Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : الوزراء‏:‏ بين البقاء والرحيل

هوامش حرة



الوزراء‏:‏ بين البقاء والرحيل



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏




هل أصبحت الكوارث وحدها هي الوسيلة الوحيدة لإقالة الوزراء‏..‏ وهل أصبح من الضروري أن يحترق قطار وتتناثر أشلاء الضحايا حتي يقدم الوزير استقالته‏..‏ كانت هناك عشرات الأخطاء التي تحتم رحيل وزير أو اختفاء مسئول‏..‏ وكانت هناك عشرات المبررات التي تجعل قرار انسحاب المسئول أو إبعاده أمرا مطلوبا‏..‏ وهناك وزراء ارتكبوا خطايا فادحة في حق الوطن وحق المسئولية وحق الأمانة وحق هذا الشعب ولم يقترب منهم أحد‏..‏ فهل هناك معايير موضوعية يمكن أن تكون الحكم بين وزير ينبغي أن يرحل وآخر باق مهما كان حجم تجاوزاته وأخطائه‏..‏



لو أننا استعرضنا من الماضي القريب والبعيد أيضا أسماء الوزراء الذين كان ينبغي أن يختفوا من الساحة مبكرا لوجدنا عشرات الأسماء التي بقيت في مناصبها وخطاياها برغم عشرات الاستجوابات التي اختفت في مجلس الشعب أو تقرر إخفاؤها‏..‏ وبرغم الاعتراض الواضح الصريح في الشارع المصري وبين المواطنين‏..‏



وإذا كانت كوارث القطارات قد أطاحت بأكثر من وزير‏,‏ فهناك وزراء ارتكبوا خطايا أكبر ومازالوا في مناصبهم برغم أنف الجميع‏..‏


*‏ أن ما حدث وما يحدث في عمليات توزيع أراضي الدولة في السنوات الماضية‏,‏ سواء كانت الأراضي الزراعية أو أراضي الإسكان يمثل جريمة كبري في حق العمل الوزاري في مصر‏..‏ هناك آلاف الأفدنة التي حصل عليها عدد من الأشخاص دون وجه حق فلاهم زرعوها لتتحول إلي مصادر انتاج زراعي‏..‏ ولاهم أقاموا عليها مشروعات صناعية يعمل فيها المواطنون‏,‏ وتحل أزمة البطالة‏..‏ لقد تحولت هذه المساحات الرهيبة إلي منتجعات وملاعب للجولف وبدلا من أن تنتج قمحا يطعم الملايين تحولت إلي تجارة رائجة للعقارات وترتب علي ذلك ضياع مساحات كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة واستغلال كميات رهيبة من المياه في ري هذه المنتجعات‏..‏



من الذي ارتكب هذه الجرائم ومن الذي أعطي مئات التأشيرات بمساحات مذهلة بألآف الأفدنة‏,‏وهل حاسبت الدولة مسئولا واحدا عن هذه الجرائم‏..‏ ومن الذي أعطي وزيرا مسئولا الحق في توزيع ثروة شعب وإهدار مستقبل أجياله‏..‏ إذا كان ضحايا قطار العياط عشرات الأشخاص فإن ضحايا توزيع الأراضي إهدار لمستقبل الملايين من البشر‏..‏


*‏ إذا كنا نتحدث عن إهدار المال العام‏,‏ سواء كان أرضا أو ثروة أو أصولا فإن ما حدث في البنوك المصرية جريمة اختفت بعض معالمها‏,‏ ولكنها مازالت قائمة بكل شواهدها وشهودها فقد يجيء وقت للحساب‏..‏ أين البلايين التي حصل عليها عدد قليل من رجال الأعمال منهم من هرب ومنهم من أقام‏..‏ وكيف تمت تسوية الأوضاع المالية لهذه البنوك أعرف أن فاروق العقدة عمل معجزة أنقذ بها بنوك مصر من كارثة محققة ولكن ذلك ينبغي ألا يمنع حساب المشاركين في هذه الجريمة بأثر رجعي‏..‏ أين الأموال التي حصل عليها رجال الأعمال في صورة قروض وأموال لم تسترد‏..‏ وأين ملفات فرق المتعثرين والهاربين وما أخذوا‏..‏ إن جريمة ما حدث في البنوك تقف علي خط مواز لجريمة توزيع الأراضي‏..‏ ومثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم‏,‏ولكن سوف يجيء وقت للحساب حتي وإن تأخر قليلا‏..‏



لقد قامت البنوك بتسوية بعض الأوضاع مقابل تنازلات كبيرة في أسعار الفائدة وأصل الدين وسعر الدولار بين القديم والجديد‏..‏ وتم تقدير كثير من الأصول لدي رجال الأعمال بمبالغ طائلة لا تتناسب مع حقيقتها‏..‏ فماذا عن ذلك كله وهل سقطت هذه القضايا جميعها أمام رغبة واضحة من الدولة في إخفاء معالم هذه الجريمة‏..‏ هناك عشرات من رجال الأعمال الهاربين بأموال البنوك‏,‏وهناك صفقات مريبة بينهم وبين مسئولين كبار‏..‏ والحقيقة بعد ذلك كله أن الأموال ضاعت وأن الهاربين مازالوا ينعمون بأموال هذا الشعب الغلبان‏..‏ فمن يعيد الحساب ومن يعيد المحاكمة ومن يعيد للشعب أمواله‏..‏


*‏ لقد باعت الدولة الكثير من الأصول وهذه الأصول ليست ملكـا للدولة أو الحكومة‏,‏ولكنها ميراث تتناقله الأجيال‏..‏ وعندما يباع مصنع ثم يتوقف إنتاجه ويطرد عماله ويتحول إلي أراضي بناء فهذه جريمة يجب أن تأخذ طريقها للنائب العام وعندما تبيع الحكومة مشروعا بأقل من نصف ثمنه فيجب أن تسأل من قاموا بالبيع وتوقيع العقود‏..‏ وعندما يشتري رجل أعمال عربي فندقـا شهيرا علي ضفاف النيل ويغلق أبوابه لكي يعيد طرحه للبيع بعد أن يتحول إلي خرابة فهذه أيضا جريمة‏..‏ وعندما يشتري رجل أعمال فندقـا في الغردقة هو أقدم وأعرق فنادقها ويغلقه‏20‏ عاما ويعرضه للبيع بالمليارات بعد أن دفع فيه‏15‏ مليون دولار اقترضها من البنوك المصرية‏,‏فهذه أيضا جريمة ينبغي أن يحاسب كل من شارك فيها‏..‏



وعندما تقدم الحكومة‏100‏ ألف فدان بسعر‏50‏ جنيها للفدان هدية لأحد الأثرياء العرب‏,‏ولا يفعل فيها شيئـا فهذه أيضا جريمة يجب أن يحاسب عليها المسئول‏..‏ ألم تكن هذه التجاوزات مبررا لإقالة أكثر من وزير بل أكثر من حكومة‏..‏


*‏ عندما يصل حجم ديون مصر إلي‏850‏ مليار جنيه ولا نسأل الحكومة عن أسباب ارتفاع الدين العام بهذه الصورة‏..‏ وعندما تصل الزيادة في حجم الديون إلي‏400‏ مليار جنيه في خمس سنوات فقط بمعدل مائة مليار جنيه سنويا‏..‏ ألا تمثل هذه الديون جريمة كاملة الجوانب ضد مستقبل أجيال قادمة‏..‏ وعندما تأكل ميزانية الدولة معاشات المواطنين‏,‏ولا يعرف أحد أين توجد الآن أموال التأمينات الاجتماعية‏,‏وماذا بقي منها وهي تقترب من‏280‏ مليار جنيه‏..‏ ألا تمثل هذه الأموال جريمة واضحة وصريحة‏..‏ أين ذهبت هذه البلايين التي اقترضتها الدولة ووصلت إلي هذا الرقم المخيف‏..‏ أين ذهبت أموال التأمينات وماذا بقي منها حتي الآن‏..‏



هذا المسلسل الرهيب من المال السايب بين قروض المتعثرين وقد تجاوزت‏40‏ مليار جنيه وفي رواية أخري‏60‏ مليار جنيه‏..‏ وأرقام الديون وقد بلغت‏850‏ مليار جنيه وأموال التأمينات وقد بلغت‏280‏ مليار جنيه وأموال الخصخصة وبيع الأراضي وتجارة الأصول‏..‏



هذه الأرقام الثابتة في أوراق الحكومات المتعاقبة الا تمثل جرائم لا تتطلب فقط إقالة وزير‏,‏ولكن تتطلب محاكمة وزراء كل واحد منهم في اختصاصه‏..‏


*‏ عندما نشاهد شعبا وصلت به درجه التراجع إلي حدود مؤسفة في الفكر والسلوك والأزياء والحوار ولغة الشارع ألا ينبغي أن نسأل مسئولي الثقافة والفكر والتعليم والمساجد والجامعات‏..‏ عندما يزداد عدد الظلاميين في مجتمع كان قلعة للاستنارة وعندما ترتفع نسب التخلف التعليمي بين الشباب وتتراجع الثقافة وتزداد مساحة التطرف الديني والفكري مع اختلال كامل في منظومة التعليم‏..‏ ألا ينبغي أن تسأل المسئولين في هذه القطاعات ماذا فعلتم بهذا الشعب حتي يصل إلي هذه النتيجة‏..‏ وماذا حدث لعقل هذه الأمة حتي يتراجع مستوي الفكر فيها بهذه الصورة‏..‏



إذا رجعنا للوراء عشرين عاما هل كان الشارع المصري علي هذا المستوي الفكري المتراجع‏..‏ هل كانت لغة الحوار بهذه الصورة‏,‏ هل كان مستوي الطلاب بهذه الضحالة وهذه السطحية‏..‏ هل كان مستوي المسجد والجامعة والمدرسة والنادي بما نراه عليه الآن إذا كانت البذور فاسدة فإن الحصاد فاسد‏..‏



وراء كل هذه الظواهر السلبية مسئولون لم يدركوا المعني الحقيقي للمسئولية ولم يدركوا دورهم في البناء فكان هذا الحصاد المر الذي نجده بين أيدينا الآن‏..‏



إن إقالة وزير النقل أو استقالته أيا كانت الأسباب تكشف أمامنا قصورا واضحا في منظومة العمل العام‏,‏ وهوغياب الحساب والمساءلة ولو أننا فتحنا أبواب الحساب فيجب أن نحاسب الجميع حتي هؤلاء الذين ارتكبوا الجرائم وأصبحوا بعيدين عن سلطة القرار حتي ولو كانوا في قبورهم لأن الموت لا يسقط المسئولية التاريخية‏..‏



هناك أشخاص حصلوا علي أموال هذا الشعب بدون حق‏..‏



وهناك ديون للبنوك يجب ان ترجع‏..‏ وهناك أراض وزعت ومشروعات بيعت‏..‏ ومكاسب تحققت وكلها تخفي جرائم تعاقب عليها قوانين البشر وشرائع السماء‏..‏



حينما تصل ديون مصر إلي منطقة الخطر وعلي يد أكثر من مسئول‏..‏ وحين لا يعرف أصحاب المعاشات أين أموالهم وماذا بقي منها‏..‏ وحين تغيب الثقافة الجادة في التاريخ والتعليم الصحيح في المدرسة والجامعة والحوار بين الناس يجب أن نسأل بكل الوضوح من الذي وصل بنا إلي ما نحن فيه وهل تكون هناك وقفة للحساب والمساءلة؟‏!..‏




..‏ ويبقي الشعر



الطـقـس هذا العام ينـبـئـني

بأن شتـاء أيامي طويل

وبأن أحزان الصقيع‏..‏



تـطـارد الزمن الجميل

وبـأن موج البحر‏..‏

ضاق من التـسكـع‏..‏ والرحيل



والنـورس المكـسور يهفـو‏..‏

للشواطيء‏..‏ والنـخيل

قد تـسـأليـن الآن عن زمني وعنـواني

وما لاقـيت في الوطـن البخيل



ما عاد لـي زمن‏..‏ ولا بيت‏..‏

فـكـل شواطيء الأيام

في عينـي‏..‏ نيل

كـل المواسم عشتـها‏..‏



قد تـسـألين‏:‏ وما الدليل؟

جرح علي العينـين أحملـه وساما

كلـما عبرت علـي قـلـبـي



حكـايا القـهر‏..‏ والسفـه الطـويل

حب يفيض كـموسم الأمطـار‏..‏

شمس لا يفـارقـها الأصيل



تـعب يعلــمني‏..‏

بأن العدو خـلـف الحلـم‏..‏

يحيي النـبض في القـلـب العليل



سهر يعلـمني‏..‏

بأن الدفء في قمم الجـبال‏..‏

ولـيس في السفـح الذليل



قد كان أسوأ ما تعـلــمنـاه

من زمن النـخاسة‏..‏

أن نبيع الحلـم‏..‏ بالثـمن الهزيل



أدركـت من سفـري‏..‏ وتـرحالي‏..‏

وفي عمري القليل

أن الزهور تـموت‏..‏



حين تـطـاول الأعشاب‏..‏

أشجار النـخيل

أن الخيول تـموت حزنـا‏..‏

حين يهرب من حناجرها الصهيل



من قصيدة الطقس هذا العام سنة‏1990‏