Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : في انتظار ضربة حظ

هوامش حرة



في انتظار ضربة حظ



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة ‏‏




اختلت منظومة العمل والنجاح في مصر أمام متغيرات كثيرة‏..‏ لم يعد الجهد والمثابرة والصدق مقياس الجودة‏..‏ ولم تعد الموهبة والتميز هما طريق النجاح‏..‏ كان العائد المادي يرتبط دائما بالإنجاز وكان من الصعب أن تجد دخلا طفيليا يتسرب إلي جيوب البعض وكان ذلك من الجرائم التي يحاسب عليها القانون وقبل ذلك تحاسب عليها السمعة والشرف والسلوك السليم‏..‏ كان من الضروري أن تعمل لكي تنجح‏..‏ وأن تتميز لكي تتقدم الصفوف ولم يكن أحد يسأل عن أصلك وفصلك ومن أين أتيت ولكن كان الحديث دائما ماذا قدمت‏..‏ وماذا أنجزت وبعد ذلك تكون أقدار الناس ومصائر البشر‏..‏ كانت ثروة الإنسان تتجسد في طموحه وأسلوبه وعمله‏..‏ ولم تكن الأشياء تهبط علي رؤوس الناس بالصدفة‏..‏ ولكن كان الثمن دائما يسبق النتيجة والزرع يسبق الحصاد‏..‏



ولكن الشيء الغريب في مصر الآن هو اختلال منظومة العمل هناك من يهبطون بالباراشوت علي رؤوس الناس دون سابق معرفة وهنا فقدت منظومة العمل معناها وقيمتها ودورها في الحياة‏..‏ نحن أمام مجتمع سقطت فيه قيم كثيرة في السلوك والأخلاق وفقدت منظومة العمل أهم مقوماتها‏..‏ أن كل شخص يريد أن يصبح مليونيرا دون أن يعمل ولهذا جلس الجميع ينتظرون ضربة حظ أو صفقة سريعة قد تجيء وقد تخطيء العنوان‏..‏



كانت هناك فئات من المجتمع تعرف تماما طريقها من يوم أن يتسلم الإنسان الوظيفة حتي يخرج منها راضيا مرضيا‏..‏ أنه موظف علي فئة إدارية سوف يتدرج فيها حتي يصل إلي درجات أعلي‏..‏ وهذه الدرجات ترتبط براتب واضح وصريح‏..‏ وكان الموظف يؤدي عمله بإقتدار في أي موقع يختار إذا كان موظفـا في الضرائب أو الجمارك أو التعليم أو الصحة‏..‏ أن طريقة مرسوم‏..‏ ولكن هذا الموظف تغيرت أحواله ولم يعد ملتزما بالخط السليم الذي كان يسلكه‏..‏ أن المدرس لم يعد يعتمد علي مدرسته التي يعمل فيها والتلاميذ الذين يخرجون من بين يديه‏..‏ أنه يتاجر في الدروس الخصوصية‏..‏ وموظف الجمارك لم يعد يرضيه راتبه أمام ضرورات الحياة ولكنه يسهل أمور الزبائن وربما سمح بدخول أشياء غير مسموح بها‏..‏ وحتي الوزير لم يعد يكفيه راتبه أو ما يصل إليه من دعم من جهات أعلي ولهذا ليس هناك ما يمنع من أين يدير صفقة هنا أو هناك‏..‏ أن يحصل علي قطعة أرض يبيعها‏..‏ أو أن يكون مستشارا لأحد رجال الأعمال في السر‏..‏ أو أن يكون شريكـا بالأسم فقط وليس بالمال في مشروع استثماري‏..‏ وليس هناك ما يمنع من أن يحصل علي هدية ثمينة تتجاوز الهدايا العادية‏..‏ لم يعد العائد المادي الذي أعتدنا عل

يه من الوظائف يكفي ابتداء بالوزير وانتهاء بالغفير‏..‏ وأمام سقوط منظومة العمل سادت منظومة أخري تقوم علي العلاقات الشخصية وأساليب الفهلوة تحت مسميات كثيرة‏..‏ وظهرت أعمال غريبة في الساحة تدخل تحت مسميات كثيرة مثل مساعد‏..‏ أو مستشار أو مندوب إعلاني أو مصدر إعلامي أو مشهلاتي‏..‏ ودخلت وظائف عليا في هذا السياق أن تجد وزيرا سابقـا أو مسئولا أمنيا كبيرا يعمل مع أحد رجال الأعمال في وظيفة لا تليق به ولكنه الراتب المغري‏..‏ أن تجد عشرات الصحفيين يعملون كمندوبي إعلانات أو علاقات عامة‏..‏ وهنا أيضا سقطت منظومة العمل خاصة إذا ابتعدت تماما عن قيم وسلوكيات وضوابط لا ينبغي تجاهلها‏..‏



أمام سقوط منظومة العمل الجاد يمكن أن يقال أن هناك منظومة أخري سادت المجتمع هي المال بلا جهد‏..‏ كان المال دائما يرتبط بالعمل‏..‏ ولكن أتضح أن المال يمكن أن يجيء بلا عمل‏..‏ وبلا تضحيات وبلا جهد‏..‏ وفي السنوات الأخيرة اتسعت هذه الدائرة وكبرت حتي أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا لكل المقومات الأخلاقية والإنسانية التي تحكم سلوك الناس ومواقفهم في الحياة وهنا أيضا ظهرت تجاوزات كثيرة أخذت أشكالا متعددة‏..‏


*‏ أن تحصل علي قطعة أرض في منطقة سكنية أو زراعية وتتحول الجنيهات التي دفعتها بتأشيرة صغيرة إلي ملايين من الجنيهات تتسلل إلي حسابك وأنت لم تعمل شيئـا‏..‏ فلا سافرت ولا تغربت ولا أرهقت نفسك ولا أنت عانيت من أجل الحصول علي هذه الثروة‏..‏ لقد هبطت عليك من سماء مسئول كبير لكي تخرج بك من سراديب الوظيفة وفقرها إلي أفاق الملايين وبريقها‏..‏


*‏ أن تجد نفسك مستشارا في موقع ما حتي ولو كنت لا تفهم شيئـا أكثر من أن تفتح الطريق أمام سيارة رجل أعمال أو مسئول سابق أو لاحق‏..‏ أو أن تقف تستقبل ضيفـا أو تسهل عملية هنا أو هناك ومن هذا الموقع تدير الصفقات وتحصل علي العمولات وتشم رائحة الملايين‏..‏


*‏ أن تقيم شركة إعلانات تجمع فيها عددا من فتيات الفيديو كليب وتنضم للحزب الوطني وتحصل علي عدة ملايين من الجنيهات تبيع فيها الهواء للحكومة والحزب والمواطنين‏*‏ أن تدخل انتخابات مجلس الشعب والشوري وتحصل علي الحصانة وتنهال عليك الملايين ابتداء بتأشيرات الحج وانتهاء بحصة اسمنت أو حديد أو سماد‏..‏


*‏ أن تضرب منظومة عريقة أسمها تكافؤ الفرص فتقيم مجموعة مكاتب صغيرة للأبناء في مجالات الاستثمار والعقارات والمضاربة في البورصة ومن خلال موقعك وعلاقاتك وسلطاتك تلقي للأبناء الأعزاء عددا من الصفقات‏..‏ فهذا توكيل من هنا‏..‏ وهذه مناقصة من هناك وهذا سهم حائر في البورصة وجدته يسقط فجأة بين يديك وهذه صفقه قمح مغشوش أو عملية سكر مضروب‏..‏ أو هذه وظيفة للأبناء في شركة أجنبية لن تراهم فيها أبدا ولكن المرتب يأتي آخر الشهر بالاف الدولارات‏..‏


*‏ أن تقيم جمعية أهلية تضع فيها أسمك وأسم زوجتك والأبناء تتحدث فيها عن أمراض المناطق الحارة وأطفال الشوارع وحقوق الإنسان في وسط أفريقا وعند منابع النيل والصراع بين السنة والشيعة والمد الشيعي الإيراني العراقي الكردي وآخر المشوار بين فتح وحماس‏..‏ والخطاب الديني بين بنجلاديش وأفغانستان‏..‏ وإرضاع الكبير وزواج المسيار ولغة الجسد في الفن وتهبط عليك المعونات من الوزارات الحكومية تحت بند دعم النشاط المدني ومعونات خارجية من الشركات والحكومات بالين واليورو والدولارات وتجد نفسك والأسرة ضيفا علي الاتحاد الأوربي وجمعيات حقوق الإنسان والجالية اليهودية في تكساس وربما وجدت حصة في صحيفة أو رحلة للقمر مدفوعة الثمن‏..‏ وليس هناك ما يمنع أن تزورك وفود أجنبية وتجد نفسك نجما متألقـا علي الشاشات والصحف كل يوم‏..‏ وربما تكتشف أنك أصبحت زعيما شعبيا تلتف حولك الملايين رغم أن القصة كلها بدأت بجمعية عشوائية في أحد الأحياء وسوف تطاردك قوات الأمن إذا خرجت عن النص أو صدقت نفسك بأنك زعيم حقيقي‏..‏


*‏ إذا تطورت الأمور منك ليتك تستطيع أن تقيم حزبا وان توافق لجنة الأحزاب علي ذلك‏..‏ في هذه الحالة سوف يصدر الحزب جريدة جديدة وسوف يهبط عليك سيل من الإعلانات وإذا فتح الله عليك ببعض رجال الأعمال الذين يساندون هذا الحزب فسوف تصبح بين يوم وليلة من أصحاب الملايين ولا تتردد في أن تبيع الحزب والجريدة إذا وجدت رجل أعمال جاد يريد أن يلعبها سياسة‏..‏


*‏ إذا جربت كل هذه الأعمال وشاهدت حظك فيها تبقي هناك خطوة أخيرة ليتك تخطوها وهي أن تتسرب إلي أحد المسئولين في البنوك وتقدم له ما لديك من الأوراق والمستندات‏..‏ جمعية أهلية تمتلكها‏..‏ لقب مستشار في أحد المواقع‏...‏ كارت صغير توصية من أحد المسئولين الكبار‏..‏ جريدة كبري نشرت صورك وأحاديثك وحفلاتك‏..‏ صورة جمعتك مع أحد المسئولين في الحزب الوطني‏..‏ وأمام مدير البنك تستطيع أن تطلب‏..‏ كل الضمانات موجودة‏..‏ أسم رنان‏..‏ جمعية شهيرة‏..‏ حزب وجريدة وعشرات الصور‏..‏



تأخذ الملايين ويكون في انتظارك في المطار مسئول مهم سابق ومعه الأسرة والأولاد ليخلص لك كل شيء في إجراءات السفر‏..‏



ومن عاصمة الضباب في ليلة شتوية تحكي للجماهير قصة كفاحك الطويل وهروبك من البيروقراطية المصرية ومعوقات الاستثمار والمسئولين الذين طاردوك في رحلتك لأنهم لا يقدرون العبقرية وكيف اشتريت فلان‏..‏ وكم أعطيت لفلان‏..‏ ولا تنسي الحديث عن الشعب المتخلف‏..‏ والشوارع القذرة وزحام المرور وأنفلونزا الحمير والخنازير والطيور‏..‏ وعشوائيات الدويقة واسطبل عنتر وقلعة الكبش‏..‏ ولا تنسي بعد ذلك أن تكتب كتابا عن رحلة صعودك في دنيا الملايين من بداية المشوار في أبوقتاته‏..‏ حتي نهايته في جورج سانك في باريس‏..‏ ولا تذكر شيئـا عن رفاق رحلتك السابقين‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



باريس‏..‏

إنـي اكتفيت بأن أري عينيك

خلـف‏'‏ السين كـالعمر الجميل

فالصبح في عينـي شئ مستـحيل



والحلم في أعناقنـا قيد ثـقيل

كم كـنـت أحلـم‏..‏

أن أجيء إلـيك مشدود الخطـي



لكن قيدا في الضـلـوع يشدني

وأقوم يجذبني

وأصرخ يحـتـويني‏..‏



ثـم أسقـط كـالحطام

وأري الكلام يسيل من صدري‏..‏

وينـزف تحت أقدامي‏..‏



ويلـقيه الزحام‏..‏ إلي الزحام

كلماتنا صارت دماء

ودماؤنـا صارت كلام



القيد يا باريس علــمني الكـثير

فـالضوء في أيامنـا شيء محال

والخبز للأبنـاء عجز‏..‏



أو دموع‏..‏ أو خيال

والحلـم في نـومي ضلال

والصمت أفضل من سراديب السؤال



قـالـوا‏:‏ لديك يسافر العشاق‏..‏

في حلـم طـويل لا يموت

والحب في أعماقنـا



شبح تـغلـفـه المنـايا‏..‏

في خيوط العنـكبوت

وإذا أتيت إلـيه يجذبني



فأهرب‏..‏ أو أموت

الحب في دمنا يموت

باريس‏..‏



إنـي أحاول أن أقـول لديك شيئـا‏..‏

آه من صمـتي القـبيح

قـطـعوا لساني‏..‏



ما زلـت أخـفي بعضه سرا‏..‏

وينـزف بين أوراقي

أحنطـه كتذكـار لأيام مضت



لي في ربوعك قبل أن أمضي رجاء

سيجيء ابني ذات يوم

علـميه النـطق يا باريس



أن يحكي‏..‏ ويصرخ

أن يقـول كما يشاء

فلقد تركـت لـه لساني



بين أوراقي ذبيح

حتـي تـظل دماؤه بعدي تـصيح‏-‏



من قصيدة تأملات باريسية سنة‏1989‏