Loading

الأربعاء، 3 فبراير، 2010

إدانة للجميع

هوامش حرة

إدانة للجميع

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



من أسوأ الظواهر في مصر الآن تلك التناقضات التي تجتاح حياة المصريين والتي تصل أحيانـا إلي درجة اللامعقول‏..‏ وما أكثر اللامعقول في حياتنا علي كل المستويات‏..‏ في الوقت الذي شهدت فيه مارينا مدينة السحر والخيال والمسئولين ورجال المال في الساحل الشمالي سباق اليخوت الذي اشتركت فيه‏19‏ دولة‏,‏ كانت جثث بسطاء مصر تتناثر علي الشاطيء المقابل من البحر المتوسط أمام الحدود الإيطالية‏,‏ كان عشرات الغرقي من شبابنا الضائع يصارعون الأمواج ومات منهم من مات ونجا منهم من نجا واكتفينا ببيان صغير تقدم فيه الحكومة العزاء لأسر الضحايا‏..‏ ولم تنس حكومتنا الرشيدة أن تتحمل نفقات نقل هذه الجثث لتسليمها لذويهم في مصر‏..‏

كانت صورة اليخوت علي شاشات التليفزيونات العالمية وهي تخترق البحر المتوسط صورة لمجتمع أخر يراه المصريون فقط علي شاشات التليفزيون بينما كانت أشلاء أبنائهم الضحايا التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية هي الحقيقة المؤكدة والواقع الكئيب الذي يؤكد هذا الانفصال الشبكي في خريطة المجتمع الذي فقدنا معه الرؤيا والرؤي‏..‏

هذا التناقض الرهيب في حياة الناس لا يمكن أن تراه إلا في مصر‏,‏ حيث فقد المجتمع كل جوانب التوازن فيه بين فئات طحنها الفقر وفئات أخري أفسدها الثراء وما بين الفقر الفاحش والثراء المتوحش تحول المجتمع المصري إلي حقل للتجارب تري فيه كل التناقضات والأمراض والعبر‏..‏

ماذا يعني أن يهاجر الآلاف من أبناء مصر ومن شبابها بهذه الصورة الدامية أنهم جميعا في العشرينات من أعمارهم ومنهم من حصل علي أعلي الشهادات الجامعية بأعلي التقديرات‏..‏ ما الذي يجعل شابا في مقتبل العمر يغامر بحياته ويلقي بنفسه منتحرا في سفينة غارقة‏..‏ أن هذا الشاب لم يجد عملا ولم يجد أملا ولم يستطع أن يجد لنفسه مكانـا ولا مكانة في مواكب الفساد‏..‏ إن انتحار ولا أقول غرق شباب مصر أمام شواطئ إيطاليا كل أسبوع إدانة ليس بعدها إدانة‏..‏ والغريب إن الشباب هم أعلي نسبة في سكان مصر وهم ثروة حقيقية في المجتمعات التي تؤمن بقيمة الإنسان وتمنحه فرص التفوق والعمل والإنجاز‏,‏ ولكن لا قيمة الآن في مصر للنبوغ ولا أهمية للتميز ولا مكان للشرفاء في زحمة الفساد والنفاق والتلوث‏..‏

شباب ينتحر غرقـا علي حدود إيطاليا بينما هناك شباب أخر بالآلاف أيضا يذهب هاربا إلي إسرائيل ويتزوج هناك ويحصل علي الجنسية الإسرائيلية مودعا وطنـا وأهلا وزمانـا‏..‏

كيف هان الوطن علي هؤلاء الأبناء حتي مزقوا جوازات سفرهم مدعين أنهم عراقيون أو فلسطينيون منكرين تماما أنهم ينتمون لهذه الأرض التي لفظتهم وهذا المجتمع الذي استباح شبابهم وحقهم في حياة كريمة
شباب يري الآباء الذين ضاعت أعمارهم بحثـا عن رغيف ومسكن ودواء ولم يتحقق شيء من ذلك كله وكان مصيرهم الحزن والموت والاستسلام‏..‏ إنه نفس الشباب الذي غرق في سالم أكسبريس والعبارة‏98‏ وقطار الصعيد ومسرح بني سويف‏..‏ هو نفس الشباب الذي دمره تجار السلع والمخدرات والفنون الساقطة‏..‏

إن هذا المجتمع الذي يطرد أبناءه بهذه الصورة القاسية يحتاج إلي وقفة حاسمة لأننا في كل يوم نخسر أرضا جديدة‏..‏ ولا أتصور ان يستمر الوضع علي هذه الحال أن تكتفي الحكومة بصرف التعويضات وتقديم العزاء دون حساب لأحد أو بحث عن أسباب هذه الظواهر الخطيرة في حياتنا والتي نفقد معها وبها خيرة شبابنا‏..‏

أن سباق اليخوت في مارينا وبقايا الغارقين علي الشاطيء المقابل هي صورة مصر الآن‏..‏ أنها الفارق بين شخص ينتظر في طابور طويل ليحصل علي بيت مساحته‏36‏ مترا يعيش فيها مع أسرته ولا يستطيع الحصول عليه وشخص آخر يحصل علي‏2000‏ فدان بقرار تخصيص دون أن يدفع شيئـا أو يبذل جهدا‏..‏ إنها الفارق بين أطنان القطن التي تنام الآن قتيلة في بيوت الفلاحين في ريف مصر الحزين وترفض الحكومة أن تشتريها منهم وأطنان الحديد والأسمنت التي يربح من وراءها السماسرة الكبار من قادة الحزب الوطني الحاكم ملايين الجنيهات كل يوم‏..‏ إنها الفارق بين قصور أقيمت علي شواطيء النيل ولوثت كل شيء فيه ولم يستطع أحد أن يمسسها بسوء وفقراء الجزر النيلية الذين تطردهم حكومتنا الرشيدة الآن لتقدمها خالية لرجال الأعمال والمستثمرين‏..‏
إن السفن القديمة الغارقة أمام شواطيء إيطاليا وفيها شبابنا الضائع تشبه كثيرا تلك الضمائر التي غرقت في الفساد واستباحت كل شيء ونهبت وطنـا وسرقت خيراته التي هي حق للجميع‏..‏
إن هذه التناقضات التي نشاهدها في مصر الآن تشمل كل شيء ابتداء بالسحابة السوداء التي تأكل صدور أبنائنا وانتهاء بلهيب الأسعار الذي يحرق البسطاء والفقراء من أبناء هذا الشعب ولا يجدون أحدا يرحمهم‏..‏

لقد كانت مصادفة غريبة أن يتساقط شباب مصر غارقا علي شواطيء إيطاليا بينما تهتز القاهرة باحتفالات الحزب الوطني في مؤتمره التاسع وعشرات الندوات والجلسات والخطب التي تتحدث عن المستقبل المضيء والأحلام الوردية‏..‏ كان صوت أفراح الحزب الوطني يهز أرجاء العاصمة بينما عشرات الجثث تطفو أمام وسائل الإعلام العالمية وهي تتحدث عن السفن المصرية الغارقة وهي تحمل عشرات الهاربين من نيران هذا المجتمع الذي افتقد أبسط قوانين العدالة‏,‏ كانت الصورة حزينة باكية في نجوع مصر وقراها بينما كان الحزب الوطني يضيء شموعه وقناديله‏..‏ مازلت أقول إن اختلال المنظومة الاجتماعية والإنسانية في مصر خطر يهدد كل شيء في حياتنا‏,‏ والغريب في الأمر أنه لا أحد يسمع ولا أحد يريد أن يفيق من سكرة هذا الواقع الكئيب‏..‏

هذه هي صورة مصر الآن شباب أكلته أسماك البحر المتوسط أمام شواطيء إيطاليا وشباب يرقص علي المياه الزرقاء في يخوت مارينا وما بينهما مسافة بعرض هذا الكون بين ظلم جائر وعدالة غائبة ومجتمع فقد أبسط قوانين الإنسانية والرحمة‏..‏





ويبقي الشعر


مازلت أذكر عندما جاء الرحيل

وصاح في عينـي الأرق

وتعثـرت أنفاسنـا بين الضـلوع



وعاد يشطـرنا القلق

ورأيت عمري في يديك

رياح صيف عابث



ورماد أحلام وشيئـا من ورق

هذا أنا‏..‏

عمري ورق‏..‏



حـلمي ورق‏..‏

طفل صغير في جحيم الموج

حاصره الغرق



ضوء طريد في عيون الأفق

يطويه الشـفق

نجم أضاء الكون يوما واحترق



لا تسألي العين الحزينة

كيف أدمتـها المقل‏..‏

لا تسألي النـجم البعيد



بأي سر قد أفل

مهما تواري الحـلم في عيني

وأرقني الأجل



مازلت ألمح في رماد العمر

شيئـا من أمل

فغدا ستنبت في جبين الأفـق



نجمات جديده

وغدا ستـورق في ليالي الحزن

أيام سعيدة



وغدا أراك علي المدي

شمسا تـضيء ظلام أيـامي

وإن كانت بعيده


'‏من قصيدة لو أننا لم نفترق سنة‏1997'‏