن القضية لابد أن تستكمل كل إجراءاتها من حيث تحديد المسئولية ولا أحد يعرف كيف سيتم ذلك في ضوء القوانين التي تضع قواعد صارمة لمساءلة الوزراء حتي بعد تركهم المنصب‏..‏



المفاجأة الأكبر والأخطر أن وجيه سياج مدين للبنوك المصرية بمبلغ يصل إلي‏100‏ مليون دولار أي حوالي‏550‏ مليون جنيه وبحسبه بسيطة يكون سياج قد ابتلع من الحكومة الذكية ما يقرب من مليار جنيه أي ألف مليون جنيه ولا عزاء للضريبة العقارية‏..‏



والسؤال الذي يدور الآن كيف حصل سياج علي هذه المساحة من الأراضي‏..‏ ومن من السادة المسئولين الصغار أو الكبار كان وراء ذلك‏..‏ وقد وصلت إلي ردود أفعال كثيرة حول ما كتبت حول هذه القضية وأن لم تصلني أي ردود أو تعقيبات عن عشرات الأسئلة التي وجهتها للحكومة حول هذا الرقم المخيف الذي دفعته الحكومة المصرية في هذه التسوية وما خفي من ديون سياج للبنوك كان الأسوأ‏..‏



هناك مجموعة حقائق أخري رأيت أن أتوقف عندها‏:‏

*‏ إن وجيه سياج رفض توقيع اتفاق التسوية في باريس أمام الوفد المصري إلا بعد أن تسلم بالفعل‏_‏ أقول تسلم بالفعل‏-‏ شيكا من الحكومة المصرية بمبلغ‏74‏ مليون دولار أي أكثر من‏400‏ مليون جنيه‏..‏ وكانت المحكمة الدولية قد قررت في حكمها تقدير سعر الأرض بأسعار اليوم علي أساس أن سعر المتر كما طلب سياج هو‏250‏ دولارا للمتر أي أكثر من‏1875‏ جنيها رغم أنه دفع جنيه ونصف فقط للمتر‏!!‏


*‏ إن سياج كان قد حصل علي ثلاثة أحكام نهائية من القضاء الإداري رفضت الحكومة المصرية تنفيذها وكان أكبر هذه الأحكام هو مبلغ خمسة ملايين جنيه ولو أن الحكومة قامت بتنفيذ حكم واحد من هذه الأحكام في هذا الوقت ما وصلت القضية إلي التحكيم الدولي‏:‏ ولكن الجهات الحكومية في مصر تقاعست عن تنفيذ أحكام القضاء المصري مما تسبب في كل النتائج التي ترتبت علي هذه القضية من توابع ومفاجآت‏..‏


*‏ إن وجيه سياج استند في هذه القضية إلي جنسيته الإيطالية التي حصل عليها من أمه الإيطالية بعد أن تنازل عن جنسيته المصرية بجانب حصوله علي الجنسية اللبنانية وإن كانت الحكومة اللبنانية قد تقدمت للمحكمة الدولية بما يثبت أن سياج ليس لبنانيا ولكن المحكمة لم تلتفت إلي ذلك‏..‏


*‏ كان أبرز الشهود الذين وقفوا بجانب سياج في هذه القضية الجنرال الإسرائيلي‏'‏ ابراشه‏'‏ وكان عضوا في المفاوضات التي دارت حول طابا بين مصر وإسرائيل بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد واللجوء إلي التحكيم الدولي‏..‏ طالب سياج في القضية بمبلغ‏123‏ مليون دولار أرباحا عن المشروع السياحي الذي كان يسعي لإقامته في طابا مع شركاء الإسرائيليين‏..‏


*‏ هناك قضية أخطر يجب أن نتوقف عندها الآن وهي أن سياج مدين للبنوك المصرية بمبلغ‏100‏ مليون دولار بالفعل وكان ينبغي علي الحكومة المصرية أن تدخل في مقاصه لتحصيل ديون البنوك قبل أن تقوم بسداد‏400‏ مليون جنيه نقدا ولكنها لم تفعل ذلك لأسباب لا يعرفها أحد‏!!‏ والأمر الخطير في القضية أن الديون التي حصل عليها سياج كانت بضمان الأرض المتنازع عليها في طابا والتي تم توقيع الاتفاق بشأنها أي أنه اقترض‏100‏ مليون دولار بضمان أرض دفع فيها أقل من مليون جنيه‏..‏


*‏ بلغت أوراق القضية‏8000‏ ورقة وشارك فيها عدد كبير من المحامين الأجانب والمصريين طوال السنوات الماضية وإن كانت ملكية الأرض الحقيقية مازالت مجهولة ولا أحد يعرف حتي الآن إلي من آلت هذه المساحة من الأراضي رغم امتداد أنابيب الغاز فيها لحساب شركة الشرق للغاز‏..‏ وليست هذه هي المساحة الضخمة الوحيدة التي حصل عليها سياج فهناك مساحات أخري مخصصة لعدد من رجال الأعمال وفي نفس المنطقة وعلي الحدود مع إسرائيل‏..‏ ولا أدري علي من تقع مسئولية فتح هذا الملف الخطير‏..‏


*‏ كان الواضح من البداية أن كل أوراق القضية تتجه لصالح سياج سواء في قرارات تخصيص الأرض أو قرار الاستيلاء عليها للمنفعة العامة وبعد ذلك قرار تخصيصها لمستثمر آخر‏..‏ وقد استند سياج إلي هذا التخبط بين أجهزة الدولة المصرية في القرارات أمام التحكيم الدولي بجانب رفض الحكومة تنفيذ أحكام القضاء المصري مما أوقعها فريسة للقضاء الدولي لصالح رجل الأعمال‏..‏


*‏ كل ما وصلني حول القضية رسالة من المستشار صدقي عبد الرحمن خلوصي رئيس هيئة قضايا الدولة يؤكد فيها أن ما بقي من القضايا المرفوعة ضد مصر أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بالبنك الدولي هي‏4‏ قضايا من أجمالي‏12‏ قضية انتهت سواء بالفصل فيها أو بتسويتها‏..‏ وهي قضية شركة‏HSH‏ بشأن فندق العين السخنة وتجديد إيجاره‏..‏ وقضية شركة ماليكروب الانجليزية بشأن مطار رأس سدر‏..‏ وقضية دعوي البطلان من شركة هلنان حول انتهاء عقد إيجار فندق شبرد ودعوي البطلان المقامة من عادل طالب اغا والذي يطلب التعويض عن استثماراته في مجال النسيج‏..‏


*‏ أما الحكومة ووزارة المالية فلم يذكر أحد شيئـا عن التسوية التي تمت بين سياج والحكومة المصرية وحصل سياج بمقتضاها علي‏400‏ مليون جنيه‏'‏ كاش‏'‏ بشيك مصرفي‏..‏ بجانب‏100‏ مليون دولار ديونا عليه‏..‏



مازلت انتظر ردا من الحكومة حول سداد هذه التعويضات ومن أي بند في الميزانية دفعت الحكومة‏400‏ مليون جنيه هل من الضريبة العقارية التي تحاصر الحكومة المواطنين بها أم من أموال التأمينات والمعاشات الخاصة بالمواطنين أم من مائة مليار جنيه قال وزير المالية أن الحكومة الذكية تقترضها كل عام أي أنها تقترض صباح كل يوم‏30‏ مليون جنيه أي أنها اقترضت أكثر من‏500‏ مليار جنيه في خمس سنوات هي عمر حكومة رجال الأعمال ولا أحد يعرف أين ذهبت هذه البلايين وحالة المياه تزداد سوءا وحالة النظافة تزداد تخلفـا والأمراض والذبالة والسحابات السوداء تحاصر المصريين من كل اتجاه‏..‏ أين تنفق الحكومة مائة مليار جنيه تقترضها سنويا ومن الذي سيسدد هذه الديون وما هي بلاعات الأنفاق الحكومي التي تضيع فيها كل هذه البلايين وماذا تساوي الضريبة العقارية أمام هذه المليارات التي تنفقها الحكومة بلا حساب‏..‏



يحدث هذا ومواكب مصلحة الضرائب تطارد المواطنين بالضريبة العقارية في كل مكان وكان أولي بوزير المالية أن يحمي أموال الشعب ولا يصدر شيكـا علي حكومته بمبلغ‏400‏ مليون جنيه تعويضا لشخص واحد مقابل قطعة أرض حصل عليها بدون وجه حق بتأشيرات من مسئولين كان ينبغي أن يحاكم كل واحد منهم بتهمه إهدار المال العام وهذا ما نرجوه من النائب العام الرجل المحترم المستشار عبد المجيد محمود‏..‏


*‏ إن وزير المالية الذي يريد أن يضع جدولا للضريبة العقارية بعدد شبابيك البيوت كما كان يحدث في فرنسا منذ مائتي عام‏..‏ وأطلق رجاله في كل أرجاء المحروسة في حملة جباية ضارية ويتحدث عن ضرائب علي الكلاب في الدول الأجنبية وضرائب علي أكشاك السجائر في المحروسة ولم يذكر لنا حجم الضرائب المتأخرة علي رجال الأعمال والغزلان وأباطرة الحزب الوطني ورفض بصورة قطعية فكرة اعفاء المسكن الخاص وهو عرف دولي أو تأجيل هذه الضريبة بعض الوقت‏..‏ كل هذه الصور القبيحة تعكس هذا التناقض الرهيب وتخبط سياسة الحكومة بين دين سنوي يتجاوز مائة مليار جنيه وضرائب متأخره علي رجال الأعمال لم تحصلها الحكومة وهي أيضا بلايين الجنيهات‏..‏ كل هذه الصور تجعلنا نسأل أين تذهب كل هذه الأموال‏..‏ وأين مشروعات الخدمات التي تتحدث عنها الحكومة‏..‏ أين أجهزة النظافة وأين المياه النقية وأين مصل أنفلونزا الخنازير في المدارس والجامعات وأين الرعاية الصحية المناسبة‏..‏



إن أسوأ أنواع المسئولين مسئول لا يعرف قلبه شيئـا أسمه الرحمه‏..‏



أنها ليست قضية أرض حصل عليها رجل أعمال بطرق ملتوية فهناك العشرات مثله‏..‏



وليست قضية‏400‏ مليون جنيه تحملها فقراء مصر من ميزانيتها المديونة‏..‏



وليست قضية ديون علي رجل الأعمال ليس هناك أمل في استردادها‏..‏ ولكنها قضية مجتمع يعاني من غياب الضمير‏..‏ وغياب المحاسبة وغياب شيء اسمه الرحمة‏..‏



الحكومة عندنا تعرف جيدا قطار العياط ولكنها لا تعرف قطارا آخر اسمه قطار الرحمة وللأسف الشديد أن قطار الرحمة وصل إلي سياج في باريس ومعه‏400‏ مليون جنيه من الحكومة الذكية ونسي أن يصل إلي شهداء الدويقة والعياط والضريبة العقارية‏..‏



كل ما أرجوه من الرئيس حسني مبارك أن يأمر الحكومة بتأجيل الضريبة العقارية حتي تتحسن أحوال الناس لأنها تمثل الآن هاجسا في بيوت‏30‏ مليون مواطن‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



الطـقـس هذا العام ينـبئني بأن الجوع قـاتل

وبأن أشباح الظـلام‏..‏ تـطل من بين الخمائل

والنـهر يبكي‏..‏ والطـيور تفر من هول الزلازل



فزواج عصر القـهر‏..‏ بالشرفـاء باطل

ما بين مخبول‏..‏ ودجال‏..‏ وجاهل

الصبح في عينيك تـحصده المنـاجل



والفجر يهرب كـلــما لاحت

علي الأفـق السلاسل

لا تتركي النـيران تـلتـهم الربيع‏..‏



وتـرتـوي بـدم السنابـل

فالقـهر حين يطيش في زمن الخطايا

لن يفـرق‏..‏ بين مقـتـول‏..‏ وقـاتل



من قصيدة الطقس هذا العام سنة‏1990‏