Loading

الاثنين، 1 فبراير، 2010

سكون العاصفة

هوامش حرة

سكون العاصفة

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




إن التداخل الشديد في المصالح بين أهل السلطة وأهل المال جعل المال سلطانـا يحكم الجميع‏..‏ في ظل هذا كله غابت قوانين العدالة‏..‏ وتسابق المجتمع بضراوة نحو العنف وفقدت العلاقات الاجتماعية جذورها وأخلاقياتها وأصبحنا نقف بين فريقين أغلبية تعاني ظروفـا حياتية صعبة وقلة قليلة استطاعت تأمين نفسها وأبنائها بأخطر أسلحة العصر وهو المال وفي تقديري أننا جميعا سوف ندفع ثمن ذلك عندما نكتشف أن من ملكوا كل شيء ليسوا في دائرة الأمان الكامل وأن من لم يملكوا أي شيء لن يظلوا سجناء الصمت القاتل‏..‏ وأن الظواهر الغريبة التي قامت علي أخطاء ينبغي إصلاحها حتي لا تصبح ألغاما تهدد أمن المجتمع وسلامته‏..‏



ولهذا أقول‏..‏ أن مسئولية الدولة في هذه المرحلة الحرجة أن تسرع ما استطاعت لإعادة التوازن إلي العلاقات والمصالح والمواقع بين أبناء المجتمع الواحد قبل أن يفلت الزمام‏..‏ أعرف أن المهمة صعبة للغاية لكنها ليست مستحيلة‏..‏ وهي أفضل كثيرا من أشياء قد لا نراها الآن‏..‏ وهنا ننجد سؤلا فرض الآن نفسه‏..‏ كيف يستعيد المجتمع المصري توازنه الإنساني والاقتصادي والأخلاقي‏..‏ كيف يشعر المواطن أنه شريك في هذا الوطن‏..‏ وكيف يمكن للغالبية العظمي أن تستعيد حقها المسلوب ومستقبلها الضائع‏,‏ إن أخطر ما نواجهه الآن هو ما تعانيه الأغلبية المهمشه من ظروف اقتصادية وإنسانية صعبة‏..‏ وعلي المجتمع أن يبحث لهؤلاء عن حلول سريعة‏..‏



في تقديري أن الحل يكمن في أسباب الأزمة‏..‏ بمعني أن الذين صنعوا المشكلة هم أنفسهم الملزمون بحلها وهنا تقع المسئولية علي طرفين رئيسيين هما الحكومة والطبقة الجديدة التي صنعتها الدولة في الأعوام الأخيرة ثم يأتي الدور علي الأغلبية المطحونة والمهمشه والتي استسلمت لأقدارها التعيسة‏..‏



إن الحكومة هي التي تتحمل مسئولية الخلل الذي أصاب الواقع الاجتماعي في مصر‏,‏ هي التي قامت بتوزيع الثروة علي أسس افتقدت الشفافية والعدالة‏..‏ وهي التي استخدمت موارد الدولة بصورة خاطئة وعليها أن تعيد حساباتها في ذلك‏..‏ وهي التي قسمت المجتمع المصري إلي طبقتين من يملكون ومن لا يملكون‏..‏ وقبل هذا كله هي التي وضعت أساس هذا الزواج الباطل بين السلطة ورأس المال وسمحت بكل تجاوزاته‏..‏ ومن هنا ينبغي أن تواجه الحكومة هذه العلاقات الخاطئة وتعيد ترتيبها إذا كانت بالفعل جادة في إصلاح ما أفسدت‏..‏



لا يعقل مثلا أن تبيع الحكومة خدماتها لمن أخذوا كل شيء بنفس الأسعار التي يتحملها من خسروا كل شيء‏,‏ لا يعقل أن يكون سعر الكهرباء في مصانع الحديد والأسمنت لأصحاب البلايين أقل من أسعارها للمواطنين الغلابة‏..‏ أو أن يكون سعر الغاز للمصانع الكبري هو نفس السعر وربما أقل من سعر الاستخدام المنزلي العادي‏..‏ لا يعقل أن يتساوي من يدفع للجامعة الخاصة مائة ألف جنيه وتتوافر له كل سبل الراحة‏,‏ مع شاب متفوق لا يجد مدرجا يجلس فيه في جامعة حكومية‏..‏ أو أن يموت مواطن علي أبواب مستوصف حيث لا علاج ولا خدمات بينما تحصل المستشفيات الخاصة علي نفقات لا يقدر عليها أحد‏..‏ وهذا يعني ضرورة توزيع أعباء الحياة علي المواطنين حسب قدرات وظروف كل منهم‏..‏ وهذا يتطلب أن ينتقل دور الحكومة من سياسة الدعم إلي سياسة المشاركة بحيث يكون لهذه الصيغة ثلاثة أضلاع رئيسية أولها‏:‏ جهاز حكومي يراعي قواعد الشفافية والعدالة‏..‏ وثانيها‏:‏ طبقة قادرة تفي بالتزاماتها الاجتماعية وثالثها‏:‏ طبقة أخري تحتاج إلي مناخ يشجعها علي العمل والإنتاج والمشاركة‏..‏



لا ينبغي أبدا أن تبقي الحكومة تؤدي دور الأب أو أن تبقي الطبقة الغنية سجينة أنانيتها ومصالحها‏..‏ أو أن يظل طابور الفقراء حائرا بين السلبية والشكوي لأن الوطن ملك لهؤلاء جميعا‏..‏



ومن أهم عناصر هذه المعادلة الطبقة الجديدة التي أخذت كل شيء ويبدو أنها لا تريد أن تتحمل مسئولية أي شيء‏..‏ لن أتحدث هنا عن الهاربين بأموال البنوك أو كبار المسئولين الذين نهبوا مؤسسات الدولة أو سراديب البيزنس التي شهدت ملايين الصفقات بين الحكومة والقطاع الخاص في ظل زواج باطل‏..‏ ولكنني أتحدث عن أشخاص يؤمنون بدور الرأسمالية الوطنية ويؤدون حق المجتمع ويدركون أن الرخاء لا يتجزأ وأن الرفاهية ينبغي أن تكون للجميع‏..‏ وهنا أتساءل‏..‏ إذا وجدنا الحكومة عاجزة عن شراء محطة تنقيه للمياة في إحدي القري لماذا لا يسارع واحد أو اثنين أو عشرة من أصحاب الملايين لشراء أكثر من محطة وتوزيعها علي المناطق المحرومة من مياه الشرب‏..‏ لماذا لا يقيم أحدهم مدرسة أو مستوصفـا أو دارا للمسنين‏..‏ لماذا لا يفكر رجال الأعمال في كل محافظة في إنشاء صندوق للخدمات بما في ذلك الصحة والتعليم والمرافق والمياه والكهرباء بحيث يمكن أن يساعد في إنشاء مدرسة أو مستوصف أو شبكة مياه في قرية أو حي أو حتي مدينة‏..‏ أين كان رجال الأعمال في كثير من الأزمات التي يواجهها المصريون؟ أين كانوا في أزمة أنفلونزا الطيور والخسائر التي لحقت بفقراء مصر ؟أين كانوا عندما غر

قت العبارة ؟‏..‏ أين كانوا في القري التي لا تجد مياه للشرب ؟‏..‏ أين كانوا من مدارس ليس فيها دورات مياه للتلاميذ ؟‏..‏ أين كانوا والجامعات الإقليمية تقام في مباني المدارس الابتدائية ؟ أن الطبقة الجديدة تظلم نفسها كثيرا إذا بقيت سجينة الأنانية وحب المال ونسيت دورها الإنساني والاجتماعي والأخلاقي تجاه الأخرين‏..‏ إنني أتمني أن أقرأ قريبا عن تأسيس جماعات أهلية للخدمة العامة وصناديق لتمويلها من شركات القادرين ولا أقول تبرعاتهم‏..‏ بحيث يتم ذلك كله بعيدا عن عين وأيدي الحكومة‏..‏



يبقي بعد ذلك الطرف الثالث في هذه المعادلة المقلوبة وهم الأغلبية الصامتة التي ينبغي أن تطالب بحقها بكل الوسائل المشروعة بعيدا عن المظاهرات والاحتجاجات إنني أعلم أنه لا توجد أحزاب تدافع عن مصالح هؤلاء ولا توجد تجمعات تحميهم‏..‏ ولكن ينبغي أن ترتفع أصواتهم مطالبين بحقهم في حياة كريمة‏..‏ أمام حكومة تنقصها الشفافية‏.‏ ورأس مال تنقصه الرحمة هنا يصبح من واجب الأغلبية الصامته إن تصرخ وتتكلم‏..‏ وهذا أضعف الإيمان‏..‏



أن أخطر ما يحدث في مصر الآن هو هذا السكون الذي يسبق العاصفة وإذا كانت الطبقة الجديدة قد تصورت أنها بعيدة عن الغبار فلن ينجو من الغبار أحد‏..‏ ولهذا علي الحكومة أن تترك برجها العاجي ومكاتبها المكيفة وسياراتها التي دفعت ثمنها من دماء الناس وتنزل للشارع بعيدا عن الشعارات الوهمية للحزب الوطني لأن هذه الشعارات لم تطعم الناس ولم توفر لهم مياة نقية‏..‏ وعلي الطبقة الجديدة أن تدرس التاريخ جيدا وفي الماضي دروس في العطاء مازالت تحيا في ضمير الناس‏..‏ أما الأغلبية المهمشة فلها الله إذا ظلت قابعة في حالة الصمت واللامبالاة التي سلبت منها المكان والمكانة‏..‏



ويبقي الشعر

ياليـلة الإسراء عودي بالضياء

هزي بجذع النـخلة العذراء

رغم اختناق الضوء في عيني

ورغم الموت‏..‏ والأشلاء

مازلت أحـلم أن أري قبل الرحيل

رماد طاغية تناثر في الفضاء

مازلت أحـلم أن أري فوق المشانق

وجه جلاد قبيح الوجه تصفعه السماء

مازلت أحلم أن أري الأطفال

يقتسمون قرص الشـمس

يخــتبئون كالأزهار في دفء الشـتاء

مازلت أحـلم‏..‏

أن أري وطنـا يعانق صرختي

ويثور في شمم ويرفض في إباء

مازلت أحـلم

أن أري في القـدس يوما

صوت قـداس يعانق ليلة الإسراء

ويطل وجه الله بين ربوعنا

وتعود أرض الأنبياء

‏'‏من قصيدة ماذا تبقي من بلاد الأنبياء سنة‏2000'‏