Loading

الأحد، 7 فبراير، 2010

درس من الجزائر

هوامش حرة

درس من الجزائر

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة


الشجاعة أنواع‏..‏ هناك شجاعة القرار‏..‏ وهناك أيضا شجاعة المراجعة وليس من الضروري أن نصيب في كل قرار‏..‏ ولكن الخطأ الأكبر ألا نراجع أنفسنا ونصحح أخطاءنا‏..‏ وفي الأسبوع الماضي وقف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقه أمام حكومته ومحلياته ورجال حكمه وأعلن بشجاعة نادرة أن برنامج الخصخصة في الجزائر قد فشل وأننا حلمنا معه بالجنة وعلينا أن نراجع الآن أنفسنا لأن هذا الطريق لا يوصل إلي الجنة‏..‏ وأدان الرئيس الجزائري القطاع الخاص في مشروعاته واستثماراته التي اتجهت إلي إنشاء دور السينما والمطاعم والمياه الغازية دون أن تضيف شيئـا إلي جموع الشعب في صورة استثمارات حقيقية‏..

ولقد توقفت كثيرا عند خطاب الرئيس بوتفليقه ومراجعاته الصريحة أمام رؤساء البلديات وهو يقدم كشف حساب عن برنامج الخصخصة‏,‏ وتساءلت مع نفسي هل جاء الوقت لكي تراجع مصر برنامجها مع الخصخصة‏..‏ وهل يمكن أن نقف مع أنفسنا وقفة جادة وموضوعية‏..‏ ولماذا نتهم كل من يقترب من برامج الخصخصة عندنا بأنه معارض ومشاكس وضد مصالح الوطن‏..‏ لماذا يقال لنا دائما ان ما نحن فيه هو الأفضل وأن من يقول غير ذلك يفتقد الأمانة والموضوعية‏..‏
في تقديري أن مصر في حاجة الآن وليس غدا لأن تراجع برنامجها مع الخصخصة وأن توكل بهذه المهمة إلي فريق من الخبراء بعيدا عن هيمنة الحكومة والحزب الوطني حتي يقول لنا هذا الفريق إلي أين نمضي وما الذي تحقق‏..‏ وما هي صورة المستقبل‏..‏ ان الاعتماد في تقييم برنامج الخصخصة في مصر علي الحكومة وحدها أمر غير منطقي‏..‏ كما أن مؤسسات الدولة كلها تقريبا إذا لم تكن متورطة في هذا البرنامج فهي شريكة في أخطائه‏..‏ ان هناك أموالا كثيرة ضاعت ومشروعات ضخمة خسرت‏..‏ وأعباء ثقيلة تحملها الوطن والمواطن طوال السنوات الماضية وقد جاء الوقت لكي نراجع أنفسنا‏..‏ وأمامي هنا بعض الملاحظات التي يمكن أن تكون بداية لهذه المراجعة‏..‏
*‏ أولي هذه الملاحظات ما ترتب علي برنامج الخصخصة من الديون التي اقتربت من‏700‏ مليار جنيه ما بين الدين الداخلي والدين الخارجي يضاف لذلك أعباء خدمة الدين وهي تقترب من‏50‏ مليار جنيه سنويا‏...‏ أن الزيادة الرهيبة في حجم الديون تحتاج إلي مراجعة سريعة حتي نوقف هذا النزيف الدامي الذي يهدد مستقبل مصر وأجيالها القادمة‏..‏
*‏ كان من آثار برنامج الخصخصة في مصر الدمار الذي لحق بالجهاز المصرفي ممثلا في القروض التي ضاعت مع الهاربين والمتعثرين ورجال الأعمال المقيمين وكان آخرها رجل الأعمال الهارب من مطار برج العرب وهو مدين للبنوك بمبلغ‏2‏ مليار جنيه‏..‏ وهذه القروض التي قدمتها البنوك المصرية لم تكن ملكـا لها بل هي ودائع للمواطنين ومدخرات لأشخاص بسطاء‏..‏ لقد استطاعت الدولة أن تخرج من هذه الأزمة ببعض القرارات التي تمثلت في البيع أو الضم أو تبعية البنك المركزي لرئاسة الجمهورية ولكن لم يقل لنا أحد ماذا خسرت مصر في هذه الكارثة وان كانت الأرقام مخيفة للغاية‏..‏ ان ما حدث في مسلسل الهاربين بأموال الشعب أو المقيمين من أبناء الطبقة الجديدة يحتاج إلي وقفة أمنية قبل أن يجيء وقت للحساب‏..‏

‏*‏ في برنامج الخصخصة باعت مصر مشروعات كثيرة كانت تقدم إنتاجا وسلعا وتوفر فرص عمل وكانت لها أسواق خارجية تسعي إليها‏..‏ وللأسف الشديد أن الكثير من هذه المشروعات الإنتاجية تحول في ظل الخصخصة إلي أراضي بناء‏..‏ بل ان الآلاف من رجال الأعمال سطوا علي هذه المشروعات وأصبحت لديهم احتكارات ضخمة في مشروعات وسلع أساسية لا ينبغي التلاعب فيها‏,‏ يضاف لذلك مشروعات كبيرة أقيمت لا نعرف حتي الآن حجم الأموال التي انفقتها الدولة عليها ومنها علي سبيل المثال مشروع توشكي وهو من أسرار الحكومة الغامضة‏..‏
*‏ كان من أهم ضحايا برنامج الخصخصة أيضا ما حدث في ثروة مصر العقارية في السنوات الماضية سواء في توزيع الأراضي علي بعض العائلات والأشخاص والمسئولين وأقاربهم وأصحاب الحظوة أو في تدمير جزء كبير من الأراضي الزراعية الخصبة التي تحولت إلي أراضي بناء‏..‏ ولا أحد يعرف حجم الثروات التي تجمعت لدي بعض الأشخاص الذين استفادوا من‏'‏ هوجة‏'‏ توزيع الأراضي بقرارات تخصيص افتقدت الشرعية‏..‏ وقد ترتب علي ظهور هذه الطبقة التي حصلت علي مساحات ضخمة من الأراضي وباعتها في صورة عقارات أو فيلات أو قصور اختلال منظومة العدل الإجتماعي في مصر وكان من نتائجها سقوط منظومة تكافؤ الفرص في مجتمع أعطي حقوقـا غير مشروعة لبعض مواطنيه وحرم المجتمع كله من هذه الحقوق‏..‏

*‏ إذا كانت الحكومة تعترف بأن توزيع عائد برنامج الخصخصة قد افتقد العدالة وأنه لم يصل إلي كل طبقات الشعب فهذا اعتراف بأن هناك فئة قليلة قد جنت الثمار ولم تترك لغيرها شيئـا‏..‏ ولا أحد يعرف متي تصل هذه الثمار إلي طبقات شديدة الفقر تعاني ظروفـا صعبة خاصة مع بيانات دولية ومحلية تؤكد زيادة نسبة الفقر في المجتمع المصري‏..‏

‏*‏ لابد أن نعترف أن برنامج الخصخصة قد أدي إلي أضرار كثيرة لحقت ببعض فئات المجتمع أمام ظروف الحياة الصعبة وأدي ذلك إلي تهميش دورها في واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ومن هذه الفئات العمال والفلاحون والمهنيون والمثقفون وشباب الخريجين الباحثين عن مستقبل في ظل اختلال منظومة تكافؤ الفرص علي كل المستويات‏,‏ يضاف لذلك أن الحكومة لم تستطع حتي الآن أن تواجه أزمة البطالة مأساة كل بيت في مصر‏..‏

*‏ أن استخدام سيف الضرائب في ظل برنامج الخصخصة كان خطأ إنسانيا قبل أن يكون جريمة سياسية‏..‏ قد تكون الحكومة قد وفرت بهذه الإجراءات بعض الموارد لسد العجز في الميزانية وتمويل نفقاتها الباهظة‏..‏ ولكن نتائج هذه السياسة التي اعتمدت علي منطق الجباية قد تركت آثارا غاية في السوء بين طبقات المجتمع المصري خاصة الطبقات الأكثر احتياجا وفقرا‏..‏
*‏ لاشك أن مشكلة الأسعار بكل أبعادها كانت نتاجا طبيعيا لبرنامج الخصخصة وقد تمثل ذلك في هبوط سعر الجنيه المصري وارتفاع أسعار كل شيء وما يمثله ذلك من أعباء علي المواطنين‏..‏ والغريب في الأمر أن الزيادة في الأسعار لم تواكبها زيادة معقولة في مستويات الدخل مما جعل المواطن المصري يعاني في كل الحالات‏..‏

ليس من الخطأ ان نعدل مسار سياسة بدأناها واكتشفنا في منتصف الطريق أنها لم تحقق كل أهدافها فقد فعلت ذلك دول وحكومات كثيرة‏..‏

هذه بعض الملاحظات التي ينبغي أن نتوقف عندها ونناقشها بصدق مع أنفسنا‏,‏ وليكن لنا في موقف الرئيس بوتفليقه درس وعظة لأن برامج الخصخصة ليست تنزيلا من السماء فهي جهد بشري قابل للخطأ أو الصواب‏..‏



ويبقي الشعر

في كل عام كنت أحمل زهرة

مشتاقة تهفو إليك‏..‏

في كل عام كنت أقطف بعض أيامي



وأنثرها عبيرا في يديك

في كل عام كانت الأحلام بستانـا

يزين مقلتي ومقلتيك



في كل عام كنت ترحل

يا حبيبي في دمي

وتدور ثم تدور‏..‏ ثم تعود في قلبي



لتسكن شاطئيك

لكن أزهار الشتاء بخيلة

بخلت علي قلبي‏..‏



كما بخلت عليك

عذرا حبيبي

إن أتيت بدون أزهاري



لألقي بعض أحزاني لديك‏..‏

من قصيدة عذراً حبيبي