Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : هموم مصرية‏

هوامش حرة



هموم مصرية‏



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏


لو سألت الآن مواطنـا مصريا عن القضايا التي تشغل فكره لن تسمع شيئـا عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان وما يسمي بالديمقراطية لدي شعوب العالم المتقدم‏..‏ منذ سنوات قليلة ازدحم قاموس الحياة المصرية بقصص كثيرة وحكايات طويلة كانت كلها تدور حول قضايا الإصلاح السياسي والديمقراطية ونزاهة الانتخابات وتداول السلطة‏..‏ ولكن كل هذه القضايا تراجعت تماما ولم تعد في بؤرة اهتمام الناس أمام القضايا اليومية التي تطاردهم في حياتهم وأرزاقهم‏..‏



أن المواطن المصري حائر الآن وهو يلهث وراء مستشفي يؤمن له حياته إذا سقط مصابا بإنفلونزا الخنازير‏..‏ أو بحثـا عن كوب ماء نظيف أو مدرسة توفر الحماية للتلاميذ أو شارع بلا قمامة‏..‏ لم تعد قضايا الحريات والديمقراطية تشغل أحدا أمام هموم يوميه تطارد المواطن المصري في كل شئون حياته‏..‏



أن بعض الناس يتصور أن هذا الحصار الدامي من المشاكل والأزمات ليس أمرا عاديا جاء بالصدفة‏,‏ ولكنه طريق مرسوم لإغراق الناس في همومهم اليومية حتي لا يجدوا وقتـا للتفكير في أي شيء آخر فأمام رغيف الخبز لا مجال للحديث عن الحريات‏..‏ وأمام المياه الملوثة لا وقت للحديث عن حقوق الإنسان‏..‏ ولو أننا نظرنا إلي مانشتات الصحف وبرامج التليفزيون وأحاديث المسئولين فلن تخرج جميعها عن مجموعة قضايا تتزاحم وتتكدس في عقول الناس وكلها تتعلق بمتاعب الحياة اليومية‏:‏


*‏ رغم أن كارثة إنفلونزا الخنازير كارثة دولية تهدد الجنس البشري في كل دول العالم إلا أن ما يحدث في مصر يعكس مبالغات كثيرة في حجم وتأثير هذه الكارثة‏..‏ قد يري البعض أن السبب في هذا الانزعاج الشديد أن الدولة المصرية لا تملك من الإمكانيات الصحية والطبية والاقتصادية ما يجعلنا نشعر بالأمان‏..‏ أن الخطر في دول كثيرة في العالم وصل إلي درجة أكبر بكثير مما حدث في مصر‏,‏ ولكن هذه الدول لا تشعر بهذا الخوف لأن لديها إمكانيات ضخمة تجعلها قادرة علي مواجهة الوباء بصورة أفضل وأكمل‏..‏ في انجلترا عشرات الالاف من المصابين وفي أمريكا تحول المرض إلي وباء وفي كثير من الدول العربية تجاوز عدد المصابين بالمرض أضعاف ما حدث في مصر رغم التفاوت الكبير في عدد السكان‏..‏ ولكن الملاحظ أن الحكومة نجحت بالفعل في تحويل هذا الوباء إلي شبح يسكن كل بيت ويسير في كل شارع ابتداء بمدارس الأطفال وانتهاء بالمساجد ودور العبادة والحج والعمرة‏..‏ وقد ساعد علي ذلك تكثيف إعلامي رهيب علي المستوي الرسمي‏..‏ أن الحرص أمر مطلوب ولكن السؤال‏..‏ هل هذه المبالغة أمر مقصود أم أن الخطر بالفعل أكبر مما نتصور‏..‏ هذا سؤال سوف تجيب عنه الأحداث في الأيام القادمة‏..‏


*‏ ما يحدث الآن من حالة رعب بسبب الضريبة العقارية التي ابتدعتها الحكومة في ظروف اقتصادية غاية في السوء‏..‏ إذا كانت لدي الحكومة مبررات الآن لفرض هذه الضريبة فإن هناك مبررات أكثر لتأجيلها أو إلغائها أو انتظار حالة انفراج يمكن أن تسمح بفرض مثل هذه الضريبة‏..‏ لقد بدأت الضريبة حملتها العسكرية الشرسة بحملة إعلانية ضخمة شاركت فيها كل أجهزة الإعلام‏..‏ وتكلفت أكثر من‏30‏ مليون جنيه وبعد ذلك بدأ مسلسل الإقرارات‏..‏ وبعد ذلك سيكون دور اللجان‏..‏ وبعد ذلك ستكون حملة أخري لعمليات التقييم العشوائي والغريب في الأمر أن الدولة لا تملك جهازا إداريا واحدا قادرا من الناحية الفنية أو الإدارية القيام بهذه المهمة خلال شهور قليلة‏..‏



متي ستكون الحكومة قادرة علي حصر ملايين العقارات وتحديد أسعارها‏..‏ ورصدها في الكشوف ومن أين ستأتي بالخبراء واللجان لإنهاء عمليات الحصر والتقدير ثم التحصيل‏..‏ هذا العمل يحتاج إلي سنوات وليس ثلاثة شهور هي المدي الزمني لتنفيذ هذه الكارثة والأسوأ من ذلك كله هو المسلسل الدامي الذي سيتم في المحاكم بين المواطنين والحكومة حول دستورية هذه الضريبة ومدي شرعيتها‏..‏



هل كان الهدف من هذه الضريبة هو إغراق المواطنين في مأساة أخري بجانب كارثة وباء الخنازير ألم يكن من الأفضل تأجيل هذه الضريبة حتي يتحسن الموقف الاقتصادي وتتحسن ظروف المواطنين وتخرج الحكومة من هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة أم أن الهدف في النهاية هو أن يصحو المواطن علي مصيبة وينام علي كارثة‏..‏


*‏ وسط هذه الهموم اليومية تخرج علينا مصائب أخري وأزمات لا مبرر لها مثل ما حدث في مياه الشرب بقرية البرادعة وإصابات التيفود وانتقال الوباء إلي مناطق أخري والصراعات وإلقاء التهم بين محليات فاسدة ومياه ملوثة ومسئولية ضائعة بين أجهزة الدولة‏..‏ ما حدث في البرادعة نموذج واضح وصريح لفشل المحليات في مواجهة قضايا المواطنين‏..‏ ولا ينفصل ذلك أبدا عن مشاكل الحاصلات الزراعية خاصة القطن والأرز والقمح وديون الفلاحين لبنك الائتمان الزراعي والمساحات المخصصة لزراعة الأرز وإهمال الدولة للفلاح المصري في كل شيء وتلال القطن الذي لا يجد أحدا يشتريه في بيوت الفلاحين‏..‏ ولا ينفصل ذلك كله عن زراعة الخضراوات ومزارع الأسماك في مياه المجاري والمناطق الملوثة بالفضلات الإنسانية وما يترتب علي ذلك كله من أضرار بصحة المواطنين‏..‏


*‏ وسط هذا كله تطل قضية الزبالة وتصبح حديث الإعلام المصري بكل صحفه وقنواته التليفزيونية‏..‏ وتغطي أخبار الزبالة علي كل القضايا الأخري‏..‏ وتتسع الظاهرة وتنتقل من القاهرة إلي الجيزة إلي بقية المحافظات‏..‏ وتحاول البحث عن أسباب الظاهرة وتكتشف أنها من توابع برامج الخصخصة حيث قررت حكومتنا الرشيدة إسناد عمليات جمع القمامة لشركات أجنبية‏..‏ منتهي الرفاهية أن يأتي الأجانب لجمع فضلات المصريين وملايين الشباب العاطل من أبناء المحروسة يتسكعون في الشوارع بلا عمل أو إنتاج‏..‏



وفي الوقت الذي تحصل فيه الشركات الأجنبية علي ملايين الجنيهات لجمع زبالة المصريين يختفي العامل المصري خلف تلال الزبالة وتصبح القضية واحدة من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام‏..‏ وفي النهاية تصدر تصريحات المسئولين حول إنشاء مصانع جديدة لتدوير الزبالة متي ستقام هذه المصانع ومتي تبدأ العمل وهل تنتظر تلال الزبالة هذه المشروعات وهل يظل المواطن المصري غارقـا وسط هذه التلال حتي تقام المصانع‏..‏ والسؤال الأهم لماذا لم تفكر الحكومة الرشيدة في إنشاء هذه المصانع منذ سنوات بعيدة‏..‏ ولماذا لم تفرض علي الشركات الأجنبية إقامة مثل هذه المشروعات ومن هو العبقري الذي جاء بالأجانب لكي يجمعوا زبالة المصريين ثم يتركونهم غارقين فيها هذه القضايا تحتاج إلي تحقيق ومساءلة ولا يعقل أبدا أن يرتكب المسئولون هذه الجرائم في حق هذا الشعب وهم ينعمون الآن في قصورهم‏..‏



وإذا كان النائب العام المستشار عبد المجيد محمود يجري تحقيقات حول ما حدث في قرية البرادعة ومياهها الملوثة فيجب أن يفتح ملف الشركات الأجنبية التي تتولي مشروعات الزبالة في مصر ومحاسبة المسئولين عن هذه الجريمة‏..‏


*‏ غابت قضايا كثيرة أمام التكدس الرهيب الذي حدث خلال شهر رمضان المبارك في الإعلام المصري‏..‏ خرج المصريون من الشهر الكريم بحصيلة ضخمة من الفضائح التي شاهدها الناس علي شاشات التليفزيون وفي برامجه المختلفة‏..‏ كانت جريمة فضائح الفنانين المصريين حديث العالم العربي‏..‏ الطلاق والزواج والشذوذ‏..‏ وكل ذلك تم علي فضائيات مصر ومن أموال شعبها الغلبان‏..‏ لو أن هناك مؤامرة صهيونية لتشويه صورة الفنان المصري في العالم ما نجحت كما نجح الإعلام المصري في ذلك‏..‏ في هذا الشهر الكريم تم اغتيال عشرات الأسماء من نجوم مصر التي صنعها هذا الشعب علي عينه فنـا وإبداعـا‏..‏ ولا أدري لمصلحة من كان هذا العدوان الصارخ علي تاريخ هذا الشعب ورموزه من الفنانين‏..‏ ماذا يفيد المشاهد في أحاديث الفنانين الكبار عن تجاربهم العاطفية والجنسية ما بين الزواج وعدم الزواج‏..‏



امتلأت الشاشات المصرية بأحاديث فجة عن الجنس والعلاقات المشبوهة‏..‏ وكان ذلك كله تحت ستار الحريات‏..‏ وللأسف الشديد أننا عندما تذكرنا أخيرا كلمة الحرية وسط هذا الصخب المجنون من المشاكل والأزمات اخترنا أسوأ ما فيها وهي أعراض الناس وسلوكيات المجتمع وأخلاقيات كان ينبغي أن نحافظ عليها‏..‏ وما بين برامج شاذة وغريبة ومسلسلات فجة بلهاء‏..‏ غرق الإعلام المصري بصحافته وشاشاته في هذا المستنقع الرهيب حيث لا قيمة‏..‏ ولا ضمير ولا فن‏..‏ ولا حرص علي سمعة وطن وصورته أمام الآخرين‏..‏



أن الأموال التي انفقتها الدولة علي هذه البرامج كان أولي بها مدارس بلا دورات مياه‏..‏ وشوارع بلا أرصفه‏..‏ وزبالة تسد الشوارع وتخنق البيوت وتعكس صورة سيئة للغاية عن فشل الحكومة في مواجهة المشاكل والأزمات‏..‏



وأخيرا تبدو الصورة الآن بين مواطن حائر رسم أحلامـا عن الإصلاح السياسي والحريات والديمقراطية والانتخابات النزيهة وحقوق الإنسان وانتهي به الأمر إلي قائمة من الهموم اليومية التي تحاصره في البيت والعمل والشارع وأمام شاشات التليفزيون إذا كان ذلك أمرا مرسوما ومخططا فهو جناية‏..‏ وإذا كان قدرا مقدرا فنسأل الله أن يرفع غضبه عنا‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



لا تـتـعب نـفـسك يا ولـدي

في قـبري كـنـز من أسرار

فالوحش الكـاسر يتـهاوي



تـحت الأحجار

عصر الـجبنـاء وعار القـتـلة

يتـواري خـلـف الإعصار



خدعونـا زمنــا يا ولدي

بالوطن القـادم‏..‏ بالأشعار

لـن يطلـع صبح للجبنـاء



لـن ينـبت نـهر في الصحراء

لـن يرجع وطن في الحانـات

بأيدي السفـلة‏..‏ والعملاء



لـن يكـبر حلم فـوق القـدس

وعين القـدس يمزقـها بطـش السفـهاء

لا تـتـرك أرضك يا ولـدي



لكلاب الصيد‏..‏ وللغـوغـاء

أطــلـق أحجارك كالطـوفـان‏..‏

بـقـلـب القـدس‏..‏ وفي عكـا



واحفـر في غزة بحر دماء

اغرس أقـدامك فـوق الأرض

فـلـم يرجع في يوم وطن للغـرباء

'‏ من قصيدة إن هان الوطن يهون العمر سنة‏1990'‏