Loading

الأربعاء، 3 فبراير، 2010

في رحاب كفافيس ومحمد علي

هوامش حرة

في رحاب كفافيس ومحمد علي

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة

 

في الأسبوع الماضي حملتني الطائرة في رحلة قصيرة جدا إلي اليونان لأتسلم جائزة كفافيس العالمية في الشعر في مدينة كافالا وهي الأسم اليوناني‏'‏ لقوله‏'‏ مسقط رأس محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة وهي مدينة صغيرة وجميلة تقع علي الساحل الشمالي لبحر إيجه وهي قريبة جدا من الحدود التركية ولا يزيد عدد سكانها علي‏70‏ ألف نسمة وأعلي مبني فيها لا يتجاوز ارتفاعه سبع طوابق وهي منطقة جبلية تعانق طرقاتها شواطيء خليج كافالا بمياهه الساحرة‏..‏ لم تكن هذه هي المرة الأولي التي أزور فيها اليونان فقد ذهبت إلي هناك أكثر من مرة ابتداء بأثينا العاصمة مرورا علي مدينة الآلهة في اليونان‏'‏ دلفي‏'‏ وقد اسعدتني كثيرا جائزة كفافيس لأنها اكتسبت احتراما ومصداقية منذ أنشأتها الحكومة اليونانية بالاتفاق مع مكتبة الأسكندرية في بداية التسعينات فقد حصل عليها عدد من المبدعين في مصر واليونان طوال هذه السنوات ويكفي أن الجائزة شرفت يوما باسم كاتبنا الكبير الراحل نجيب محفوظ‏.‏



يضاف لهذا أن كفافيس شاعر كبير علي المستوي العالمي فهو صاحب تجربة رائدة حملت خلفها مواكب من المبدعين نحو أفاق جديدة من التجريب والثورة علي الأشكال التقليدية للشعر في مناطق كثيرة في العالم‏..‏ كما أن كفافيس هو الشاعر الذي تغني بهموم الإنسان دون أن ترتبط تجربته بوطن أو لغة أو عقيدة وهو يمثل نموذجا فريدا في التمرد الواعي علي المسلمات وقبل هذا كله فإن كفافيس ابن بار لمدينتنا العريقة الاسكندرية التي عاش ومات فيها وكان عاشقـا من عشاقها الكبار‏..‏



لم تكن الاحتفالية التي تسلمت فيها جائزة كفافيس ووسام الحكومة اليونانية قاصرة علي اسم كفافيس وحده كان هناك اسم آخر أكثر بريقـا بالنسبة لنا وهو محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة‏..‏ إن في مدينة كافالا الآن معهدا للدراسات الشرقية يحمل أسم محمد علي وهناك فندق كبير أقيم علي الطراز العثماني وهو في الأساس مدرسة أقامها محمد علي في هذه المدينة عندما كان حاكما لمصر‏..‏ وفي كافالا أيضا يقع بيت محمد علي علي ربوة عالية وقد تحول إلي متحف يضم آخر ما بقي من أثار هذا الرجل الذي أثار حوله جدلا كبيرا حيا وميتـا‏..‏ وفي حديقة بيت محمد علي يقف شاهدان هما قبر أمه وأبيه وتمثال ضخم لمؤسس الأسرة العلوية أقامته الجالية اليونانية في مصر منذ سنوات‏..‏



وهنا وجدت نفسي أمام أكثر من احتفالية‏..‏ علي المستوي الشخصي تسلمت الجائزة‏..‏ وعلي المستوي الشعري رأيت ما بقي من آثار كفافيس وأوراقه ومذكراته وكتبه في معرض أقيم بهذه المناسبة وعلي المستوي التاريخي عشت لحظات في بيت محمد علي ومدرسته وأنا واحد ممن يقدرون تاريخ هذا الرجل ووعيه الحضاري والإنساني وتجربته الرائعة في الحكم وإن كنت أختار من هذه الأسرة بعد ذلك إبراهيم باشا المحارب الجسور والخديوي إسماعيل وشواهد عصره مازالت تحكي أمامنا تجربة حاكم عظيم هذه الأسماء الثلاثة تمثل عندي أفضل الصفحات في تاريخ أسرة محمد علي في حكم مصر وهي مازالت حتي الآن تطرح الكثير من التساؤلات والمواقف‏..‏



كانت هناك أكثر من وقفة فكرية في هذه الاحتفالية كان الحديث خافتـا أحيانـا وواضحا في أحيان أخري حول قضية صراع الحضارات وما يجري في العالم الآن من معارك تحت ستار الحضارة المزعومة والتخلف المفروض وفي كلمة قصيرة أبديت رأيي بعد أن تسلمت الجائزة‏..‏



قلت أننا في مصر لم نعرف يوما شيئـا يسمي صراع الحضارات بل أن الأرض المصرية احتضنت من الأجناس والأديان واللغات مالم يفعله مكان آخر في العالم‏..‏ ونحن اليوم أمام نموذجين نحتفل بهما الآن في اليونان نشأ كل منهما علي ضفاف نيلنا الخالد ومدينتنا الساحرة الاسكندرية وكلاهما ليس مصريا‏..‏ نحن أمام شاعر يوناني عظيم عاش في منزل بسيط بشارع شريف بالاسكندرية وكان موظفـا لسنوات طويلة في وزارة الري المصرية ولم يستطع أن يعيش بعيدا عن المدينة التي أحبها حتي مات وعمره‏77‏ عاما ودفن فيها وكتب فيها أجمل أشعاره التي تجاوزت مائة وخمسين قصيدة مارس فيها كل أشكال الحرية رفضـا وثورة وتجاوزا في كثير من الأحيان‏..‏ وكان كفافيس تجربة فريدة في هذا العناق الأزلي بين الحضارة المصرية والحضارة اليونانية ابتداء بالإسكندر الأكبر مرورا علي أفلاطون وأرسطو وانتهاء بملكة مصر المتوجة كليوباترا‏..‏ ولنا أن نتصور بلدا كانت المرأة فيه ملكة تحكم في وقت كان العالم يسبح في ظلام التخلف والجهل والعبودية وكانت كل أجناس الدنيا تعيش في مصر بلا تمييز أو تفاوت بين جنس وجنس آخر منذ ألاف السنين‏..‏ وقلت في كلمتي أنني أري دائما أن اليونان هي قبلة الثقافة الغربية فهي التي قدمت للعالم الدساتير ونظم الحكم والديمقراطية والحريات وحكم الشعوب قبل أن يعرف الغرب ذلك كله وهي التي قدمت للعالم الألياذه والادويسا وهيميروس وأفلاطون وسقراط وارسطو بينما كان الغرب ضائعا في تخلفه وظلامه وعلي الجانب الآخر كانت حضارة مصر القديمة تضيء الكون بأول دعوات التوحيد في اخناتون ورموز الفنون في العمارة وعبقرية البناء في الأهرامات واستنارة العلم في التشريح والرياضيات وكانت مكتبة الاسكندرية منارة العلم في هذا العالم المظلم من حولنا‏..‏ كان لقاء الحضارتين المصرية واليونانية لقاء فريدا في كل شيء‏..‏ ولهذا لم يكن غريبا أن يتم هذا التلاقي الحضاري والفكري والإنساني بين مصر واليونان منذ آلاف السنين وأن يشهد البحر المتوسط هذه الرحلة الإنسانية الرفيعة حربا وسلاما وفنـا وعلما وإبداعا‏..‏



النموذج الثاني الذي يؤكد ذلك التلاقي الحضاري هو موقف مصر من محمد علي الجندي الغريب القادم إلي أرض الكنانة ليختاره ممثلو هذا الشعب حاكما رغم سطوة القوي السياسية التي تهيمن علي مصر في ذلك الوقت وفي مقدمتهم المماليك‏..‏ وعاش محمد علي حاكما متوجا في مصر رغم أنه لم يتحدث لغة شعبها يوما وبقيت أسرته من بعده مائة وخمسين عاما تعيش علي ضفاف النيل بعد أن سري في دماها جيلا بعد جيل ومازال المصريون يقدرون تاريخ محمد علي وإنجازاته حكومة وشعبا لأن مصر لا يمكن أن تتنكر لمن قدم لها جهدا أوعمرا أوعطاء لقد عاش محمد علي الالباني الجنسية المصري الهوي والانتماء كل حياته في مصر وقدم لها تجربة رائعة في بناء الدولة الحديثة جيشـا وأرضا ودورا وريادة‏..‏ دون أن يشعر فيها أنه غريب عنها أو أنه جاء من وطن آخر‏..‏ أن نموذج كفافيس اليوناني الذي أحب الاسكندرية ومحمد علي الالباني الذي حكم مصر أكبر دليل علي أننا لم نعرف يوما شيئـا يسمي صراع الحضارات لأن المعني الحقيقي للحضارة هو التقدم والوعي وإدراك قيمة الإنسانية ولكن الغرب حين أحتل أراضينا ونهب ثروات شعوبنا واعتدي علي مقدساتنا خلق هذه المواجهة وهي لا تمثل صراعا بين حضارات ولكنه صراع بين المصالح والفرق كبير جدا بين أفكار ورؤي تختلف وتتحاور وقوي تدمر وتقتل وتنهب تحت أسم الحضارة لقد عرف الشعب اليوناني مثلنـا عصور الاستعمار والاحتلال والتبعية وعاني منها سنوات طويلة رغم أننا كنا صناع حضارة وبناة أمجاد في يوم من الأيام‏..‏ كانت هذه بعض الأفكار التي طرحتها في كلمتي القصيرة وأنا أشكر المسئولين والمثقفين والشعراء في اليونان الذين استقبلوا الوفد المصري بحفاوة بالغة‏..‏



كانت احتفالية ثقافية وفنيه رائعة رغم أنها كانت قصيرة للغاية ولكن يكفي أنها جمعت شاعرا في قامة كفافيس وحاكما في تاريخ محمد علي‏..‏ ولأنني عاشق قديم لليونان الأرض والطبيعة والثقافة والبشر كنت سعيدا أن أتسلم جائزة واحد من أبنائها الذين نعتز بهم في مصر كما تعتز به اليونان‏..‏ وانتهت احتفالية كفافيس محمد علي في كافالا لتبقي المشاركة الإنسانية الرفيعة ويسقط ما يسمي صراع الحضارات لأن الحضارة الحقيقية تفتح ألف طريق للحوار ولا تفتح بابـا واحدا للصراع



أن مصر واليونان قدمتا للحضارة الإنسانية زادا حضاريا عظيما في الماضي وصورة من صور التوحد بين الحضارات في عالم تتنازعه الصراعات وتعصف به المصالح كان اللقاء تأكيدا علي معني جميل أن الحوار هو الطريق الوحيد لمستقبل أفضل للإنسانية‏..‏ ما أجمل أن تقضي وقتـا رائعا حتي وإن كان قصيرا في رحاب شاعر مبدع وحاكم عبقري وبلد علم الناس معني الحق والخير والجمال‏..‏











 
ويبقي الشعر


 
لو أننـا‏..‏ لم نفـتـرق

لبقيت نجما في سمائك ساريا

وتركت عمري في لهيبك يحترق



لو أنني سافرت في قمم السحاب

وعدت نهرا في ربوعك ينطلق

لكنـها الأحلام تنثرنـا سرابا في المدي



وتظل سرا‏..‏ في الجوانح يخـتنق

لو أننـا لم نفترق‏..‏

كانت خطانـا في ذهول تبتعد



وتشدنـا أشواقـنا

فنعود نـمسك بالطـريق المرتـعد

تـلقي بنـا اللـحظات



في صخب الزحام كأنـنـا

جسد تناثر في جسد‏..‏

جسدان في جسد نسير وحولنا



كانت وجوه النـاس تجري كالرياح

فلا نـري منـهم أحد

‏'‏من قصيدة لو أننا لم نفترق سنة‏1997'‏