Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

تناقضات مصرية

هوامش حرة

تناقضات مصرية

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




فتحت الإسكندرية عيونها في الصباح علي احتفالية رائعة لأفتتاح فندقها العملاق الذي بلغت تكاليفه ثلاثة بلايين جنيه‏..‏ في منتصف نفس اليوم كان أهالي قرية البرلس في محافظة كفر الشيخ يقطعون الطريق الدولي ويمنعون مرور المواطنين وهم يحملون الصفائح الفارغة والجراكن مطالبين الحكومة بتوفير مياه الشرب حيث إنهم يعانون من هذه الكارثة منذ ما يقرب من عامين‏..‏ مشهدان في بلد واحد وأمام حكومة واحدة وأبناء شعب واحد وبينهما ما بين السماء والأرض في الإنجاز والقصور والتكاسل‏..‏



توقفت كثيرا عند هذه الصورة وأنا أتساءل عن هذا التناقض الشديد بين الإنجاز والفشل‏..‏ بين الإنصاف وغياب العدالة‏..‏ بين من ملكوا كل شيء‏..‏ ومن خسروا كل شيء‏..‏ بين نجاح مذهل في إقامة بنية أساسية في شرم الشيخ وفشل ذريع في مواجهة أزمة العشوائيات التي يعيش فيها‏15‏ مليون مصري‏..‏ بين منتجعات في القطامية غاية في الأناقة والجمال وكوارث غاية في البؤس في قلعة الكبش‏..‏ بين نجاح في توصيل الغاز إلي المدن والقري الإسرائيلية علي بعد ألاف الأميال وقصور فج في توصيل مياه الشرب إلي قري مصر ونجوعها علي بعد أمتار من نهر النيل‏..‏



وللأسف الشديد أن هذه هي مصر الآن التي انقسمت إلي فريقين لا ثالث بينهما قلة وفرت لها الدولة كل وسائل الثراء والرفاهية والسفه واغتنام الفرص وأغلبية مطحونة تبحث لنفسها وسط هذا الظلام الدامس عن نقطة ضوء هاربة‏..‏ يخيل إلي أحيانـا أن حكومة مصر للأغنياء فقط وأننا في حاجة إلي حكومة أخري للغالبية العظمي من المصريين وهم الفقراء‏..‏



هذه هي مصر الآن التي تحمل كل تناقضات العالم ما بين منتجعات خارج كل الحسابات وعشوائيات تعيش خارج الزمن والحياة‏..‏ وفي تقديري أن هذا التناقض المخيف وهذا التفاوت الرهيب في توزيع الثروة بين أبناء المجتمع الواحد قد خلق مناخا مريضا في كل شيء أن من يملكون تنقصهم الرحمة والشفافية ومن لا يملكون لا يمكن أن يكون الصبر سلاحهم الدائم بعد أن عرفوا طريقهم للشوارع رفضا وتمردا واحتجاجا‏..‏



ولاشك أن هناك أطرافـا كثيرة تتحمل مسئولية هذا الواقع المتناقض البغيض‏..‏ أول هذه الأطراف هي سياسة الحكومات ولا أقول حكومة واحدة طوال السنوات الماضية في خلق طبقة اجتماعية جديدة افتقدت كل المقومات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية‏..‏ أن الطبقات الاجتماعية تقوم علي أسس من التراكم المادي والحضاري والسلوكي الذي يضعها في مكانها ومكانتها بلا ضغوط أو تحايل‏..‏ وهذه الطبقات تستمد قيمتها ودورها من خلال تاريخ طويل من الجهد والمشاركة والطموح والإنجاز ثم تفرض نفسها فرضا علي الواقع الاجتماعي من خلال قدرات حقيقية وأدوار واضحة ومسئوليات ومواقف‏..‏ ولكن الذي حدث في مصر أن الطبقة الجديدة التي أنشأتها الدولة لم تكن مهيأة لأن تكون صاحبة دور ورسالة‏..‏ فهي طبقة لقيطة النسب والوجود والعنوان‏..‏ ولهذا فشلت وتكشفت عوراتها وأخطاؤها قبل أن تكمل صورتها فأصبحت مثل الجنين المشوه وقد لعبت الحكومة الدور الأكبر في تنصيب هذه الطبقة وتوفير الامتيازات لها من الأراضي الشاسعة بلا مقابل‏..‏ والقروض من البنوك بلا حسابات وتوجت ذلك كله بهذا الزواج الباطل بينها وبين السلطة‏..‏



ولاشك أن بناء هذه الطبقة كان علي حساب بناء المجتمع كله‏..‏ لقد اكتفت الدولة بأن تقيم طبقة حتي ولو كانت محدودة العدد والدور عن أن تقيم مجتمعا متكاملا تتوافر فيه وله عوامل الأمن والاستقرار والكفاية‏..‏ والعدالة والأخطر من ذلك أن هذه الطبقة الجديدة دمرت طبقات أخري في رحلتها للصعود‏..‏



أن أخطر ما في هذه الظاهرة أن هذه الطبقة قد خذلت الدولة في أحلامها بأن تكون عامل بناء علي المستوي العام وبدلا من أن تتحمل جزءا من عبء التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية تحولت إلي عبء علي الدولة والمجتمع معا وقد تجسد ذلك في سلوكيات استفزازية مارستها هذه الطبقة أو خطايا أخلاقية في قضايا الهاربين بأموال البنوك أو أعباء اجتماعية فيما فرضته علي أبناء المجتمع من التزامات مخيفة في أسعار السلع والاحتياجات الأساسية في ظل منظومة احتكارية متوحشة لقد كانت صناعة هذه الطبقة بعيدا عن نسيج المجتمع المصري خطيئة دفع المجتمع ثمنها بقسوة‏..‏ وبعد ذلك كانت حالة التخبط التي حدثت في برامج الخصخصة وتوابعها حيث غابت عوامل كثيرة لعل أهمها إسقاط البعد الاجتماعي في سرعة التغيير وغياب الشفافية بصورة مخيفة في عمليات البيع والتخلص من أصول الدولة المصرية‏..‏ وسوف يقال يوما أن مصر تعرضت لعملية نهب ضارية لثروتها وأصولها في هذه السياسة التي لم تراع ظروف المجتمع ومكوناته‏..‏ لقد تم بيع مشروعات كثيرة ولا أحد يعرف ماذا حققت الدولة من ذلك إلا المزيد من البطالة والديون والعجز في الميزانية بجانب تراجع مستوي الإنتاج والغريب في الأمر أن الطبقة الجديدة هي التي حصدت ثمار ذلك كله‏..‏



وهنا كانت عمليات الشراكة الغامضة بين المسئولين ورموز الطبقة الجديدة الصاعدة التي حصلت علي النصيب الأكبر في ثروة مصر بلا جهد أو عمل أو استحقاق‏..‏ ولهذا انحصرت أبواب التفوق والتميز في مصر في السنوات الأخيرة في مجالات البيزنس وجمع الاموال وانحصرت في أبناء المسئولين أو المستفيدين من أبناء الطبقة الجديدة‏..‏ وفي هذا المناخ غاب تماما البعد الاجتماعي والإنساني من سياسات الحكومة وانحصرت كل توجهاتها في تشجيع الطبقة الجديدة وتوفير كل الوسائل أمامها للثراء السريع وهنا أيضا كانت ظواهر انتشار الفساد في مواقع العمل المختلفة دون رقيب أو حسيب أو مساءلة‏..‏



لقد سقط هذا الفاصل المانع بين المال العام وحرمته والمال الخاص وطموحاته وتحول مال الدولة في أحيان كثيرة إلي ملكية خاصة مارس فيها البعض كل ألوان التحايل والنصب والنهب والسرقة دون أن يحاسبه أحد‏..‏ ومع غياب البعد الإجتماعي في سياسة الحكومة وغيابه اكثر في دور الطبقة الجديدة التي لم تراع ما وصلت إليه أحوال الطبقات الأخري من التراجع ساءت أحوال الإنسان المصري وأصبح مهددا في حياته مما يجعلني أطالب بحكومة للفقراء وللحديث بقية‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏







ويبقي الشعر





يا ليـلة الإسراء عودي بالضياء

يتسلــل الضوء العنيد من البقيع

إلي روابي القـدس



تنـطلق المآذن بالنداء

ويطل وجه محمد

يسري به الرحمن نـورا في السماء‏..‏



الله أكـبر من زمان العجز‏..‏

من وهن القــلـوب‏..‏ وسكرة الضعفـاء

الله أكـبر من سيوف خانـها



غدر الرفاق‏..‏ وخسة الأبنـاء

جلباب مريم

لم يزل فوق الخليل يضيء في الظلماء



في المهد يسري صوت عيسي

في ربوع القدس نهرا من نقاء

يا ليــلة الإسراء عودي بالضياء



هزي بجذع النـخــلة العذراء

يساقط الأمل الوليد علي ربوع القدس

تنـتفض المآذن يبعث الشهداء



تتدفق الأنهار‏..‏ تشــتعل الحرائق

تستـغيث الأرض تهدر ثورة الشرفـاء

‏'‏ من قصيدة ماذا تبقي من بلاد الأنبياء سنة‏2000'‏