Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

لم تتركوا شيئا لنا

هوامش حرة

لم تتركوا شيئا لنا

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



لابد أن أعترف أنني ضد مسلسل البيع العشوائي الذي يجري في مصر الآن‏,‏ وأنني علي يقين أن هناك أشياء كثيرة بيعت ما كان ينبغي لها أن تباع فليست كل الأشياء قابلة للبيع وليس من حق جيل أن يتخلص بهذه الصورة الضارية من أصول وممتلكات وطن هي بكل المقاييس حق ثابت لأجيال قادمة‏..‏ أن قصة الأراضي في مصر وتوزيعها وتخصيصها وعرضها أخيرا في مزادات واحدة من أخطر قصص نهب المال العام والاعتداء علي ثروة هذا الشعب‏..‏



وفي الأسبوع الماضي ثارت الدنيا وتسابق المسئولون في تصريحاتهم النارية ولم تكن لدي أحد منهم الشجاعة لكي يكشف الوجه القبيح لسياسة توزيع وبيع واستنزاف الأراضي في مصر‏..‏ لقد ضاقت المحاكم المصرية بقصص التجاوزات في عمليات تخصيص الأراضي في كل ربوع مصر دون استثناء وانتقلت الحكومات من سياسة وضع اليد إلي البيع إلي التخصيص تم أخيرا إلي المزادات وفي كل الحالات كانت هناك جريمة هي الاعتداء علي ثروة فقراء مصر من الأراضي‏..‏ وللأسف الشديد أن سياسة الارتجال والسرعة وعدم الشفافية أوقعت المسئولين في أخطاء قانونية غابت فيها كل الحسابات حينما وقعت الحكومات الحالية والسابقة صفقات وعقود دون دراسة أوفهم مما أوقعنا تحت طائلة القانون الدولي وأصبحت قضايا منازعات الاستثمار في مصر بندا ثابتـا أمام المحاكم الدولية وقد خسرناها جميعا وما بين أحكام للقضاء المصري لم تنفذ وأحكام دولية واجبة التنفيذ بتعويضات رهيبة كان مسلسل بيع الأراضي العشوائي في مصر وهو بكل المقاييس جريمة من جرائم هذا العصر‏..‏



في الاسبوع الماضي تناولت قضية دولية حول مساحة كبيرة من الأراضي في طابا باعتها الحكومة لأحد المستثمرين ثم استردتها ولجأ هذا المستثمر إلي مركز منازعات الاستثمار بالبنك الدولي واليوم أضع الحقيقة كاملة أمام القاريء من خلال أطرافها الرئيسية‏..‏ رئيس الوزراء السابق د‏.‏عاطف عبيد‏..‏ ووزير السياحة الأسبق د‏.‏ممدوح البلتاجي ورئيس هيئة الدفاع عن الحكومة المصرية في القضية د‏.‏كمال أبو المجد‏..‏ وأخيرا السيد وجيه سياج المستثمر المصري الإيطالي صاحب القضية ومالك الأرض‏..‏


*‏ اتصل بي د‏.‏عاطف عبيد رئيس الوزراء السابق معاتـبـا رغم أنه يعلم مدي تقديري له علي المستوي الشخصي‏..‏ قال د‏.‏ عبيد إنني لم أوقع علي اتفاق أو قرار تخصيص أراضي في طابا لهذا المستثمر وأنه لا دخل لرئيس الوزراء بذلك وأن تملك الأجانب للأراضي في سيناء وحتي الأخوة العرب ممنوع تماما وإذا كانت هناك حصص في شركات فلا يتم ذلك إلا بموافقة الأمن القومي ورئيس الجمهورية‏..‏ واضاف د‏.‏عبيد‏..‏ وفي حالة التنازل والبيع من مواطن مصري لمستثمر أجنبي ينبغي أيضا موافقة هيئة الاستثمار والأمن القومي‏..‏ وبالنسبة للمساحة التي تم تخصيصها للسيد وجيه سياج في منطقة طابا فقد حدث ذلك قبل أن أصبح رئيسا للوزراء وأنا لا أعرف شيئـا عن هذا الموضوع ولكنني أعلم أنه رفع قضية ضد الحكومة المصرية أمام مركز منازعات الاستثمار بالبنك الدولي وللعلم فليس لرئيس الحكومة سلطان علي وزير من الوزراء في مجال اختصاصه ولم تكن لي علاقة بعمليات تخصيص الأراضي أو بيعها لأن هذا اختصاص السادة الوزراء كل في مجاله‏..‏


*‏ علي جانب آخر وفي أكثر من مناسبة أكد د‏.‏ ممدوح البلتاجي وزير السياحة الأسبق أنه لم يوقع عقدا مع هذا المستثمر الذي يطالب بإستعادة الأرض أو صرف تعويضات له وأنه كمواطن مصري من حقه أن يلجأ للقانون المصري في خصومته مع الحكومة‏..‏


*‏ د‏.‏ كمال أبو المجد رئيس هيئة الدفاع عن الحكومة في هذه القضية قال أن هناك أخطاء كثيرة شابت هذه القضية خاصة أن صاحب القضية حصل علي مجموعة أحكام أمام القضاء المصري لم تنفذ وهناك أيضا شركة إسرائيلية في سراديب القضية‏..‏ وكان الدفاع المصري يعتمد في موقفه علي أن مركز منازعات الاستثمار ليس من حقه أن يكون جهة التحكيم علي أساس أن المواطن مصري ولكن السيد سياج يتمتع بالجنسية الإيطالية وأعلن صراحة أن الجنسية المصرية قد سقطت عنه‏..‏ ولهذا قبل مركز الاستثمار القضية وهذه بلاشك تمثل خسارة للجانب المصري في القضية‏..‏


*‏ في أخر الصورة يأتي كلام صاحب القضية والذي أرسل إلي كل أوراقها بالأحكام والقرارات والتوقعات ولنا أن نتصور صورة الاتفاق وما جاء فيه‏..‏


*‏ يقول وجيه سياج


*‏ في‏4\1\89‏ وقعت عقدا مع وزارة السياحة بصفتي صاحب شركة سياج للاستثمارات السياحية وإدارة الفنادق بشراء مساحة‏650‏ ألف متر مربع‏'‏ ستمائة وخمسين ألف متر مربع‏'‏ في منطقة طابا بخليج العقبة علي شاطيء البحر الأحمر بسعر إجمالي قيمته‏975‏ ألف جنيه بسعر المتر جنيه ونصف‏'‏ مائة وخمسون قرشـا للمتر‏'..‏ لإقامة مشروع سياحي خمس نجوم وبدأت في عمليات الإنشاء ودفعت أكثر من‏53‏ مليون جنيه في منشآت ومباني في هذه المنطقة‏..‏ ولأن الدولة كلها تتعامل مع إسرائيل بما في ذلك عدد من الوزراء الحاليين الذين يمارسون أنشطة تجارية مع إسرائيل ولأننا نصدر الغاز المصري لإسرائيل أمام العالم كله وقعت في‏23\8\94‏ عقدا مع شركة لوميرهيلد نجز ليمتد الإسرائيلية لتمويل المشروع بنظام‏'‏ التايم شير‏'‏ وذلك علي أساس أن الدولة كانت تشجع التعاون المصري الإسرائيلي خاصة في مجال السياحة التي فتحنا لها كل الأبواب‏..‏ واستدعاني وزير السياحة في ذلك الوقت د‏.‏ممدوح البلتاجي وطلب مني إخراج الجانب الإسرائيلي من المشروع لأن ذلك يتعارض مع العقد القائم بيني وبين وزارة السياحة‏..‏ وبالفعل دفعت للشركة الإسرائيلية مبلغ‏800‏ ألف دولار كانت قد شاركت بها في المشروع وألغيت أتفاقي معها‏..‏



فوجئت بعد ذلك بعدة قرارات أسقطت حقي في ملكية الأرض‏..‏ في البداية صدر قرار وزير السياحة رقم‏83‏ في‏96/5/23‏ بفسخ العقد المحرر بيني وبين الوزارة واسترداد الأراضي موضوع هذا العقد بما عليها من منشآت وإخطار البنوك التي تم الأقتراض منها بهذا القرار‏..‏



بعد ذلك تصاعدت الأحداث وصدر القرار الجمهوري رقم‏2002/205‏ بتاريخ‏2002/7/15‏ ونشر في الجريدة الرسمية بالعدد‏31‏ بتاريخ‏3002/8/1‏ بتخصيص الأرض المملوكة لي للمنفعة العامة‏..‏



في عام‏2003‏ أصدر د‏.‏ عاطف عبيد رئيس الوزراء القرار رقم‏2003/315‏ بتخصيص أرض المشروع المملوكة لي لشركة غاز الشرق لتصدير الغاز إلي الأردن‏..‏ وتم الاستيلاء علي الأرض بالكامل بما في ذلك المنشآت والمباني التي تكلفت أكثر من‏53‏ مليون جنيه والتي حصلت عليها دون وجه حق شركة غاز الشرق التي استخدمتها بالكامل‏..‏



بعد ذلك لجأت للقضاء المصري في أكثر من دعوي وفي الحكم رقم‏7174‏ لسنة‏50‏ القضائية أصدرت محكمة القضاء الإدراي حكما بوقف قرار وزير السياحة بإسترداد الأرض مع تنفيذ الحكم بمسودته وتغريم وزارة السياحة مبلغ نصف مليون جنيه‏..‏ بعد ذلك صدر حكم آخر تحت رقم‏2227\56‏ بمحكمة القضاء الإداري بوقف قرار رئيس الجمهورية‏..‏ وقرار رئيس الوزراء وإلزام وزارة السياحة بدفع تعويض قدره خمسة ملايين جنيه ولم تنفذ كل هذه الأحكام ولم تحاول الحكومة تعويض ما أنفقته أو دفعته ثمنـا للأرض أو تكاليف للمنشآت بل إنها قدمت الأرض والمنشآت لمستثمر آخر دون وجه حق وللعلم لست المستثمر الوحيد الذي حصل علي هذه المساحة من الأراضي هناك مستثمر آخر حصل علي‏500‏ ألف متر وهذه قضية دولية أخري‏..‏



ولم يكن أمامي وأنا أحمل الجنسية الإيطالية مع الجنسية المصرية لأن والدتي إيطالية غير أن ألجأ إلي القضاء الدولي بعد أن عجزت عن الحصول علي حقوقي التي قررها لي القضاء المصري في أحكام نهائية وأنا أتوقع أن أحصل علي تعويض مناسب في ثمن الأرض التي أشتريتها والمنشآت التي أقمتها أمام مركز منازعات الاستثمار بالبنك الدولي‏..‏



كانت هذه أقوال وأوراق صاحب القضية وجيه سياج‏..‏



بعد هذه الضجة وكل الملابسات التي أحاطت بالقضية من المسئولين والمستفيدين وقطيع المنتفعين يبقي عندي بعض الأسئلة‏:‏


*‏ كيف حصل هذا المستثمر علي هذه المساحة الرهيبة من الأراضي وبهذا السعر البخس في منطقة طابا بكل ما حملت من الدماء والمفاوضات والمعاناة والألم سنوات طويلة بسبب‏700‏ متر اختلفنا عليها مع إسرائيل واعدناها بالتحكيم الدولي وطلوع الروح وماذا يقول المسئول الذي وقع عقد الصفقة بهذه المساحة الرهيبة وهذا السعر المخزي‏650‏ ألف متر مرة واحده بسعر جنيه ونصف للمتر و‏500‏ألف متر لمستثمر آخر بنفس الشروط و‏450‏ ألف من مستثمر ثالث‏..‏ هل هذا معقول‏!‏


*‏ كيف يمكن استبدال مستثمر بآخر ليحل مكانه ويستولي علي ممتلكاته في دولة تحترم قوانين الاستثمار وكيف حدث هذا التداخل الغريب بين القواعد والقوانين التي تحكم إجراءات الاستيلاء علي الأراضي كمنفعة عامة‏..‏ والمشروعات الاستثمارية الخاصة وكيف تم الخلط بينهما بهذه الصورة وما هي الضمانات التي تجعلنا نتأكد بعدم تكرار ما حدث وما هو موقفنا أمام هذه الفضائح الدولية‏..‏


*‏ ماذا يقول كبار المسئولين الذين أنكروا علاقتهم بهذه الصفقة طوال الأسبوع الماضي وكأنهم لا يعرفون عنها شيئـا وهم الذين وقعوا عقودها في البداية ثم استردوها ثم باعوها مرة ثانية‏..‏ وكل الأوراق عندي لمن أراد أن يطلع عليها‏.‏



هذه جرائم لن تموت‏..‏




..‏ ويبقي الشعر





لا تتــركــوا الأوطان أرضا مستباحه

فالأرض تعـرف من يحب تـرابها

الأرض تعـرف من يبيع كنوزها



الأرض تعرف صدقـوني‏..‏

من يصون ومن يفرط‏..‏ من يلــوث عرضها

الأرض ملك للصغار القـادمين مع الصباح



لا تتركـوها للصغار وليمة مسمومة

لا تتركـوها جثــة خرساء تسبح في الجراح

الأرض ليست ملك جيل‏..‏



يستبيح الصبح في أرجائها

ويبيع فيها ما يبيع‏..‏ ولـيس يسأله أحد

ستجـيء أجيال وأجيال تـحاسبنا



وتصرخ في ظـلام قبورنـا

لـم تتركـوا شيئـا لنـا‏..‏