Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : المصريون‏..‏ وغياب المرجعية

هوامش حرة



المصريون‏..‏ وغياب المرجعية



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏




عندما يتحدث فضيلة الإمام الأكبر د‏.‏محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر في قضايا الدين الإسلامي ينبغي أن نسمع له حتي ولو قال مالا نحب‏..‏ وعندما يتحدث قداسة البابا شنودة عن الزواج والطلاق لدي الإخوة الأقباط فهو صاحب الكلمة العليا‏..‏ وعندما يتحدث أحمد زويل عن العلم والعلماء فهو يلعب في أرضه وبين جمهوره‏..‏ ولا حديث للطب بعيدا عن د‏.‏محمد غنيم ومجدي يعقوب‏..‏ وبمعني آخر هناك مرجعيات وثوابت في حياة الشعوب مهما تمادينا في الحديث عن الحريات والرأي الآخر ولغة الحوار‏,‏ فيجب أن تبقي هذه المرجعيات دار أمان لنا حتي لا نضل الطريق ونفقد القدرة علي التمييز بين ما ينبغي أن يقال‏..‏ ومالا يقال‏..‏ وحتي لا يصبح لاعب الكرة جنرالا يقود معركة عسكرية‏,‏ أو أن يجلس الفنان علي موائد الفتوي‏,‏ أو أن يتصور البعض أن السياسة تعني أن تكون كل هذه الأشياء في وقت واحد وشخص واحد‏..‏



أن أخطر ما نراه في الساحة المصرية الآن هو حالة انفلات رهيبة طرحت أمامنا وبقسوة عدة ملاحظات حول طرق التفكير والتجاوز باسم الحريات والفتوي في كل شيء وهذا التداخل الرهيب بين الأفكار والمواقف هناك مرجعيات لها صفة الثبات في الدين والسياسة والاقتصاد والصحافة حيث ينبغي أن نرجع دائما لأهل الاختصاص‏..‏


*‏ شهدت الساحة جدلا واسعا تجاوز كل ألوان الحوار حول موقف فضيلة الشيخ طنطاوي من قضية النقاب‏..‏ ولم يخل الأمر من توجيه إهانات لهذا العالم الجليل‏,‏ وقد تساءل البعض لماذا يدخل الأزهر هذه المعارك العشوائية‏..‏ وهذا التراشق القبيح بين من يعلمون ومن لا يعلمون‏..‏ كان الشيخ طنطاوي قادرا علي أن يظل بعيدا عن مرمي النيران في خلوته بالأزهر الشريف ولن يقترب منه أحد‏..‏ ولكن الرجل شاهد بنفسه الساحة الدينية وهي تمتلئ بالعشوائيات من كل لون ومن كل جنس فأراد أن يقول كلمته ويمضي‏..‏ وهذا واجبه‏..‏



أن يري شيخ الأزهر أنه لا يوجد سند في العقيدة الإسلامية يفرض النقاب‏,‏ وأنه زي غير إسلامي‏..‏ فهو أدري الناس بذلك ومن أراد أن يعارضه فليعارض بالحجة وليس بالإدانة أو السباب أو التجاوز‏..‏ انطلقت الفضائيات العشوائية تنهش سيرة الرجل وتستبيح قدره وقدره‏..‏ لم يقل الرجل أنه ضد النقاب بحكم مطلق‏,‏ ولكنه قال إنه حرية شخصية لمن أرادت ذلك ولكن هناك حالات لا ينبغي أن ترتدي فيها المرأة النقاب‏..‏ كان هذا رأي الإمام الأكبر‏..‏ الذي لم يجد إجابة من أحد‏..‏



وهنا اتساءل وأنا لست ضد حرية المرأة في أن ترتدي الزي الذي تحب وتريد كيف تذهب طبيبة ترتدي النقاب لتكشف علي مريض في المستشفي أو عيادتها الخاصة وهو لا يراها ولا يسمع صوتها وماذا يحدث لو قرأت رقمـا من خلف نقابها عن ضغط الدم أو سرعة الترسيب أو دقات القلب وسرعة النبض واتخذت قرارا علاجيا خاطئـا‏..‏ ما الذي يجعل المدرسة تجلس أمام بناتها الطالبات في الفصل الدراسي وهي لا تراهن ولا أحد منهن يراها‏..‏



أسئلة في غاية الحكمة جاءت الإجابة عليها في غاية التجاوز كلاما وفعلا إلي من نذهب إذا كان كلام فضيلة الإمام لا يعجبنا‏..‏ وهل المفروض أن يعجبنا كلامه‏,‏ أم أن يقول الحق حتي ولو جاء الكلام علي غير هوانا‏..‏ ومن هو الأحق من شيخ الأزهر بأن يحدث الناس في شئون دينهم هل هم الدعاة الجدد الذين ينتشرون علي شاشات الفضائيات وينافسون الفيديو كليب‏..‏ هل هم الأدعياء الذين يخطئون في تلاوة الآيات القرآنية‏,‏ هل هم خريجو المعاهد الصناعية والفنية الذين صنعت منهم الفضائيات نجوما في الدعوة‏..‏



إنني أقدر كثيرا الفضائيات التي تخصصت في تلاوة القرآن الكريم فهي تقدم للمسلمين وللإسلام خدمة جليلة‏..‏ وأقدر علماء أجلاء يظهرون علي هذه الشاشات ويتحدثون بعلم‏..‏ ويجادلون بالحسني‏..‏ أما المنافسات الإعلانية التي تجري علي الفضائيات باسم الدين فهي تجارة فاسدة وغير مشروعة‏..‏



علي الجانب الآخر وبنفس الضراوة يتعرض قداسة البابا شنودة إلي حملة ظالمة من الصحافة والفضائيات أيضا تهاجم مواقف الرجل من قضايا الزواج والطلاق وتتهم الكنسية بارتكاب تجاوزات خطيرة‏..‏ هل هذا أمر يليق بنا أن نهدم رموزنا بهذه الصورة وأن يصبح الحديث في الأديان إسلاما ومسيحية مباحا لكل من هب ودب‏..‏ وماذا يبقي لنا بعد أن تسقط هذه المرجعيات وما هي البدائل التي يلجأ الناس إليها‏..‏ إن تشويه المرجعيات الدينية في مصر ظاهرة خطيرة تهدد أركان هذا المجتمع‏..‏ لا أحد يرفض الحوار‏,‏ ولكننا نرفض التجاوزات الفجة‏..‏


*‏ قضية أخري ملأت الساحة ضجيجا في الأيام الأخيرة وهي قضية التطبيع مع إسرائيل‏..‏ منذ وقعت مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل في سبعينيات القرن الماضي وهناك موقف شعبي واضح وصريح وهو رفض التطبيع مع الدولة العبرية حتي تعيد حقوق الشعب الفلسطيني‏..‏ ولم يكن هذا الموقف نابعا من قرار سياسي‏,‏ ولكنه كان رغبة شعبية عارمة تجسدت في قرارات واضحة للجمعيات العمومية للنقابات المهنية الكبري في مصر ومنها نقابة الصحفيين ونقابة المحامين ونقابة الأطباء واتحادات العمال والكتاب والفنانين وغيرها من التجمعات المهنية وهيئات المجتمع المدني‏..‏ هذه القرارات بمنع التطبيع لم تكن إعلان حرب‏,‏ ولكنها كانت نوعـا من المقاومة السلمية المشروعة‏..‏ وللأسف الشديد جاء من يتحايل عليها باسم الحوار والليبرالية والعمل السياسي ومفاوضات السلام‏..‏ إن الشيء المؤكد أن للعمل السياسي ثوابته ومرجعياته ورموزه أيضا‏..‏ وأن الخروج علي هذه الثوابت وتجاوز هذه المرجعيات في قضية مثل التطبيع مع إسرائيل يعتبر خروجا علي موقف عام لم يكن وليد صدفة‏,‏ ولكنه موقف جماعي يجسد رغبة شعبية يجب أن نحترمها ونلتزم بها‏..‏ ولكن للأسف الشديد يحاول البعض الآن الالتفاف حول هذا الموقف

تحت دعاوي الرغبات الحكومية‏..‏ وسياسة الحوار‏..‏ ومفاوضات السلام‏..‏ إن قداسة البابا شنوده منع الإخوة الأقباط من زيارة القدس حتي تؤكد إسرائيل نواياها تجاه السلام وتعيد الحق لأصحابه فهل كان البابا متجاوزا في ذلك‏,‏ أم كان يعبر عن موقف شعب وضمير أمة‏..‏ في مثل هذه القضايا لا ينبغي أن نفتح أبواب التحايل لأن الحوار مع إسرائيل يجري علي أعلي مستويات القرار السياسي‏..‏ وينبغي أن تبقي منطقة ما في الشارع المصري والعربي تمثل وسيلة ضغط نستخدمها في الوقت المناسب‏..‏


*‏ من الظواهر التي تؤكد أيضا غياب المرجعيات إن الحكومة لم تحاول يوما أن تلجأ للشعب وهي تقرر كل شيء يخص حياته ومستقبله واستقراره‏..‏ أن الحكومة لم تأخذ رأي الشعب في مشروعاتها الكبري الخاسرة مثل توشكي‏..‏ ولم تلجأ إليه وهي تبيع أصوله الصناعية والعقارية وتوزع أراضيه هنا وهناك والحكومة لا تلجأ للشعب تسأله المشورة وهي تقترض ألاف الملايين من الجنيهات والدولارات سواء من الداخل أو من الخارج‏..‏ وهي لم تسمع أحدا وهي تلتهم بشراهة أموال التأمينات الاجتماعية وهي تمثل معاشات الملايين من البشر‏..‏ والحكومة لم تسأل الشعب وهي تقدم بلايين الجنيهات قروضا لرجال الأعمال‏,‏ ضاع نصفها والنصف الآخر مازال قابعا في جداول التسويات‏..‏ والأغرب من ذلك أن تعرض الحكومة ضريبة تخالف الشريعة‏,‏ وتخالف الدستور هي الضريبة العقارية‏..‏ إذا كانت الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين كما ينص الدستور فإن الإسلام لا يجيز فرض الزكاة علي الأصول الثابتة‏..‏ بمعني أنني غير مطالب بدفع الزكاة عن فيلا أملكها وأسكن فيها حتي ولو كان سعرها مائة مليون جنيه‏..‏ وهذا يعني أن الضريبة الجديدة فيها مخالفة صريحة للدستور وللشريعة الإسلامية‏,‏ وهي مصدر التشريعات وهناك فريق كبير من المحامين ينتظر هذه المعركة الشرسة مع الحكومة‏..‏ إن السبب في ذلك أيضا هو غياب المرجعية لأن الشعب غائب تماما في صنع القرار‏,‏ ولأن الحكومة جعلت من نفسها قاضيا ومتهما وسجانـا‏..‏


*‏ إذا كانت المرجعيات الدينية والسياسية والاقتصادية تتعرض لكل هذه الهجمات الشرسة فإن صاحبة الجلالة تشهد الآن أسوأ فترات تاريخها‏..‏ من يقرأ الصحافة المصرية‏_‏ المستقلة وبعض القومية‏_‏ سوف يشعر بحزن شديد لما آلت إليه أحوال أصحاب القلم من الكتبة ولا أقول الكتاب‏..‏ من يقف وراء هذا الكم الرهيب من الفضائح الذي تنشره الصحف الصفراء والسوداء في مصر‏..‏ من يساند هذه الردة الغريبة في تاريخ صاحبة الجلالة التي صاغت وجدان هذه الأمة وفتحت عقولها‏..‏ إن الغريب في الأمر أن تنتقل زبالة الشوارع بروائحها الكريهة إلي صفحات الجرائد‏,‏ فنجد هذا الكم الهائل من فضائح الشذوذ الجنسي والزواج والطلاق والقتل والسرقة‏,‏ وكأن مصر تحولت إلي مجتمع لا ضوابط فيه ولا مرجعيات مهنية أو أخلاقية‏..‏ من يقرأ الشتائم بالآباء والأمهات علي صفحات الجرائد‏,‏ وهذه الاتهامات البذيئة يشعر بحجم الكارثة التي ينبغي أن يتوقف عندها بحسم وحزم مجلس النقابة لأنه الملاذ الأخير لنا من هذا الطوفان المشبوه‏..‏



إذا أردت أن تحمي مصير شعب ومستقبل أمة يجب أن تبقي مرجعياته وثوابته آخر حصون المقاومة‏..‏ وإذا أردت أن تري نهاية شعب وسقوط أمة‏..‏ فابحث عن بقايا مرجعياته وأطلال ثوابته‏..‏



شيء من العقل وقليل من الحكمة يجعل حياتنا أفضل ولكن ما جدوي الآذان في مالطة والناس لا يقرأون ولا يسمعون‏..‏





‏fgoweda@ahram.org.eg‏‏







..‏ ويبقي الشعر





باعونـا يوما يا ولدي‏..‏ في كـل مزاد

اسأل أرشيف المأجوزين‏..‏

وفـتـش أوراق الجلاد



اسأل أمريكـا يا ولـدي‏..‏

واسأل أذنـاب الـموساد

إن ثار حريق في الأعماق



يثـور الكـهنة‏..‏ والأوغاد

فتصير النـار ظلال رماد

سيجيء إليك الدجالـون بأغنية



عن فـجر سلام

السـلم بضاعة محتـال وبقـايا عهد الأصنـام

والسـلم العاجز مقبرة‏..‏ وسيوف ظلام



لا تـأمن ذئـبا يا ولـدي أن يحرس طفـلا في الأرحام

لن يصبح وكـر السفـاحين وإن شئـنـا‏..‏ أبراج حمام

لن ينـبت وطـن يا ولدي في صدر سجين



لن يرجع حق في أنفاس المخمورين

حجر في كـفــك يا ولـدي سيف الله فلا تـأمن

من شربوا دم المحرومين



من أكـلـوا لحم المسجونين

من باعوا يوما قـرطـبة

من هتـكـوا عرض فلسطيــن



فاقـطع أذنـاب الدجالين

واهدم أبراج السفـاحين

لتعيد صلاح‏..‏ إلي حطـين


'‏ من قصيدة إن هان الوطن يهون العمر سنة‏1990'‏